د.عبد المجيد النجار

المقصد الأعلى من الشريعة الإسلامية هو تحقيق مصلحة الإنسان بجلب النفع له ودفع الضرّ عنه في حياته الدنيا وفي حياته الأخرى، وعن هذا المقصد الأعلى تتفرّع مقاصد عالية يتحقّق منه بقدر ما يتحقّق منها، ويتخلّف بقدر ما يتخلّف، وكلّ أحكام الشريعة كلّيّها وجزئيّها إنّما هي موضوعة من أجل تحقيق هذه المقاصد، فإذا كانت أحكاما نصّيّة فهي مبنيّة في أساسها على ذلك، وإذا كانت أحكاما اجتهادية فينبغي أن يكون الاجتهاد فيها موجّها بالمقاصد، متحرّيا ما تكون به محقّقة لها، فمقاصد الشريعة هي المحور الأكبر في صياغة الأحكام، تدور معها حيثما تدور، وتتوجّه إليها حيثما تكون.

 الفرد المجتمع

وبما أنّ الإنسان لا تتحقّق له المصلحة على الوجه الأفضل إلاّ إذا شملت أحواله في دوائرها الأساسية الثلاث: دائرة الفرد، ودائرة الأسرة، ودائرة المجتمع، فإنّ الشريعة بنت أحكامها على مقاصد تتعلّق بكلّ دائرة من هذه الدوائر، حتى إذا ما جرى التطبيق الفعلي لتلك الأحكام تحقّق للإنسان النفع ودفع عنه الضرّ باعتباره فردا وباعتباره أسرة وباعتباره مجتمعا، دون أن يجور واحد منها على الآخر فيظفر هو بالمصلحة ويلحق بالآخر الضرر، وتلك ميزة من ميزات الشريعة الإسلامية قد لا تتوفّر في غيرها من الشرائع.

وإذا كانت مقاصد الشريعة تعتبر موجّهات على سبيل الوجوب لكلّ اجتهاد فقهي في أيّ شأن من شئون الحياة، وفي أيّ مستوى من مستوياتها، وأنّ هذا التوجيه ينبغي أن تراعى فيه مراتب المقاصد، فيقدّم ما هو أعلى على ما دونه، وما هو كلّي على ما هو جزئيّ، إلاّ أنّ أوضاع الحياة المتقلّبة قد تنتهي أحيانا إلى وضع مّا يستلزم في معالجته بالاجتهاد الفقهي صرف الاهتمام إلى مقاصد شرعية معيّنة أكثر من صرفه إلى غيرها من المقاصد لما يُرى من أنّها أبلغ في المعالجة باعتبار ذلك الظرف المحدّد، والحال أنّه من حيث الأصل ينبغي أن تكون كلّ المقاصد مأخوذة بعين الاعتبار بأقدار متساوية من الاهتمام في نطاق الدرجة الواحدة من درجاتها.

وتبعا لذلك فإنّ الاجتهاد من أجل معالجة شرعية لواقعة من الوقائع أو لحالة من الحالات أو لفرد أو جماعة من المسلمين يقتضي من بين ما يقتضي أن يتقدّم بين يديه درس عميق للوضع الذي تكون عليه تلك الوقائع والحالات أو الأفراد والجماعات في مظاهره وأبعاده وأسبابه ليكون الاجتهاد في المعالجة مبنيّا على اهتمام أوسع واعتبار أكبر بالمقصد الشرعي الذي يكون أكثر مناسبة لذلك الوضع، وتكون به الأحكام أبلغ في المعالجة لما اقتضى الاجتهاد في شأنه.

خصوصية الغربة

وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد اهتمّت بالحياة الإنسانية اهتماما شاملا فلم تغادر منها شيئا دون توجيه كلّي أو تفصيلي، فإنّ اهتمامها بالحياة الأسرية كان في الذروة من ذلك الاهتمام الشامل، وهو ما يشهد له ما ورد في شأن هذه الحياة من تفصيل في الأحكام لا يدانيه تفصيل في أيّ مجال آخر من مجالات الحياة الاجتماعية، فذلك إنّما يدلّ على عناية الشريعة الإسلامية العناية البالغة بالأسرة؛ إذ لو تركت لاجتهادات العقل في التفاصيل لكان الخطأ فيها آيلا إلى الضرر البالغ بالمجتمع كلّه، بل بمستقبل الإنسانية بأكملها.

والأحكام المتعلّقة بالأسرة تحكمها في معرض شموليتها وتفاصيلها جملة من المقاصد التي ما من حكم من تلك الأحكام إلاّ وهو موضوع من أجل تحقيقها أو تحقيق بعض منها، وتلك المقاصد هي التي ينبغي أن تكون غاية الاجتهاد في تلك الأحكام، ما كان منها منصوصا عليه فبالاجتهاد في الفهم، وما كان غير منصوص فبالاستنباط؛ ولذلك فإنّ العلم بها على وجه الدقّة يعدّ ضرورة من ضرورات الاجتهاد الفقهي في شأن الحياة الأسرية، وإلاّ فإنّ هذا الاجتهاد قد يخطئ الحكم في هذا الشأن، وذلك ما يكون له وخيم العواقب على وضع المجتمع بأكمله فضلا عن وضع الأسرة في ذاتها.

والمتتبّع لمدوّنات مقاصد الشريعة في التراث الأصولي الإسلامي يجد أنّ العناية بهذه المقاصد في شأن الأسرة لم تكن العناية المتناسبة مع حجمها في الأهمّية، إذ تكاد تكون في ذلك التراث مغمورة في تقريرات المقاصد الشرعية العامّة، في غير تفصيل لها وتأصيل.

وإذا كان الاجتهاد في شأن الأسرة المسلمة بصفة عامّة ينبغي أن ينبني على أصول بيّنة من مقاصد الشريعة في هذا الشأن، فإنّ هذا الأمر يبلغ ذروته فيما يتعلّق بالأسرة المسلمة في الغرب؛ وذلك لخصوصية وضعها التي هي فيه أسرة مسلمة في وسط اجتماعي غير مسلم بما يتضمّنه ذلك من أسباب للفتنة من جهة ومن أبعاد للدعوة، وهو ما يستلزم أن تُستبان تلك المقاصد على وجه التفصيل والدقّة من حيث ذاتها، ثمّ تُلاءم مع تلك الخصوصية، ويتمّ الاجتهاد لمعالجة أوضاعها تبعا لذلك بحسب ما تقتضيه خصوصيتها حتى تتنزّل الأحكام عليها بما يناسبها فتتحقّق مقاصد الشريعة فيها على الوجه المطلوب، وهو ما يحاول هذا البحث تقديمه.


ايقاظ الوعى وتوجيه قسط وافر من الاهتمام إلى العناية بهموم الأسرة والعمل على مجوري الوقاية و العلاج ا.