1 – الناس أصناف ثلاثة:

من يتأمل الناس يجد أن القرآن قد صنفهم في ثلاث فئات:

  1. مؤمنين بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم “الذين آمنوا”.

  2. أهل كتاب عندهم ناموس عقيدي وأخلاقي وتشريعي، من أتباع ديانات سابقة علي الإسلام “الذين هادوا والصابئون والنصارى والمجوس”.

  3. دنيويين مشركون “الذين أشركوا”.

والله يقول في شأنهم جميعًا: “إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد” (الحج: 17).

2- علاقة الكتب المقدسة بعضها ببعض:

يقول الله تعالى: “وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقًا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقًا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين” (المائدة: 46).

ويقول تعالى: “وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون” (المائدة: 48).

فقد جاء الإنجيل مصدقًا لما بين يديه من التوراة.. أي مصدقاً لما بقي من حق في التوراة. فالتوراة ربما اعتراها تحريف أو أن تكون أحكامها أحكام تخص أوضاعاً خاصة، وليست أوضاعاً أبدية، فيأتي الإنجيل ليصدق الجزء الثابت من الدين: العقيدة والقيم، ويعفو عن الجزء المتغير أو الجزء الذي أصابه التحريف.

وكذلك القرآن بالنسبة للإنجيل، يأتي مصدقاً لما بقي متوافقاً مع الجزء الثابت من الدين، ومهيمناً عليه؛ بمعنى أنه إذا حدث اختلاف فالمرجع هو القرآن.. سواء كان هذا الاختلاف نتيجة تغير الظروف وخصوصية أحكام الإنجيل أو كانت نتيجة تحريف تَرَاكَمَ مع الزمن.

3 – التفرق في جماعة المسلمين:

من المهم- ونحن نعالج هذه القضية- أن نتناول قضية التفرق في جماعة المسلمين ذاتها، وهي قضية تسهم في توضيح هشاشة أسباب الفرقة بصفة عامة.

لقد عاشت الأمة الإسلامية غنية بالاختلاف البناء إلا قليلاً. هذا القليل تمثل في بعض الفرق التي بدأ خلافها خلافاً سياسياً ثم تحول إلى خلاف عقيدي. وفي العصر الحديث بدأت عمليات التقريب بين هذه الفرق تأخذ في النمو والازدهار. ولقد كان لي شرف المساهمة في هذا السبيل، عندما التقينا في الستينيات في الولايات المتحدة الأمريكية بآلاف من الطلبة المسلمين من كل أنحاء العالم، وينتمون إلى فرق ومذاهب متعددة؛ منهم الشيعة ومنهم السنة. وعندما التقينا على قلب رجل واحد بالنسبة لآفاق العمل الإسلامي في الولايات المتحدة سرعان ما نسينا خلافاتنا، وصلى بعضنا وراء الآخر، وساد بيننا الفكر الإسلامي الحديث، سواء أفرزته النخبة السنية أو أفرزته النخبة الشيعية. وفي سنوات قليلة نسينا كل خلافاتنا، وسمى الشيعي ابنه عمر، ورأس جمعية الطلبة المسلمين هناك ثلاثة من الشيعة العراقيين والإيرانيين والأفغان من عام 1963 وحتى عام 1971. ولكن للأسف الشديد عندما أزور أوروبا الآن أو الولايات المتحدة أجد تياراً جديداً من جماعات التفريق بين المسلمين باسم العقيدة، يكفرون الناس جميعاً. رأيت هناك من يتهم حسن البنا وسيد قطب في عقيدته، ومن يكفر محمد الغزالي ويوسف القرضاوي. إن من يفعل هذا يعبر عن تيار إجرامي، لا أدري من وراءه؟ ومن يدفع له ثمن الطائرات؟ ومن يضع بين يديه الأموال ليشتري بها أئمة المساجد في هذه البلاد؟ وفوجئت في مصر؛ في القاهرة والإسكندرية ببعض المكتبات التي تعرض في واجهاتها كتباً تسب الشيخ الغزالي والشيخ القرضاوي؛ هذين المجاهدين اللذين أبليا في سبيل الله بما يعرفه القاصي والداني.

