محمد القاسم**

لم يعتمد العرب قبل الإسلام تقويمًا خاصًا بهم على الأرجح رغم اعتمادهم السنة القمرية وتقسيمها إلى اثني عشر شهرًا، وتسميتها بأسماء مختلفة كما بالجدول التالي:

 

 

 

الأشهر الإسلامية الاسم القديم – برواية المسعودي شهور العرب الشمسية الأشهر السبئية الحميرية الأشهر العربية الجاهلية- برواية البيروني الأشهر الثمودية
محرم ناتق ربعي ذو أبهي المؤتمر موجب
صفر ثقيل دفئي ذو دنم ناجر موجر
ربيع الأول طليق ناتق ذو دثأ خوان مورد
ربيع الآخر ناجر ناجر ذو حجتان صوان ملزم
جمادى الأولى سماح آجر ذو حضر حنتم مصدر
جمادى الآخرة أمنح بخباخ ذو خرف زبار هوبر
رجب أحلك خرفي ذو مخظوم الأصم هوبل
شعبان كسع وسمي نجوة عادل موهاء
رمضان زاهر برك ذو فلسم نافق ديمر
شوال برط شيبان ذو فرع واغل دابر
ذو القعدة حرف ملحان ذو سلأم هواع حيفل
ذو الحجة نعس رنة ذو ثور برك مسبل

وإنما اعتمدوا في تأريخهم لأحداث حياتهم على حوادث تاريخية مشهورة، مثل: عام الفيل وحرب الفجار وإعادة بناء الكعبة… وربما يرجع السبب في ذلك إلى الطبيعة العربية القديمة حيث الترحال وعدم الاستقرار وكثرة الحروب والمنازعات بين القبائل المختلفة، وعدم اجتماعهم على حادثة بعينها تكون بداية تأريخ لهم.

ومع ذلك فقد اتفقت القبائل العربية على احترام أشهر بعينها، أطلقوا عليها الأشهر الحرم وهي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب، حرموا فيها الاقتتال والغارات، ورغم ذلك لم تسلم من التحايل عليها، حيث لجئوا قبل الإسلام إلى نظام النسيء الذي يعطيهم الحق في تأخير أو تسبيق هذه الأشهر الحرم، واستمرت هذه العادة حتى جاء الإسلام وحرمها بقوله تعالى: “إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله…” (التوبة: 37).

وبعد مجيء الإسلام استمر العرب والمسلمون فترة من الزمن على ما كانوا عليه من قبل، يؤرخون بالأحداث الهامة، واستمر ذلك حتى بعد هجرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة المنورة، حيث لم تُعطَ السنوات تواريخ رقمية تدل عليها، وإنما أعطيت أسماء تدل على أشهر الحوادث التي وقعت بها، فالسنوات العشر التالية للهجرة وحتى وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) أخذت الأسماء التالية:

1 – السنة الأولى: عرفت بـ”الإذن”.

2 – السنة الثانية: عرفت بـ”الأمر”.

3 – السنة الثالثة: عرفت بـ”التمحيص”.

4 – السنة الرابعة: عرفت بـ”الترفئة”.

5 – السنة الخامسة: عرفت بـ”الزلزال”.

6 – السنة السادسة: عرفت بـ”الاستئناس”.

7 – السنة السابعة: عرفت بـ”الاستغلاب”.

8 – السنة الثامنة: عرفت بـ”الاستواء”.

9 – السنة التاسعة: عرفت بـ”البراءة”.

10- السنة العاشرة: عرفت بـ”الوداع”.

واستمر الوضع على هذه الصورة حتى تاريخ خلافة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) الذي ارتأى حاجة الدول الإسلامية المتسعة الأطراف إلى تقويم خاص بها، وبعد مشاورات ومداولات مع وجوه الصحابة اتفقت الكلمة على أن يتخذ من هجرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) من مكة إلى المدينة مبدأ للتقويم؛ وذلك لأن الهجرة فرقت بين الحق والباطل، وكانت بداية حقيقية للدولة الإسلامية، وقد اتفق على أن يتخذ أول شهر محرم من السنة التي هاجر فيها الرسول (صلى الله عليه وسلم) مبدأ للتأريخ الإسلامي؛ لأنه من الأشهر الحرم، وأول الشهور في العد، ومنصرف الناس في الحج. علمًا بأن الهجرة لم تكن في هذا اليوم، وإنما سبقته بنحو 67 يومًا؛ حيث بدأت في أواخر أيام شهر صفر، ووصل النبي (صلى الله عليه وسلم) المدينة في 12 من ربيع الأول.

وتلقت الأمة هذه الخطوة الحضارية بالمباركة والقبول، حيث أعطت كينونة مستقلة للمجتمع المسلم الناشئ، وكانت بمثابة وعاء لحضارة جديدة ستملأ العالم، ومنذ هذه اللحظة بدأ التأريخ الإسلامي يأخذ طريقه إلى العالمية ويسير في ركاب الحضارة الإسلامية، وظل الوضع على هذه الحال قرونًا عديدة حتى تبدلت الأحوال، ودب الوهن والخور في نفوس المسلمين، وبدأت حركة الاستعمار الشرسة تتجه إلى العالم العربي والإسلامي، مستغلة ضعف الخلافة وانقسام المسلمين وتخلفهم.

وحرص الاستعمار منذ الوهلة الأولى على أن يمحو ذاكرة الأمة ويقطع الصلة بينها وبين تاريخها وحضارتها؛ لذلك وجه سهامه أول ما وجه إلى التأريخ الإسلامي، وحاول بشتى الطرق أن يحل التأريخ الميلادي محله أو على الأقل أن يؤرخ للأحداث بالتأريخين معًا.. فطُبق التأريخ الميلادي الجريجوري في سوريا ولبنان والأردن والعراق مع الانتداب الإنجليزي والفرنسي عليها، وطُبق في مصر سنة (1288 هـ = 1872م) في ظل حملة التغريب وفقدان الهوية التي عاشتها مصر في هذه المرحلة، واكتملت آخر فصول المأساة مع مجيء مصطفى كمال أتاتورك الذي أصدر قرارًا بإلغاء التأريخ الهجري واستبدال التاريخ الميلادي به سنة (1344 هـ = 1926م).

** محرر صفحة حدث في العام الهجري