القاهرة – نبيل المازني
مسجد الإمام الحسين بالقاهرة

تحولت النذور (*) إلى ما يشبه العادة في بعض دول العالم الإسلامي، خاصة لدى المنتمين للشرائح الاجتماعية المتوسطة وما دونها؛ فهؤلاء الناس يزورون أضرحة أهل البيت وأولياء الله الصالحين خاصة في المواسم والأعياد الدينية، ويضعون أموالا أو مشغولات ذهبية فيما يسمي بـ”صناديق النذور” بعد أن نذروها لله تعالى.

ولا تقتصر مسألة النذور على دولة أو مذهب؛ فهي موجودة لدى السنة والشيعة في العالم الإسلامي؛ ففي مدينة قم الإيرانية تجد صندوقا للنذور بجوار ضريح محمد بن موسى، وهو مشهد لا يختلف كثيرا عن ضريح هاشم بن عبد مناف في غزة، أو ضريح الإمام علي بمدينة النجف العراقية، أو الإمام الحسين في مصر.

غير أن أموال النذور التي يختلف حجمها من دولة لأخرى تعد أحد القطاعات الاقتصادية المسكوت عن الاستفادة منها في العالم العربي الإسلامي وتوجيهها نحو الاستثمار السليم المفيد لجمع الناس.

ونحاول في السطور القادمة استعراض التجربة المصرية في تنظيم الاستفادة من أموال النذور.

أين تذهب الأموال؟

تمثل زيارة الأضرحة جزءا من الثقافة الشعبية في مصر، وهي ثقافة عمرها مئات السنين، ومنها نشأ ما يسمى بصناديق النذور التي عبرت بشكل مادي عن شغف البسطاء بأهل البيت وأولياء الله الصالحين.

ومع زيادة أعداد الزائرين لهذه المساجد زادت حصيلة هذه الصناديق حتى وصلت للملايين، وتحول العمال بهذه المساجد إلى أثرياء، وأصبحنا نسمع عن خليفة المسجد وحامل مفتاح الضريح، وكلاهما يحصل على ما يزيد على نصف مليون جنيه سنويا ( الدولار= 7 جنيهات).

وبدلا من الاستفادة الاقتصادية للمجتمع بأموال هذه الصناديق.. ذهبت إلى جيوب فئة قليلة من المستغلين لا يزيد عددهم عن مائة شخص، بينما يوجد بوزارة الأوقاف حوالي 200 ألف عامل، 80% منهم من محدودي الدخل.

تنظيم الأوقاف

أجرت وزارة الأوقاف بمصر العديد من الدراسات، وقامت بالعديد من حملات التفتيش على المساجد الكبرى التي بها صناديق نذور، وكانت المفاجأة أن حصيلة هذه الصناديق خلال عام 1998 بلغت حوالي 5.5 ملايين جنيه (بعض التقديرات غير الرسمية ترفع هذا الرقم إلى عدة أضعاف).

وتقاضى العاملون بهذه المساجد -وعددهم كما يقول الشيخ حسين خضر وكيل وزارة الأوقاف لشئون المساجد والقرآن الكريم لا يزيد عن 100 شخص- مليوني جنيه؛ أي ما يعادل 40% من هذه الحصيلة؛ لذلك كان طبيعيا أن يتم اتخاذ إجراء حاسم لمواجهة هذه الظاهرة، واستخدام أموال صناديق النذور بشكل اقتصادي يساهم في تحقيق أهداف الوزارة وخدمة الدعوة الإسلامية.

وأضاف الشيخ خضر أن الوزارة تبنت سياسة ضم جميع المساجد الأهلية على مستوى الجمهورية؛ وهو ما يحملها أعباء مالية كثيرة لمواجهة نفقات عمارة هذه المساجد وصيانتها وتأثيثها، وذلك تطلب البحث عن مصدر شرعي لتمويل هذه المساجد.. وإذا كانت هذه الأموال قد نذرها أصحابها للخير فليس هناك أفضل من بناء المساجد وإعمارها، كما أننا يجب أن نواجه أنفسنا بحقيقة مهمة جدا، وهي أن مناصب مثل الخليفة وحامل مفتاح المقصورة الموجودة في مساجد النذور أصبحت وصمة في جبين الأمة الإسلامية، خاصة ونحن نعيش عصر التطور التكنولوجي والكمبيوتر والإنترنت.

