أ.د. نادية محمود مصطفى ** 03/04/2006 
د. نادية مصطفى

لم تخلُ العلاقات بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا -خلال السنوات الخمس الماضية (أي منذ ما بعد الحادي عشر من سبتمبر بصفة خاصة)- من مشاكل ذات أبعاد ثقافية – دينية فرضت تداعياتها كقضايا سياسية. ونذكر منها بصفة خاصة “القانون الفرنسي بشأن العلامات الدينية الظاهرة”، المصحف في جوانتانامو، تصريحات لنخب سياسية ونخب مثقفة تسيء للإسلام والمسلمين، وإصدارات عديدة من دور نشر ومجلات وصحف تشوّه بدورها الإسلام والمسلمين وتسيء للرسول والقرآن، قانون تجريم معاداة السامية الأمريكي، ناهيك -بالطبع- عن وقائع متكررة يقوم على رصدها البعض ولا تحظى بالإعلان الكافي عنها، ومنها رفض 53 دولة قرارًا في الجمعية العامة (2004) بتجريم ازدراء الأديان.

ولم تصل جميعها إلى ما وصلت إليه الأزمة الراهنة التي انفجرت، وبطريقة متصاعدة -منذ منتصف يناير 2006- مثيرة نطاقًا واسعًا من الأسئلة حول ما وصل إليه “العداء” للإسلام والمسلمين وحول مستقبل “الحوار” العادل والمتكافئ.

وإذا كان الصعود المتزايد للأبعاد الدينية والثقافية للعلاقات الدولية بصفة عامة، وفيما بين العالم الإسلامي والغرب بصفة خاصة: قد أفرز تجدد الاهتمام وتصاعده بمجال “الحوار” بين الأديان والثقافات؛ ليقع في قلب “السياسات العالمية” الراهنة، فإن هذا المجال -نظريًّا وعلى صعيد الحركة- قد شهد جدالات عديدة ودرجات من التباين في الآراء والتوافق بينها حول مناطق، من أهمها: أهداف الحوار ودوافعه وشروطه ومجالاته، وكذلك وظيفته على ضوء العلاقة بين الثقافي والسياسي. ولقد مثلت الأحداث المشار إليها -وغيرها من أحداث العلاقات الإسلامية المسيحية (والعلاقات بين الطوائف والمذاهب والقوميات) على الأصعدة الوطنية والإقليمية في العالم الإسلامي- ساحة مهمة لاختبار طبيعة الجدال بين اتجاهات فكرية وسياسية متنوعة على الجانبين. إلا أن الأزمة التي فجرتها الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام، غير مسبوقة؛ نظرًا لطبيعة تطورات الحدث الذي فجّرها وردود الفعل تجاهها، واتساع نطاق تداعياتها، وتعدد القضايا محل الاهتمام وتداخلها، وتعدد الفواعل الرسمية والمدنية والشعبية التي تحركت.

فهي أزمة بدت في منشئها (أي بعد ما يقرب من ثلاثة أشهر من نشر الرسوم التي لم يعرها أحد اهتمامًا يذكر في حينه) كأنها تعبير عن عدوان فردي (مقصود أو غير مقصود) من جانب دانماركي، وتعبير عن غضب واستياء من الجانب الآخر أي العالم الإسلامي. إلا أنه مع توالى وتطور الأحداث (منذ أوائل يناير)، وعبر ما يقرب من الشهرين، ظهر أن الأزمة فجرها سلوك متطرف من بعض الأوروبيين (الصحيفة)، وسلوك متعجرف وأحمق وغير منصف من بعضهم الآخر (الرسمي) يرفض الاعتذار أو الإدانة لما بدر من جانبهم، وهم الذي ما فتئوا – إعلاميين ومفكرين وساسة- يدعون العالم الإسلامي للحوار السلمي والتغلب على التطرف والتسامح مع الآخر.

ومن ناحية أخرى هي أزمة خرجت فيها شعوب الأمة الإسلامية قبل حكامها من أجل رسولها وإسلامها تدافع عنهما، وعلى نحو تراكمت معه وبعده على الجانبين مواقف الأطراف المعنية الرسمية منها والفكرية والشعبية.

