عبد الرحمن الحاج**

عبد الرحمن الحاج

لم يتجاوز النقد الموجه للتراث الفقهي المتعلق بتقسيم المعمورة حدَّ كشف الخلفية التاريخية التي أسست لها في التراث، وما استطاعت الدراسات في هذا الموضوع إلى اليوم التجاوز إلى الكشف عن “التصور الإسلامي للمعمورة” خارج إطار هذا التراث الفقهي التاريخي، فأقصى ما حققته هو إثبات التاريخية وتعديل بعض المفاهيم الخاصة بهذا التقسيم لتجنب المشكلات الكثيرة التي خلفتها المفاهيم التراثية التقليدية عن العالم وتقسيم المعمورة.

مشكلات التقسيم الفقهي

موضوع تقسيم المعمورة من الخطورة بمكان؛ بحيث يصعب تجاوزه واعتباره مجرد خلاف فقهي فروعي، فبتقديرنا أن هذا الموضوع يشكل أحد أهم موضوعات الفقه السياسي الإسلامي، فهو يمثل أساس التصور الفقهي للعلاقات الدولية، ومسائل الجهاد وأحكام الأقليات الدينية في العالم الإسلامي، والخطورة متأتية من اعتماد الحركات الإسلامية الراديكالية في تصوراتها وتصرفاتها على الأحكام المتعلقة بالتصور التراثي الفقهي لتقسيم المعمورة.

المشكلات التي تواجه التراث الفقهي، بالتأكيد هي أوسع بكثير من مسألة التقسيم الإسلامي للمعمورة، فهي تتسع لتشمل معظم الفقه السياسي، وقدرة الوعي الإسلامي الحديث على التخلص من التصورات الفقهية التاريخية الثاوية فيه، للتخلص من الحالة الشاذة التي تسود الفكر الإسلامي السياسي المعاصر الذي يبني أحكامه للدولة الحديثة اعتمادًا على أحكام الخلافة، فهو في حالة “صورة الدولة وظل الخلافة”، ولن يستطيع التخلص من هذه المعضلة ما لم يتخلص مما نسميه “لاهوت الخلافة” الكامن خلف أيديولوجيا “الدولة الإسلامية”، هذا المفهوم (أعني: الدولة الإسلامية) الذي ضلّل الفكر الإسلامي طيلة القرن الفائت، ولا يزال يفعل ذلك إلى اليوم، ونحن نعتبر أن تفكيك مفاهيم التراث السياسي وإعادة بنائها على أسس جديدة، يمكن أن يسهم في تطور الفكر الإسلامي السياسي المعاصر بقدر أقل من الأوهام، وبقدر أكبر من السرعة، يقلل من الكوارث ويسهم في خلق عالم إسلامي جديد وآمن.

عمومًا، ثمة نوعان من المرجعيات التي تكتنف خطاب التقسيم الفقهي للمعمورة، أولاهما مرجعيات نصية، وثانيهما مرجعيات موضوعية، أعني أنها ذات طابع متعلق بالأوضاع الملموسة على أرض الواقع.

على الرغم من المحاولة المحمومة للإسلاميين الحركيين لإرجاع أصول هذا التقسيم الفقهي إلى نصوص الوحي (القرآن والسنة)، فإن محاولاتهم جاءت تأويلية، مجرد “إشارات” محتملة في بعض النصوص تم عدها إشارات بأثر رجعي لاصطلاح متأخر، ولم يسعفها وجود أي مصطلح من مصطلحات الفقهاء في تقسيمهم للمعمورة، وتُعَدّ مصطلحات الفقهاء في هذا المجال بالعشرات ولم يتمكن أحد من العثور على أصول لها في القرآن أو السنة الشريفة.

لكن الذي يستدعي التوقف عنده أن البحث الفقهي لم يحاول استكشاف التصور الذي تتضمنه النصوص الكريمة (القرآن والسنة) عن المعمورة، واستثماره فقهيًّا، وهذه النقطة بالذات تشكل أهم خلل في إطار المرجعية الأصول فقهية. غير أننا لا نلوم الفقهاء على ذلك، بقدر ما نتفهم الأمر على أنه لم تكن هناك حاجة علمية أشعرتهم بضرورة ذلك، فالأحكام التي وفرها البحث الفقهي عمومًا كانت كافية وواقعية بما يفي بالغرض، وثانيًا فإن المنهجية الاستدلالية التي كانت سائدة لا تسمح بقراءة متكاملة للقرآن كما هي الحال اليوم.

