هشام عبد العزيز**

في محاولة لفهم أبعاد ظاهرة التحرش الجنسي في مجتمعاتنا، ابتداءً بتحديد البيئة الحاضنة للظاهرة والعوامل المشجعة لها، مرورًا ببيان آثارها الحالة والمستقبلية، انتهاءً بوضع مقترحات لاستئصالها وعلاج ضحاياها؛ أجرت شبكة “إسلام أون لاين.نت” استبيانًا استقرائيًا خلال الفترة من 5 إلى 17 نوفمبر 2006، أظهر أن النسبة الغالبة من ضحايا التحرش لا يزالون يؤثرون الصمت وتجنب المتحرش خشية الفضيحة، وخوفًا من تكرر الأمر.

وكانت الشبكة قد دعت كل من تعرض لحادثة تحرش مهما كانت درجتها أو صورتها للمشاركة في الاستبيان، في محاولة لتلمس مدى الحاجة لإعداد مادة تدريبية حول التعريف بطرق تجنب التحرش أو تأهيل المتعرضين له بالفعل.

ويتكون الاستبيان من ثمانية أسئلة ترتبط الثلاثة الأولى منها بتحديد جنس الضحية وسنه، وعمره وقت تعرضه للتحرش، فيما يتناول السؤال الرابع المكان الذي تمت حادثة التحرش فيه، بينما تتعلق الأسئلة من الخامس إلى السابع بحادثة التحرش ذاتها من حيث القائم بها وتكرارها من عدمه ودرجتها، أما السؤال الثامن فيرتبط ببيان رد فعل الضحية إزاء الحادثة.

كما فتحت “إسلام أون لاين.نت” كذلك ساحة للحوار حول قضية التحرش الجنسي بالتزامن مع الاستبيان، وكانت الملاحظة التي أمكن الخروج بها من خلال الاستبيان وساحة الحوار أن ضحايا التحرش تهافتوا على المشاركة في الساحة في حين أحجموا بشكل كبير عن ملء الاستبيان.

فبينما حظيت ساحة الحوار خلال الفترة المذكورة بـ2220 مطالعة، و19 مداخلة، طالع الاستبيان 553 زائرًا، ولم يملؤه سوى 74 فقط منهم.

ولعل ذلك يعد تجسيدًا حيا للرهبة التي تنتاب الضحية وتمنعه من الإدلاء بأية معلومات عما تعرض له وإن كانت تلك المعلومات ستعطي من وراء ستار مع تجهيل هويته.

أغلب الضحايا.. إناث

– أولى المشاهدات التي أنتجها الاستبيان من خلال العينة المشاركة فيه كانت أن 71.6% من ضحايا التحرش هم من الإناث بينما بلغت نسبة الضحايا الذكور 25.6%، فيما امتنع 2.8% من المشاركين عن ذكر جنسهم.

– أما فيما يتعلق بالفئة العمرية للمشاركين في الاستبيان فظهر أن أكثر الضحايا مشاركة كانوا هم من في سن الشباب المبكر في الفئة العمرية مابين 20-30 عامًا بنسبة مشاركة بلغت 45.9%، بينما جاء في المرتبة الثانية الفئة العمرية بين 30-40 عامًا بنسبة 25.6%.

فيما كان ما نسبته 18.9% من المشاركين ممن هم في عقدهم الثاني من العمر أي في الفئة مابين 10-20 عامًا، أما نسبة المشاركة من المنتمين للفئة العمرية بين 40-50 عامًا فجاءت 4%.. بينما اتضح أن المشاركين الذين يزيد عمرهم عن 50 عامًا هم الأقل مشاركة بما نسبته 2.7% من المشاركة الكلية، وامتنع 2.5% من المشاركين عن الإجابة عن هذا السؤال.

الأطفال يتقدمون الضحايا

– أما بالنسبة لأعمار الضحايا وقت تعرضهم للتحرش، فقد كشف الاستبيان عن نتيجة في غاية الخطورة، تتلخص في أن معظم حالات التحرش الجنسي بنسبة 75.6% كان ضحاياها من الأطفال.. حيث تعرض 27% منهم للتحرش قبل أن يتموا عامهم العاشر، بينما تعرض 48.6% منهم له خلال المرحلة العمرية من 10-20 عامًا.

وفي الوقت الذي لم تسجل فيه أي عملية تحرش بمن هم فوق الأربعين عامًا من المشاركين، جاءت نسبة الضحايا في المرحلة العمرية مابين 20-30 عامًا 17.5%، وكانت النسبة في المرحلة العمرية من 30-40 عاما 2.7% فقط، فيما امتنع 2.4% من المشاركين عن الإجابة على هذا السؤال.

الشارع بيئة تحرش!!

– وعن أكثر الأماكن التي شهدت حوادث تحرش جنسي، جاء الشارع بنسبة 22.9%، تلاه المنزل 21.6%، وبنسبة واحدة بلغت 10.8% تساوت أماكن العمل والمواصلات، وحل بعدهما التليفون كوسيط لعمليات التحرش الجنسي بنسبة 4%.. بينما جاءت المدرسة في ذيل الترتيب بما نسبته 1.3%، وأجاب 4% من المشاركين بالاستفتاء أنهم تعرضوا للتحرش في أماكن أخرى، وامتنع 24.6% عن الإجابة.