ولذا تشكلت صورة تدفع في مجملها لإعادة النظر والتدبر في كل ما جرى وما قيل بشأن الحوار على الجانبين؛ لأن الأزمة وتداعياتها كشفت عن أن قدر “الصراع” أكبر من قدر “الحوار” على ساحة امتزجت فيها المصالح بالمشاعر، العدوان بالدفاع. وفي نفس الوقت الذي تختل على صعيدها موازين القوى المادية وغير المادية بين نموذجين معرفيين ورؤيتين للعالم. أي بين “العالم الإسلامي والغرب”؛ ولذا لم تكن الأزمة طارئة أو مفاجئة، ولكن هي تعبير -في منشئها- عن دوره المتصاعد في العداء للإسلام والمسلمين والذي سبق وتكررت بصورة متزايدة وقائعه.

وحتى تتضح أبعاد هذه الأزمة وطبيعتها يقدم التقرير قراءة للأحداث وتحليلاً لبعض مضمون الخطابات الصادرة حولها، وبيانًا لكيفية التعامل معها من جانب الأطراف المختلفة.

وعلى ضوء زخم الأحداث والخطابات والمواقف منذ اندلاع الأزمة، وعلى ضوء التفاعلات الممتدة منذ منتصف يناير وحتى منتصف مارس 2006 يتضح لنا الحاجة للتوقف عند ثلاثة جوانب وقائعية وسياسية ومعرفية، تتصل بتشخيص وتفسير ما حدث، قبل أن نصل إلى “ما العمل”.

من الجاني ومن الضحية؟

انفجرت الأزمة بعد نشر الرسوم منذ أكثر من ثلاثة أشهر، فقد تم النشر في 30/9/2005 في الدانمارك، ثم تجدد في 10/1/2006 في النرويج. فكيف تطور مسارها وصولاً إلى ما حدث من عنف هيكلي من جانب صحف أوروبية قامت بالنشر تضامنًا مع الصحيفة الدانماركية والنرويجية، ومن جانب الحكومة الدانماركية -أو الصحيفة الدانماركية- في رفضهما الاعتذار، أو ما حدث من عنف مادي في جانب من الشارع العربي والإسلامي ضد عدد من سفارات وقنصليات دول معينة، وأخيرًا ما جرى من المقاطعة، وهو الأمر الذي طرح قضية من الجاني ومن الضحية بأكثر من صورة.

فمن ناحية: بعد أن توالت المظاهرات وبدأت المقاطعة ووقعت أعمال حرق بعض السفارات، وبالرغم من رفض الجهات الدانماركية والأوروبية الاعتذار بصورة مناسبة، توالت -في المقابل- مطالبة هذا الجانب الأوروبي للمسلمين النزوع إلى الأسلوب السلمي الحضاري للحوار، في حين أن القوة الأمريكية العسكرية الغاشمة في العراق -مثلاً- تُستخدم باسم الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان -الدين الجديد- للعالم الغربي، كما تُستخدم حليفتها الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني باسم الحرب على الإرهاب، الدين الثاني الجديد – للعالم الغربي.

كما يطرح هذا الأمر من ناحية أخرى التذكرة بأن هذه الواقعة ليست الأولى من نوعها في أوروبا أو أمريكا، وإن اختلفت الأشكال؛ مما يستوجب التوقف لتحديد موضعها من أنماط تكرار مثل هذه الوقائع -على الأقل خلال السنوات الخمس الماضية- ومن ثَم شرح لماذا الأزمة الآن وعلى هذا النحو؟. وهل يظل معقولاً، بعد كل هذه الجهود المبذولة في الحوارات، هل يظل مقبولاً التبرير بأن الجهل بالثقافة الإسلامية وقيمها هو السبب؟ وهل الامتناع عن الإساءة لرسول الله يحتاج إلى هذه المعرفة؟ وهل ما تقدمه الدول والشعوب العربية والإسلامية من جهود على ساحة الحوار، لا تزال قاصرة وناقصة (رغم تعدد هذه الجهود وتنوعها واستمرارها) في تقديم صورة الإسلام للغرب؟ أم أن صورة المسلمين هي المسئولة، حيث إنها بالفعل صورة مشوهة، سواء عن حقيقة أم عن قصد متعمد؟ أم يجب القول إن الأزمة الراهنة تنتج عن سلوك تطرف فكري وحماقة سياسية مقصودة، وهذه المرة من جانب أطراف أوروبية -حيث سبق في أزمات أخرى أن اتُهِمَ فيها العرب والمسلمون بالتطرف الفكري السياسي-؟.