لقد صيغت تقسيمات الفقهاء للمعمورة وفق مرجعية تاريخية تشير إلى أوضاع مفارقة أصبحت الآن في ذمة الماضي، فالمعطيات الواقعية الآن مختلفة تمامًا، خصوصًا مع ظهور مفهوم “الدولة الحديثة” كنظام سياسي عالمي مقابل اندثار “الخلافة” كنظام سياسي إسلامي؛ إذ جرى إعادة صياغة العلاقات الدولية وفق هذا التغيير الجديد.

وعلى هذا الأساس فإن الخلافة طبيعيًّا هي “دار الإسلام”، وكل دار أخرى هي “دار كفر” أو “دار حرب” لا فرق، والعلاقة مع الكفار تقوم أساسًا على المناجزة والفتح، ومن مقتضيات ذلك اعتبار الكفار مهدوري الدم دومًا، ما لم يدخلوا في عقد أمان أو صلح؛ العلاقة الدولية مبنية على أساس الإرغام والفتح، لا السلم؛ كما يحاول أن يُؤول فقهاؤنا المعاصرون الفقه الإسلامي الكلاسيكي للعلاقات الدولية.

وعلى هذا التصور -الذي أصبح مختلفًا الآن جذريًّا في الدولة الحديثة- بنيت تصورات الفقهاء، وهذا يقتضي موضوعيًّا أن يعاد النظر في التقسيم الفقهي الكلاسيكي للمعمورة انطلاقًا من معطيات واقعية أيضًا، فما لم يدمج مفهوم الدولة الحديثة الآن في الفقه الإسلامي سيكون كل اجتهاد للفقه الإسلامي الحديث غير واقعي وغير تاريخي فيما يتصل بالمجال السياسي على الأقل.

المشكلة أن الفقيه المسلم لا يزال مسكونًا إلى اليوم بنظام الخلافة، فلم تحجب الدولة الوطنية -بعد أن أصبحت حقيقة موضوعية- الخلافةَ بظهورها، فالخلافة القائمة في الأذهان، والمؤسس لها فقه واسع في التراث الإسلامي الاجتهادي والتاريخي والثقافي لم تحتجب بمجرد السقوط، بل لقد خلَّف السقوط المريع في إطار الحقبة الكولونيالية (الاستعمارية) -والذي رافق ظهور أيديولوجيات علمانية جديدة (بالمعنى الديني الإيماني للعلمانية) مضادة للثقافة الإسلامية تبوأت سلطة الدولة الوطنية الوليدة (في كثير من البلدان العربية، ومصر على وجه الخصوص)- خلّف كل ذلك وضعًا بدا فيه للإسلاميين أن هناك تماهيًا بين “الخلافة” و”الإسلام”.

يبدو واضحًا جدًّا حضور التصور العقدي في تقسيمات الفقهاء للعالم؛ فأكثر من 60% من المصطلحات الفقهية في تقسيم المعمورة ترجع إلى أصول عقدية، وعندما نقول أصول عقدية فإننا نعني أنها مشتقة ومولدة من هذه الأصول. ثم إن منظومة المصطلحات الخاصة بتقسيم الأرض ترتكز بشكل رئيس على مفهومي “الإسلام” و”الكفر”، والمقتضى الواقعي للكفر هو الحربية (راجع تعريفات الفقهاء للحربي)، فإن تنزيل العقدي على الواقعي والتاريخي جعل الكفر = الحرب!.

التصور القرآني للأرض

الآن، هذا الحضور للمنظومة العقدية في التقسيم الفقهي للمعمورة يشير إلى إمكانية استثمار البعد العقدي في المجال الفقهي بشكل لا يختلف كثيرًا عن المجال التاريخي والواقعي، وهو ما يساعد ربما في استكشاف التصور القرآني والنبوي ويمنحهما أهمية خاصة للمجال الفقهي.

تحظى مفردة “الأرض” بتواتر كبير في القرآن الكريم نسبة إلى المفردات المتعلقة بالمعمورة الواردة فيه أيضًا، حيث تمثل مفردة “الأرض” مع مفردات (البقعة، الدار، البلد) حقلاً دلاليًّا متكاملاً، تحتل فيه “الأرض” موقع المركز مفهوميًّا؛ إذ تمثل مفردات الحقل الثلاثة الأخرى جزءًا من مفهوم الأرض ذاتها، وفي الحين تشير الأرض إلى ذلك الكائن المادي الذي تطؤه قدم الإنسان، وكذلك مفردتا “البقعة” و”البلدة” ينتميان إلى العالم نفسه، أعني عالم الوجود المادي، فإن مفردة “الدار” تشير -وحدها- إلى مفاهيم من عالم الأذهان والاصطلاح، لا من عالم الوجود المادي وحسب، بل يكاد المفهوم المادي للدار يكون مفهومًا عارضًا، وذلك على الرغم من مطابقة مفهوم الدار لجزء الأرض في كثير من الأحيان؛ إذ الدار باعتبارها وصفًا لاحقًا للأرض وليست جزءاً منها تحتاج دوماً إلى تجسيد.