هذا التيار التفريقي يتفنن في اختراع أساليب التفريق الشيطانية. أذكر أنني وجدت عند أولادي رسالة عنوانها “الرأي السديد في أن دخول المجلس منافٍ للتوحيد” … صعقت من العنوان. وبالرغم من أنني مختلف مع حرص بعض الحركات الإسلامية في مصر حول الدخول في البرلمان إلا أن ذلك يرجع لأسباب تتعلق بالمصالح والمضار، وليس لأسباب تتصل بالعقيدة. أذكر أني قرأت هذه الرسالة؛ لأبحث عن الأسباب التي حولوا بها قضية خلافية حول المصالح إلى قضية عقيدية يفترق حولها المسلمون، فلم أجد إلا عبثاً بآيات الله، وليًّا للعقول والألسنة بالقرآن.

4- قضية الحكم بما أنزل الله بين اليهود والنصارى والمسلمين:

يقول الله – تعالى -: “يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سمّاعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم * سمَّاعون للكذب أكَّالون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا فإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين * وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين * إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونورٌ يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلاً ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون * وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون * وقفَّينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقًا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقًا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين * وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون” (المائدة: 41 – 47).

أولاً – ما الحكم بما أنزل الله؟

قلنا من قبل إن الدين يشتمل على العقائد و القيم والشرائع والمناهج. وقلنا إن العقائد والقيم واحدة عند كل الرسل، أما الشرائع والمناهج؛ فأصولها ثابتة، وفروعها متغيرة مع الزمان والمكان.

وكلمة الحكم يمكن أن تكون حكمًا في اختلاف عقائدي أو قيمي أو شرائعي أو منهجي؛ ولذلك عندما يقول القرآن: “وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون” (المائدة: 47) يكون الأمر هنا هو حثهم على الالتزام بالجزء الثابت من الدين (العقائد والقيم). هذا، وإلا فإن عدم الالتزام بهذه العقائد والقيم سوف يؤدي إلى شيوع الفسق في المجتمع. فأي نظام قيمي يحتاج لنظام عقائدي من ورائه، ورحم الله الرافعي الذي كان يقول: “لا ثقة لي في متخلق لا دين له”؛ لأن الأخلاق من غير نظام عقائدي سرعان ما تتحلل وتذوب. والدولة الإسلامية تحرص على التدين عند كل طوائفها، ومنهم المسيحيون الذين بقوا على مسيحيتهم. ولأن الإنجيل لا يحمل في طياته تشريعاً، ومن ثم لا يملك النصارى قوانين ذات أصل عقيدي؛ فإنهم محكومون بقوانين الدولة ذات الأغلبية المسلمة التي يعيشون فيها. وحتى القوانين الكنسية المتعلقة بالأسرة ونظام الزواج والطلاق وبالرغم من أنها ليست واحدة عند كل فرق النصارى؛ فإن الدولة الإسلامية تحترمها ما دام أهلها يربطونها بعقيدتهم وقيمهم. فتعظيم التدين عند كل الناس هو من الأهداف المستقرة في الدولة الإسلامية، وهو أمر القرآن للحاكم المسلم: “وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون” (المائدة: 47). ولا يستطيع حاكم مسلم في دولة إسلامية أن يفرض على من لا يدينون بالإسلام عقائد وقيماً مخالفة لدينهم، ولا قوانين مدنية عندهم منها قوانين مخالفة.

وهذا الذي استنتجناه بشأن أهل الإنجيل طبقه المسلمون على كل أصحاب الديانات الأخرى: اليهود والمجوس والصابئة وديانات الشرق الأقصى. وقد مر بك في هذه الدراسة موقف عمر بن عبد العزيز من المجوس في قوانين زواجهم، وقول فقيه الأمة في عصره له: “هذا مما جرت به عقائدهم، وإنما أنت متبع ولست مبتدعًا، فالزم، والسلام”.

والشرائع ينبغي أن يكون لها سلطان في القلوب قبل أن يكون لها سلطان في الدولة. ولو حدث انفصام بين سلطان القلوب وسلطان الدولة فستكون هذه الظاهرة هي الحالقة والحارقة للناس والدولة. ولعل هذا من بعض معاني قوله تعالى: “الأعراب أشدّ كفرًا ونفاقًا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله…” (التوبة: 97).

والآيات التي استعرضناها من سورة المائدة “يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر …” توضح لنا حالة من الاتحاد الإجرامي بين هؤلاء الأعراب وبين طائفة من أهل الكتاب من اليهود. هذه الطائفة اليهودية طائفة سماعة للكذب سماعة لهؤلاء المنافقين من الأعراب، وليس عندهم الأمانة أن يأتوا رسول الله ليفهموا ويتعلموا، ولكنهم يعلمون الأعراب ما يأخذونه وما يتركونه من كلام رسول الله. وأظن أن هذه الظاهرة موجودة بيننا الآن، عندما نجد تحالفاً بين بعض أهل الكتاب وبين مجموعات من المنافقين والملحدين الذين يقولون آمنا بأفواههم، والذين لم تؤمن قلوبهم.