وجاءت المفاجأة بعدم تعرض أي من الضحايا للتحرش عبر الإنترنت رغم كونه وسيطا خصبا لذلك، وربما يرجع ذلك لسهولة التحكم في مصادر الاستقبال والتلقي عبر ذلك الوسيط.

احذروا الغرباء

– وينتقل الاستبيان إلى استطلاع العلاقة بين المتحرش والضحية، ليكشف أن 44% من المتحرشين هم من الغرباء عن الضحايا الذين لا تربطهم بهم أي صلة، بينما جاء كل من الأقرباء والمحارم بنسبة واحدة 12.1%، يليهما الجيران بنسبة 4%، فيما تحرش 10.8% من زملاء المشاركين في العمل بهم، وفضل 16.5% من المشاركين عدم تحديد الشخص الذي قام بالتحرش بهم.

– وحول عدد مرات التحرش التي تعرض لها المشاركون في الاستفتاء، قال 36.4% إنهم تعرضوا للتحرش أكثر من مرة، بينما تعرض 35.1% منهم لمرات محدودة من التحرش، وتعرض له 24.3% منهم لمرة واحدة، ولم يذكر 4.2% من المشاركين عدد مرات تعرضهم لعملية التحرش.

– أما صور ودرجات التحرش فكان هناك تقارب في نسبها بين الضحايا وإن شكل لمس الأماكن الحساسة في جسم الضحية الرقم الأكبر بنسبة 25.6%، بينما كانت نسبة التعرض للألفاظ النابية والإيحاءات الجنسية بشكل مباشر أو غير مباشر 21.6%، وتعرض 18.9% من الضحايا للاحتكاك والتلامس بشكل عام.

أما عمليات التعريض لمشاهدة فعل أو صورة جنسية بشكل قسري، وكذلك كشف الأعضاء الجنسية للمتحرش فحدثت لـ 8.1% من المشاركين، كما تعرض 2.7% منهم لمحاولة اغتصاب كاملة، ولم يكشف 23.1% درجة التحرش التي تعرضوا لها.

الصمت والتفادي

– وفيما بدا أنه مسلك عام يتبعه ضحايا التحرش أكد 60.7% من المشاركين أنهم اتبعوا في رد فعلهم على التحرشات إما سياسة الصمت أو التفادي، حيث أشار 33.7% منهم إلى أنهم التزموا الصمت والسكوت إزاء ما تعرضوا له من تحرشات، فيما تجنب 27% منهم الشخص المتحرش وعملوا على تفاديه.

واتبع 9.4% من المشاركين أسلوب النهي الحازم للمتحرش عن فعله، ولم يختر سوى 4% من الضحايا أسلوب الفضح والسب إزاء المتحرش، وهي نفس النسبة التي اختار أصحابها الاستعانة بالغير للحماية ونهي المتحرش عن عمله.

وفي السياق نفسه امتنع 21.5 من المشاركين في الاستفتاء عن بيان ردة فعلهم إزاء الشخص أو الأشخاص المتحرشين بهم.

– وتظهر الإجابات المتعلقة بهذه الجزئية أن أغلب الضحايا الذين تعرضوا للانتهاكات داخل المنزل أو من أحد المحارم آثروا الصمت والتفادي، فيما اختار الضحايا الذين تعرضوا لانتهاكات في الشارع أو في العمل أسلوب المواجهة مع المتحرش سواء بسبه أو بنهيه بحزم أو حتى عن طريق الاستعانة بالغير.

الاستفتاء رغم كونه أجري على شريحة محدودة من المشاركين، كانت إجاباتهم على مسئوليتهم الشخصية، غير أنه يكشف دلائل غاية في الخطورة، من أهمها أننا بحاجة إلى توجيه قدر أكبر من الرعاية والمتابعة لأطفالنا، ومراقبة الأماكن التي يكون لهم علاقة مباشرة بها كدور الحضانة والمدرسة، والنوادي أو حتى على خدم المنازل.

كما يكشف الاستبيان عن الحاجة الملحة لتصميم برامج تدريبية خاصة تتعلق بالسبيل الأفضل لمواجهة محاولات التحرش وكيفية التصرف في الأماكن التي تعد بيئة خصبة للتحرش.

يظهر الاستبيان كذلك الحاجة لإعداد برامج لتأهيل ضحايا التحرش ومعالجة الآثار النفسية الناشئة عنه خصوصًا إذا تم في مرحلة الطفولة، وأيضًا بيان الهيئات المهتمة بالحماية من التحرش، بالإضافة لذلك هناك ضرورة ملحة لإعداد برامج أخرى ترتبط بالجاني بالتوازي مع البرامج المعدة للضحية، نحاول خلالها فهم نفسية المتحرش ودوافعه كخطوة أولى على طريق علاجه.


** محرر بالنطاقات الاجتماعية في “إسلام أون لاين.نت”، ويمكنكم التواصل معه عبر البريد التالي HOLOL@IOLTEAM.COM.