ويبدو أن الحقل الدلالي للأرض مستقطب بين مفردتي “الأرض” و”الدار”، وكل ما يترتب من أحكام عقدية وتكليفية في القرآن الكريم سيكون لها ارتباط وثيق بهذين المفهومين.

ثمة مجموعة من الأوصاف الإضافية التي تتكرر في القرآن، غير أنه ثمة وصفان تدور في فلكهما كل الأوصاف، الأول هو “أرض الله”، والثاني “خلفاء الأرض”، كما لو أنهما متناظران؛ فالأول يحدد أصل ملكية الأرض، والثاني يحدد علاقة الإنسان بها في إطار هذه الملكية.

بجوار هذين الوصفين فإن ثمة مفردات وصفت بها الأرض تحمل دلالة عقدية خاصة بالغة الأهمية، فأرض الله ليست أرضًا بأهمية واحدة، فالرسالات السماوية وانتشارها هدى للعالمين وخطوط انتشارها الجغرافية يكتسب موقعًا خاصًّا؛ إذ سنتوقف أمام أوصاف: “الأرض المقدسة”، و”البقعة المباركة”، كما لو أننا أمام ثلاثة تمييزات لبقاع الأرض: مطلق الأرض، أو الأرض على براءتها الأصلية، وأخرى مباركة، وثالثة مقدسة.

أيًّا ما يكن الأمر فإن “البقعة المباركة” من الأرض تتجاوز حدودها الوادي، فوصف البقعة أساسًا تأتي من تمايزها عن غيرها من الأراضي، ومفهوم البركة في الاستعمال القرآني يشير إلى الخير النامي المتزايد الذي لا يتوقف، وهو معنى لا يشير إليه المعنى اللغوي بشكل واضح، وأيًّا ما يكن موضوع المباركة (وهو متعلق برسالات الله لهم) فإن البركة التي أوجدها الله تعالى في هذه الأرض هي للعالمين، أي لا اختصاص فيها لأحد.

“البلد” مفهوم مادي، يمثل جزءًا محددًا من الأرض، أي “كل موضع أَو قطعة، عامرة كانت أَو غير عامرة”، وُصف البلد بـ”الأمين”: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ (سورة التين، الآية 3)، والإشارة في اسم الإشارة هي إلى “أرض الحرم”، ويقصد بالأمين “الآمن” كما ورد في دعاء إبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ (سورة إبراهيم، الآية 35). ولنتذكر أن إبراهيم كان قد سكن واديًا غير ذي زرع في الجزيرة العربية، حيث الأرض التي بنى عليها “البيت” (الكعبة المشرفة): ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ (سورة إبراهيم، الآية 37).

هذا التحريم الذي يؤمن بسببه الناس تحريم القتال وليس القتل وحسب: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين﴾ (سورة البقرة، من الآية191) تحريم هو منع من الاعتداء على النفس الإنسانية يشمل دم “الكفار” الذين يدخلون المسجد الحرام، ولو كان من العدو المقاتل، فهو آمن ما لم يقاتل في المسجد الحرام ذاته، إنه الأمان والسلام المطلق الذي لا يكون في مكان آخر.

من الأهمية بمكان التمييز بين البلد الحرام، والمسجد الحرام، ذلك أن البلد الحرام حرمته محدودة بالأمن، أما المسجد الحرام فالحرمة فيه مضاعفة، فمن جهة ثمة تحريم للمقاتلة حتى للعدو اللاجئ إليه، ومن جهة ثانية ثمة تحريم لدخوله لغير المسلم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (سورة التوبة، الآية 28).

هذا الاختلاف والاتفاق بين “البلد الحرام” و”المسجد الحرام” في موضوع التحريم كان موضوع التباس فقهي شهير، في حدود التحريم الذي أضيف إلى المسجد الحرام: هل هو حدود جزيرة العرب لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “أخرجوا المشركين من جزيرة العرب”؟، أم هو حدود ما يعرف بالحرم حول مكة؟ أم مكة وحدها؟ أم المسجد الحرام وحده؟ وفي كل الأحوال ليس لدى الفقهاء اختلاف بين “البلد الحرام” و”المسجد الحرام” في أحكام الحرمة ومفهومها.


** كاتب سوري