والقرآن يعبر عنهم بأنهم “سمَّاعون للكذب أكَّالون للسحت”: أي أن الكذب وأكل الحرام أصبح أمراً أصيلاً فيهم، وأن الداء قد استأصل في أعماقهم. هؤلاء المنافقون والكفرة يريدون أن يطبقوا فقط جزءاً من شريعتهم، ويهربوا منها إلى الشريعة الإسلامية في بعض الأمور، أي أنهم يتلاعبون بالشرائع، وفي الحقيقة هم قوم كافرون. ولذلك، فالأمر للرسول، ولكل حاكم مسلم من بعده، أن ينظر في الأمر نظرة فاحصة، فإن كان في شريعتهم حكم في نفس القضية طبقه عليهم، وإن لم يكن هناك حكم فعليه أن يطبق عليهم شريعة الإسلام، وليقسط … “إن الله يحب المقسطين”. ويبسط القرآن جزءاً من القانون الجنائي الذي كتبه الله عليهم، وينذرهم أن من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون.

ونستنتج من ذلك أن هناك أنواعاً من الخلق:

أ. نوع مؤمن برسالة سماوية في جزئيها العقيدي والقيمي، ولكنه لا يقيم حياته المدنية عليها … فيهمل تطوير شريعته وعقائده وقيمه … وهؤلاء هم الفاسقون.

ب. ونوع ينتقي من الشرائع ما يكرس حالته من الكذب وأكل السحت … وهؤلاء هم الكافرون.

جـ. ونوع يؤمن بعقيدة وقيم وشريعة، ولكنه لا يطبقها … وأولئك هم الظالمون.

د. ونوع، ندعو الله أن نكون منه، يؤمنون بعقيدة الإسلام،وبقيم القرآن، وبقوانين القرآن ويقيمون حياتهم شريعة ومنهاجًا على الهدى والنور الذي يشع من كتاب ربهم … وهؤلاء هم المؤمنون.
5- موقف أهل الكتاب من بعضهم البعض ومن المسلمين:

لقد استعرضنا في الصفحات السابقة موقف القرآن من أهل الكتاب، فماذا يقول القرآن عن موقفهم من بعضهم البعض وموقفهم منا؟ يقول تعالى: “وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون” (البقرة: 113). فنفي اليهود للنصارى ونفي النصارى لليهود وهم أصحاب كتاب أمر لا يليق بهم، وإنما يفعله الجهلة الذين لا يعلمون. وأصحاب الديانات السماوية ينبغي أن يبحثوا عن الحق المشترك بينهم، ولا يزعم كل فريق أن الآخرين لا يملكون من الحقيقة شيئًا على الإطلاق “ليسوا على شيء”، وإنما نبحث عن الجوهر المشترك، ونترك ما اختلفنا فيه لله تبارك وتعالى يحكم بيننا يوم القيامة. وبالطبع ينطبق هذا القول على طوائف المسلمين وطوائف النصارى وغيرهم من أهل الكتاب. لا نطالب كل فريق أن ينخلع من عقائده، وإنما نحترم هذا الاختلاف مع إيمان كل منا بما عنده. ففي تاريخ البشرية كان هذا الاختلاف هو الوقود الذي أضرمت به النيران لتحرق المخالفين في العقيدة؛ ولذلك يتحدث القرآن في الآية التالية لهذه الآية مباشرة فيقول: “ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم” (البقرة: 114).

ومساجد الله هي كل مكان يسجد فيه لله ويُذْكَر فيها اسمه. واحترام هذه المساجد والاقتراب منها بملء القلب خوف من الله هو الجدير بالمؤمنين بالله، بالرغم من اختلاف توجهاتهم. أما الذين يسعون في خراب بيوت العبادة فأولئك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم. إن القرآن يقرر هذه المبادئ العظيمة؛ لتستقر في عقول المؤمنين، يبتغون بها وجه الله وحده… ولا ينتظرون رضا أهل الكتاب عنهم، فيقول تعالى: “ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير” (البقرة: 120). وهو درس للمؤمنين في كل زمان ومكان أن يقفوا مع الحق مع كل الناس، رضي عنهم الناس أو سخطوا؛ أحبوهم أو كرهوهم، فإنه كما يقول تعالى: “ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى…” (المائدة: 8).

تابع في نفس الموضوع: