ياسر حجازي **

يُعد “ألفونس أتيين دينيه” أو “ناصر الدين دينيه” من الفنانين المستشرقين القلائل الذين أسلموا ودافعوا عن الإسلام وإنجازاته بما قدمه من كتابات عديدة رد فيها على ادعاءات المستشرقين الفرنسيين وكذبهم واحتيال بعضهم، ونقل فيها الإسلام وحقيقته باللغة الفرنسية إلى الشعب الفرنسي.

وكما يمكن للباحث عن كتابات المستشرقين والردود عليها أن يجد كتبًا كثيرة ومهمة لـ”ناصر الدين دينيه” تنصف الإسلام وتعرض حقيقته فسيجد الزائر لكبار المتاحف الفرنسية لوحاته الفنية أيضًا -لكونه من كبار أهل الفن والتصوير- المعبرة عن روح الشرق عمومًا، وعن الإسلام والمسلمين خصوصًا، وعن الجزائر البلد الذي أحبه وأسلم وعاش فيه بشكل أخص.

اكتشافه الإسلام

ولد “ألفونس أتيين دينيه” في باريس عام 1861م لأبوين مسيحيين. ومع اتساع مداركه بدأ يشعر بالقلق، ويشك في بعض المسائل، مثل: عصمة البابا، ومسألة ألوهية المسيح عند بعض المذاهب المسيحية.

وشاءت الأقدار أن يسافر “دينيه” إلى الجزائر؛ لينتقل بعدها في بلاد المغرب العربي مخالطًا المسلمين ومعايشا لهم، وسامعًا منهم، ومناقشا لهم، ومفكرًا ومتأملاً في دينهم وعقيدتهم ورسالة نبيهم؛ ليكتشف كما يذكر في كتابه “أشعة خاصة بنور الإسلام” أن العقيدة المحمدية لا تقف عقبة في سبيل التفكير، كما كان يروج الكثير من المستشرقين، فمن الممكن أن يكون المرء صحيح الإسلام وفي الوقت نفسه حر التفكير.

وهكذا ظهر له الإسلام كنور أضاء له الطريق فتفاعلت به نفسه وقلبه، فأسلم وتسمى باسم “ناصر الدين”.

عظمة الإسلام وعلمائه

ناصر الدين دينيه

ويمكن للباحث أن يتعرف على مواقف دينيه من الإسلام وقضاياه من خلال متابعة مؤلفاته الكثيرة، ومن أبرزها: رسالة “أشعة خاصة بنور الإسلام”، وسعى خلالها إلى التأكيد على عظمة الإسلام وعلماء المسلمين.

وفيها يقول: “إنهم يفخرون في فرنسا بالعالم “أستير”، ويجعلونه درة في تاج الحضارة الحديثة، ولكن فاتهم أن “جابرًا” و”الرازي” لا يقلان عنه في مرتبة العلماء والمفكرين، فهما المؤسسان الحقيقيان لعلم الكيمياء بفضل ما كشفاه عن طريق تقطير الكحول ومن اكتشاف حامض النتريك والكبريتيك”.

كما ألف دينيه “الشرق كما يراه الغرب” الذي ترجم للعربية تحت عنوان: “آراء غربية في مسائل شرقية”.

ويرى في هذا الكتاب أن الغرب يخطئ النظر إلى الشرق مع أن للشرق على الغرب أفضالاً متأصلة في مدنيته، ومتغلغلة في حياته، فمن الشرق تعلم الغرب المعاملات الاقتصادية، وعلم البحار، وعلم السماء، وعلم الأبدان، وعلم الكيمياء.

تأريخًا للرسول

لوحة الصلاة لدينيه

ومن أهم كتبه ما جعله تأريخًا لحياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو عبارة عن مؤلف من مجلد كبير وضعه برفقة صديقه الجزائري “سليمان بن إبراهيم”.

وعلى خلفيته وجه كثير من المستشرقين الفرنسيين النقد إليه، لكونه في نظرهم لم يقم وزنًا لإنتاج المستشرقين في السيرة النبوية، واعتمد على سيرة “ابن هشام” و”ابن سعد”. مؤكدًا أنه يتعذر عليه الاعتماد عليها، “فبحكم المستحيل أن يتجرد المستشرقون من عواطفهم وبيئتهم ونزعاتهم المختلفة، وهم بذلك حرفوا سيرة النبي وصحبه، وقدموا عنهم صورًا خيالية أبعد ما تكون عن الحقيقة…”.

وبعد أن عرض في كتابه أمثلة تؤكد موقفه من المستشرقين تساءل دينيه عن كثرة التناقض في أقوالهم التي استشهد بها ووثقها: “هل نستطيع أن نعتمد على آراء المستشرقين، مع أن ما ذكرناه (داخل كتابه) من اختلاف وتناقض إنما هو قليل من كثير يهدم بعضه بعضًا؟، إن الصرح الذي شيده المستشرقون في سيرة الرسول إنما هو صرح من الورق قد أقيم على شفا جرف هار”.

والسبب في نظره أن المستشرقين لم يتتبعوا المنهج السليم في الدراسة؛ “إذ إن دارس سيرة الرسول لا بد له من أن يتجرد عن الهوى والعصبية، وأن يعتمد على الأخبار الصحيحة التي رواها المسلمون أول عهدهم بالتدوين، وأن يدرس البيئة العربية في مهدها الأصلي حتى ينجلي له الغامض، ويتضح له المبهم، وتستقيم له الفكرة”.

ومن بدائع مؤلفاته كتابه “إنك في واد ونحن في واد” في الرد على المستشرق “لامانس”، القس اليسوعي الذي امتلأت كتبه عن الإسلام ونبيه حقدًا وسما رغم سعة علمه، وكثرة مؤلفاته.

وقد ذكر “دينيه” في هذا الكتاب أن “لامانس” صاح متأوهًا من كون القرآن صرف العرب عن حلاوة الإنجيل التي كانوا قد بدءوا يتذوقونها، ولم يغفر للنبي ذنب إدخاله في الإسلام هذه الملايين من جميع الأجناس بمرأى ومسمع من المنصرين المسيحيين.

كتاب الحج

وكان لحج “ناصر الدين دينيه” إلى بيت الله الحرام عام 1928م أن ألف كتاب “الحج إلى بيت الله الحرام” الذي امتدحه الأمير “شكيب أرسلان” بقوله: “أسلم وحج وألف كتابًا عن حجته إلى البيت الحرام من أبدع ما كتب في هذا العصر”.

واشتمل كتاب “الحج إلى بيت الله الحرام” على مقدمة وسبعة فصول وملحق ذي فصلين تقع جميعًا في أكثر من مائتي صفحة، وقد حلاها ناصر الدين بثماني صور من صنع يده للكعبة، والحرم الشريف، ومنظر الحج بعرفات، وصلاة المغرب حول الكعبة، وجبل النور الذي تلقى عنده الرسول الأمين الوحي عند نزوله أول مرة.

وقد تصدى كتابه لرحلات كل من الرحالة السويسري “بيرك هارد” في كتابه “رحلة إلى جزيرة العرب” سنة 1914م، والرحالة الإنجليزي “بيرتون” في كتابه “الحج إلى مكة والمدينة”، والرحالة الفرنسي “ليون روش” الذي قام برحلته إلى الحجاز بتكليف من الجنرال الفرنسي “بيجو” وأصدر كتابه “عشر سنوات في بلاد الإسلام”، والرحالة الفرنسي “لوب ليكو” في كتابه “في بلاد الأسرار حج مسيحي إلى مكة والمدينة”، “وجرفي كول تيلمون” في كتابه “رحلة إلى مكة” سنة 1896م، و”بلغراف” في كتابه “سنة في بلاد العرب الوسطى”.

وهو كتاب يُعَد مراجعة شاملة ومنصفة لكل الكتب السابقة كشف فيه الأغراض المبيتة لرحلات المستشرقين، وأنصف، في الوقت ذاته، المستشرقين الذين تحروا الصدق والدقة في كتاباتهم. كما عالج قضايا، مثل: المستشرقون والقرآن الكريم، المستشرقون واللغة العربية، الاستشراق والخط العربي والدعوة إلى الحرف اللاتيني، الاستشراق والشعر العربي.

كشف المستشرقين

كما ألف كتبًا أخرى من ضمنها ما خصصه لملاحظاته وردوده على بعض المستشرقين الذين زعموا أنهم دخلوا الأرض المقدسة خفية، ومما جاء فيه: “زعم كثير من الأوروبيين أنهم دخلوا الأرض المقدسة خفية، وبعد البحث والتدقيق ظهر لنا أن أغلبهم لم يستطع الدخول إليها، وإنما كتبوا رحلات موهومة وأتوا فيها بأخبار مزعومة”.

ومما قاله عن رحلة “بيرك هارد” السويسري والتي سجلها في كتابه “رحلة إلى جزيرة العرب”: “كانت رحلته إلى الحجاز وحجه سنة 1814م والتفصيلات التي كتبها عن الحجاز جعلتنا نشك في صحة رحلته…”.

وأضاف: “إنه بدل أن يكتب الحقائق ويصور لنا الأفكار العربية ويصف لنا المناظر الطبيعية الجميلة صرف جهده وضيع وقته في قياس مساحة الحجرة الشريفة وقياس الشبابيك الدائرة بها… إلخ”.

وقال عن كتاب الرحالة الفرنسي “لوب ليكو” “في بلاد الأسرار حج مسيحي إلى مكة والمدينة”: أخذ “لوب ليكو” يصف لنا ما يسميه الصلاة من أول صفحة من كتابه المذكور، لكنه وصف لا نجد له بصفاته هذه وطنًا إلا في هذا الكتاب (أي كتاب “لوب ليكو”). وعلق دينيه قائلاً: “إن كذبًا ووقاحة مثل هذه جعلت مهنة المستشرق عبثًا”.

كما تحدث عن فساد الترجمات التي قدمها الكثير من المستشرقين للقرآن الكريم، ومن أمثلة ذلك: “… عوض أن يترجم المستشرقون البسملة وهي: “بسم الله الرحمن الرحيم” بالمعنى المفهوم الذي يفهمه جميع المسلمين تلاعبوا بمعناها ما شاء لهم الهوى، فجعلوا الرحمن الذي وصف علَمًا، وصاحوا أنه يوجد معبودان في القرآن وهما: “الله والرحمن”!!.

دفاعًا عن الخط واللغة

وتعرض ناصر الدين في كتبه للطرق التي اتخذها بعض المستشرقين وسيلة للقضاء على الإسلام وهي إعلانهم الحرب على الكتابة العربية، فقد أرادوا إبدال حروف لاتينية بحروفها، زاعمين أنهم يريدون بهذا مصلحة للعرب ولغتهم بمقتضى زعمهم.

كما طالب دينيه الشرق الإسلامي بالثورة على هذه الأفكار، وأشار إلى أنه كفنان يثور ضدها؛ لأنها باطلة، كما وجه نداء حارا إلى زملائه هواة الفنون الجميلة من كل جنس ودين بأن يحتجوا بكل قواهم ضد هذه الدعوات المنطلقة بغضًا بالقرآن الكريم صاحب الخط البديع، فالخط العربي، برأيه، فن جميل لذاته، ويجب الحفاظ عليه قبل كل شيء.

ووصف الكتابة العربية، مصورًا خطيئة الذين أرادوا إبدال خط آخر بها قائلاً: “الكتابة العربية هي أرقى نوع فني عرفه الإنسان، وأجمل خط يستطيع المرء أن يقول فيه من غير مبالغة: إن له روحًا ملائمة للصوت البشري، موافقة للألحان الموسيقية”.

كما وصف الكتابة العربية بأنها: “عبارة عن مفتاح يكشف عن ألغاز الحركات القلبية الدقيقة، وكأن حروفها خاضعة لقوة روح سارية، فتراها تارة تلتف مع بعضها على أشكال هندسية بديعة مع محافظتها على جميع الأسرار المودعة فيها، وطورًا تراها تنطلق وتقف بغتة كأنها معجبة بنفسها، وتارة تراها تنطلق جارية تتعانق وتارة تتفرق”.

ويضيف: “كلما تأملت في أشكالها الجذابة أخذت أفكاري إلى أحلام بعيدة، ولا يلزمني أن أكون مستعربًا ولا ساحرًا لأتمتع بجمالها الساحر الفريد، بل كل إنسان توجد فيه روح الفن تأسر قلبه هذه الكتابة”.

ويؤكد أن الخط العربي يمتاز على سائر الخطوط بكتابته من اليمين إلى اليسار اتباعًا لحركة اليد الطبيعية، فنجد الكتابة أسهل وأسرع من الكتابات التي تكتب من الشمال إلى اليمين؛ ولهذا كان الفنان الكبير “ليوناردو دافينش” يرسم ويكتب من اليمين إلى اليسار اتباعًا لقاعدة الخط العربي.

وصف إسلامه ووفاته

كما يصف دينيه كيفية تعرفه على الإسلام قائلاً: “عرفت الإسلام فأحسست بانجذاب نحوه، وميل إليه فدرسته في كتاب الله، فوجدته هداية لعموم البشر، ووجدت فيه ما يكفل خير الإنسان روحيا وماديا، فاعتقدت أنه أقوم الأديان لعبادة الله، واتخذته دينًا، وأعلنت ذلك رسميا على رؤوس الملأ”.

وفي ديسمبر سنة 1929م تُوفي “ناصر الدين دينيه” بباريس وصلى عليه بمسجدها الكبير بحضور كبار الشخصيات الإسلامية وغيرها ووزير المعارف بالنيابة عن الحكومة الفرنسية. ثم نقل جثمانه إلى الجزائر، حيث دفن في المقبرة التي بناها لنفسه ببلدة “بوسعادة” تنفيذًا لوصيته.

** صحفي مصري.