وقد نجحت وزارة الأوقاف خلال السنوات الماضية في تحجيم ضياع أموال النذور، بعد صدور قرار وزير الأوقاف في عام 1998 الذي ينص على تخصيص نسبة 10% بدلا من 25% من حصيلة صندوق المسجد أو الضريح لتوزيعها على العاملين على النحو التالي: حصة ونصف لكل من شيخ المسجد والإمام بحد أقصى 300 جنيه شهريا، وحصة واحدة لكل من أمين المكتبة وكاتب النذور ومقيم الشعائر ورئيس العمال بحد أقصى 100 جنيه شهريا، ونصف حصة لكل من قارئ السورة والعمال الحرفيين وعمال الخدمة المعاونة بحد أقصى 80 جنيها شهريا.

كما يخصص لكل من خليفتي المسجد الأحمدي بطنطا (شمال مصر) نسبة مقدارها 3% من حصيلة الصندوق بحد أقصى 20 ألف جنيه، كما تخصص لحامل مفتاح مقصورة الضريح نسبة 2% من الحصيلة وبحد أقصى 10 آلاف جنيه سنويا بصفة استثنائية، ويلغى تماما هذان المنصبان بعد خلوهما لأي سبب من الأسباب.

المادة الأهم في هذا القرار هي أنه تم تحديد مدة شغل الوظيفة بمساجد الأضرحة؛ بحيث إنها ستصبح 4 سنوات فقط من تاريخ تسلم العمل، ولفترة واحدة طول مدة خدمة الموظف بوزارة الأوقاف، ولا يجوز تجديدها. أما باقي المبالغ في صناديق النذور فتخصص لتأسيس المساجد وإعمارها.

ارتياح للتنظيم

وارتاح بعض دافعي النذور لهذا التنظيم؛ فتقول سلوى محمد (مدرسة): إن أموال النذور يمكن أن تمثل إضافة كبيرة لموارد وزارة الأوقاف، ويمكن الاستفادة منها في زيادة أعداد المقبولين بدور الأيتام التابعة للوزارة، أو زيادة عدد المنح المقدمة للطلبة الفقراء وذوي الاحتياجات الخاصة.

أما مصطفى البيلي (إمام مسجد) فيرى أن تنظيم النذور تأخر لسنوات طويلة؛ حيث ظلت فئة قليلة من العاملين بهذه المساجد يستنزفون أموال المسلمين بدون وجه حق وبمبررات وهمية، مشيرا إلى إمكانية الاستفادة من أموال النذور في رفع مستوى الدعاة والأئمة وتنشيط الدعوة الإسلامية.

بينما قال أحمد السيد (موظف): يفضل أن تخضع أموال النذور إلى إشراف منظمات أهلية؛ حيث إنه لا يثق في إدارة البيروقراطية المصرية لأموال النذور.

نحو المشروعات الصغيرة

أساتذة الاقتصاد الإسلامي يرون أن قرار تنظيم النذور أدى إلى توفير ملايين الجنيهات لوزارة الأوقاف، ولكنهم أكدوا على أنه يمكن استثمار أفضل لأموال النذور.

ويقول د.محمد عبد الحليم عمر: إن حصيلة أموال النذور هذا العام وصلت لأكثر من 8 ملايين جنيه، وتزداد الحصيلة سنويا بما يعادل نصف مليون جنيه، مشيرا إلى أنه يمكن جمع أموال النذور في صندوق مستقل تشرف عليه وزارة الأوقاف، وحصيلة هذا الصندوق يمكن الإنفاق منها على المشروعات الصغيرة للشباب بإعطائهم قروضا حسنة، أو إقامة عدد من المشروعات الخدمية كالمستوصفات ودور الحضانة.

وأضاف أنه يمكن زيادة عدد صناديق النذور بالمساجد، وبالتالي ستزداد حصيلة هذه الأموال، ويزيد حجم الاستفادة منها، مؤكدا على أهمية تشكيل لجان لفتح صناديق النذور مكونة من عناصر مختلفة لا توجد أي علاقات بين أعضائها، مع تغيير تشكيل هذه اللجان كل فترة.

اقرأ أيضًا:

  • حكم أموال النذور وحق عمال المسجد فيها
  • (*) النذر هو أن يلزم الإنسان نفسه شيئا غير واجب، وقد ورد  النهي عنه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تنذروا. فإن النذر لا يُغني من القدر شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل” (رواه مسلم وأحمد والترمذي والنسائي). ولكن الإنسان إذا نذر لزمه الوفاء بشرط أن يكون النذر في طاعة وفيما يملك الناذر.