ومن ثَم لا بد أن نطرح اليوم السؤال التالي: هل لا يزال الحوار الثقافي والديني ذا مصداقية وذا مغزى؟ هل بالإمكان الاستمرار فيه ودفع جهوده؟ ألم تتأكد بعد مؤشرات حملة على الإسلام والمسلمين تتخذ، وبصورة متدرجة منظمة ومتصاعدة شكلاً يقدم إجابة واضحة على كون أن الإسلام -وليس فقط المسلمين- أضحى هو المستهدف؟ وهو الأمر الذي دفع الرئيس كلينتون، بوضوح وإيجاز شديدين للتحذير من مخاطر أن يصبح العداء للإسلام هو البديل عن العداء للسامية؟

مما لا شك فيه أن متابعة وقائع بداية الأزمة وتصعيدها من الجانب الأوربي تبين مسئوليته من خلال أعمال عنف هيكلية مثل: رفض الاعتذار الرسمي، وتوالي النشر في 22 دولة أوروبية تحت ذريعة تأكيد التمسك بحق حرية التعبير والدفاع عنه، بل والوصول إلى حد الإعلان عن أن إعادة النشر هو اختبار للمدى الذي سيصل إليه رد فعل المسلمين ضد هذا النمط مما سُمِّي “حرية التعبير”، أي النمط الذي يزدري عمدًا وقصدًا، ويسيء لرسول الإسلام..

السياق السياسي للأزمة

ما موضع هذه الأحداث -سواء الفعل الدانماركي والأوروبي المتوالي أم ردود الأفعال العربية والإسلامية المتمحورة حول قضية دينية وثقافية- من الإطار السياسي الراهن للعلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي، في ظل الإستراتيجية الأمريكية والإستراتيجية الأوروبية تجاه هذا العالم، وتجاه ما يسمى الحرب ضد الإرهاب/ والحرب من أجل الإصلاح والتحول الديمقراطي وحقوق الإنسان؟ وهذا الإطار السياسي يمتزج على صعيده كل من الثقافي – الديني، والسياسي بصورة متزايدة.

بعبارة أخرى ما هي العلاقة بين السياسي والثقافي في هذه الأزمة؟ وهو السؤال الذي لا يمكن الإجابة عليه بقدر من الحسم دون تحديد وضع هذه الأزمة بين ما سبقها من أزمات متكررة، أو دون استدعاء حال ومضمون خطابات عالمية -مثل خطابات بوش وإدارته- وهي تبرر وتفسر وتشرح الحرب على ما يسمى الإرهاب التي يديرها المحافظون الجدد متحالفين مع الصهيونية العالمية وإسرائيل، مستغلين في ذلك سلوك “المتطرفين الإسلاميين” كذريعة للهجوم على الجميع بتهمة الإرهاب. فهذه الخطابات والسياسات الغربية أيضًا، وليس خطابات بن لادن وأنصاره فقط، تحتوي على مبررات عقدية لأعمال عنف غربية لا تقل خطورة.

ومن ناحية أخرى: ودون الانسياق إلى نظرية المؤامرة، يجب أن نتساءل كما تساءل الدكتور محمد السيد السعيد في وقت مبكر من اندلاع الأزمة: من يخطط لضرب العلاقات مع أوروبا؟ على أساس أن تدهور العلاقات بين العرب والمسلمين وبين أوروبا هو مطلب عزيز عند مخططي السياسة الأمريكية والإسرائيلية. ولذا لم يكن عجيبًا أن تفرد مصادر صحفية أخرى (جهاد الخازن في الحياة)، مساحة للتحذير من مخاطر استخدام صحف وأوساط أمريكية لمفاهيم الفاشية والنازية الإسلامية، وكذلك اتجاه هذه المصادر مع غيرها (لقاء حافظ الميرازي في قناة الجزيرة مع دانيال بايبس وخالد أبو الفضل (13/2/2006)، وكذلك بعض التقارير على شبكة المعلومات) لتسليط الضوء، وبطريقة موثقة على العلاقة بين المحافظين الجدد واليمين الدانماركي بصفة عامة، وبين دانيال بايبس والمحرر الثقافي في الصحيفة الدانماركية بصفة ذاتية، وما يعنيه ذلك من تعمد نشر الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم. فإن هذه الرسوم تقدم في نفس الوقت صورة عن المسلمين كإرهابيين ومتشددين ضد النساء.. وغيرها، مما يعني تعمد نشر هذه الصور عن الإسلام والمسلمين كخطوة إضافية في مسلسل استهداف الوجود المسلم في أوروبا والولايات المتحدة، ولكن هذه المرة على الساحة الإسكندنافية التي لا تعرف بعد تعقيدات مناطق أخرى في أوروبا.

ومن ثَم فإن تفجير منطقة جديدة من العداء للإسلام في أوروبا، إنما يغذي أهداف ما يسمى الحرب على الإرهاب التي تجرى معاركها الأخرى على أراضي الدول الإسلامية. مما يعني أن الأمة بجناحيها: الدول الإسلامية والمسلمين في “الغرب” هما وجهان لعملة واحدة في مخطط إستراتيجية الإدارة الأمريكية الراهنة وحلفائها الأوروبيين في الحرب على الإرهاب؛ لذا يبقى موقف مسلمي أوروبا وأمريكا في حاجة لتسليط الضوء عليه، وأقصد النخب الفكرية ذات الوزن، وليس فقط القيادات الدينية الإسلامية في المجتمعات الأوروبية، حيث تشارك هذه القيادات الفكرية في الجدل الدائر حول قضية موضع الدين في المجال العام مقارنة بالمجال الخاص، وهو الجدال الذي يمثل استجابة للتحدي الذي يفرضه الوجود المسلم أمام بعض أهم مسلّمات الهوية الأوروبية وخاصة العلمانية. ويزداد هذا الأمر أهمية مع التطور الذي يحدث لليمين في أوروبا من حيث تزايد عنصريته وصعوده السياسي.

وتتزايد مؤشرات التنسيق أو التقارب بين اليمين الأوروبي وبين المحافظين الجدد في الولايات المتحدة. وهو الأمر الذي يزيد من مخاطر المواجهة بين الشرق والغرب على أسس دينية وثقافية، وتخدم حرب المصالح. فإذا كانت الفاشية الإسلامية والنازية الإسلامية مصطلحين قد بدآ في الذيوع، فإن مصطلح الإسلام الراديكالي أيضًا قد أخذ يحل محل مصطلح الإرهاب، كما اتضح مثلاً في خطاب الاتحاد الأخير الذي ألقاه بوش، ولم يأت فيه على ذكر الإرهاب، بل الإسلام الراديكالي. هنا يكتسب التواصل بين اليمين الأوروبي واليمين الأمريكي دلالته وخطورته. إلا أن للعملة وجهًا آخر بالطبع، ألا وهو السياق السياسي الذي يؤثر عليه هذا التواصل ويحيط به، ونقصد الوضع المتفجر وشديد الخطورة في فلسطين والعراق ولبنان وإيران، والدور الأمريكي في إدارته بتحالف واضح مع إسرائيل وبتوافق أوروبي متزايد، بحيث يمكن عدم الاكتفاء الآن بالحديث عن توزيع أدوار أوروبية أمريكية، بل عن نوع من التحالف عبر الأطلنطي حول قضايا المنطقة، وهو تحالف جديد تلعب فرنسا (المستقلة) دورًا في تكريسه، أضحى يطرح التساؤل عن مآل إرث السياسة الديجولية ومصير هذا الاستقلال الفرنسي.

بعبارة أخيرة: إن موضع عواقب أزمة الدانمارك من السياق الإقليمي والعالمي المحيط لا يمكن إغفاله عند محاولة فهم وتفسير توقيت الاندلاع ومسار التطور.

ومن ناحية ثالثة: لا يقتصر الحديث عن العلاقة بين السياسي والثقافي على المستوى الخارجي، وعلى التدخل في العالم الإسلامي، بل يمكن أن ننقل الحديث أيضًا إلى الداخل. فإن الشعوب العربية والإسلامية انتفضت بصور شديدة الوضوح والدلالة للدفاع عن العقيدة والرسول صلى الله عليه وسلم محددين الخطوط الحمْر التي لا يمكن قبول تجاوزها من الآخر عند اقترابه من الإسلام والمسلمين، ومهما كانت مبررات وأعذار هذا الآخر (حرية التعبير مثلاً).

ولذا عادت الأمة وأعلنت استمرار وجودها بعد أن كان البعض قد تساءل: هل نعلن موت الأمة؟ حيث إن الأمة -في هذه الأزمة- قد تجاوزت في ردود فعلها النخب والحكومات على نحو غير مسبوق؛ ولذا كان لا بد أن تحظى هذه الانتفاضة المستمرة -دفاعًا عن الرسول صلى الله عليه وسلم- بتفسيرات سياسية، وليست ثقافية أو دينية فقط، تمحورت حول “التوظيف السياسي” لدفاع الأمة عن رسولها؛ على أساس أن هذه التلقائية الإيمانية التي عبّرت عنها الأمة، قد غلفتها في بعض الحالات اعتبارات سياسية خاصة، مثل الاحتلال (العراق – فلسطين)، أو المحاصرة والعداء (سوريا – لبنان – إيران). وهذه الاعتبارات يمكن أن تفسر التحول إلى العنف ضد بعض السفارات أو مراكز ثقافية في سوريا ولبنان والأرض المحتلة. كما يشارك في هذا التفسير حالة الاستهداف التي تشترك في الشعور بها الشعوب الإسلامية كافة في هذه المرحلة نتيجة السياسات الأمريكية والإسرائيلية، وبمساندة أوروبية في أرجاء العالم الإسلامي المختلفة.

ولذا تساءل البعض: هل وظفت بعض الحكومات العربية والإسلامية هذه المشاعر الشعبية دفاعًا عن الرسول والإسلام لتحقيق أهداف سياسية، سواء في علاقتها مع شعوبها أم مع القوى الخارجية؟ وهو الأمر الذي دفع لتوجيه الاتهام لبعضها (وخاصة إيران وسوريا) بالتآمر لتهييج الشعوب أو لاتهامها جميعًا بالانتهازية؛ لإقدامها على التصدي للدانمارك فقط، وليس الدول الغربية الكبرى -وعلى رأسها الولايات المتحدة- وكذلك إسرائيل. حيث يحدث في هذه الدول من الإساءات المتكررة والمتصاعدة للإسلام -عقيدةً وقرآنًا ورسولاً وتاريخًا وشعوبًا- ما لا يقل عما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الحالة الدانماركية وتداعياتها.

وفي مقابل هذه الاتهامات يمكن القول: إن الشعوب قد تجاوزت بعض الحكومات، بحيث اضطرت الأخيرة في بعض الحالات لمجاراتها ضد الدانمارك (وليس غيرها). حيث إن الشعوب – هي التي دفعت هذه المرة -حكوماتها-وخاصة الموالية للغرب ولأمريكا- أن تتخذ من التدابير ما كانت ترغب بنفسها بالمبادرة باتخاذه، وخاصة المقاطعة؛ إذا لم تخرج الشعوب بهذه الصورة الممتدة والمستمرة. هذا ويمكن القول -من زاوية ثالثة- إن هذه حالة استثنائية التقت فيها الشعوب والنخب والحكومات على مستوى العالم الإسلامي برمته، معلنة غضب الأمة دليلاً على عدم موتها.

وهذه اللحظة الاستثنائية لها وجه آخر، ألا وهو الإدانات المتتالية للرسوم وتداعياتها والصادرة من المؤسسات الدينية المسيحية في مصر وخارجها، وعلى رأسها المؤسسات الأرثوذكسية المصرية. وتلزم الإشارة هنا إلى أنه لم يقترن بالمظاهرات الشعبية في العالم الإسلامي -إلا في حالات نادرة- أعمال عنف هيكلية أو مادية ضد مسيحيي الشرق. ونأمل الوعي بأهمية استمرار هذا الوضع والتصدي بشدة لمن يحاول قلب مساره؛ لأن هذا وضع يصب بإيجابية في علاج أو التصدي لأزمات العلاقات المسيحية – الإسلامية في مصر وغيرها من الدول الإسلامية.

ويظل استثمار هذه اللحظة بأوجهها المتنوعة، والحفاظ على قوة دفعها، وجني ثمارها: متوقفًا ليس على كيفية إدارة الأزمة، ولكن على كيفية تسويتها على نحو يمثل نقطة انطلاق جديدة في وضع الإسلام والمسلمين في نظر الغرب. وأقصد بذلك أمرين:

  • عدم الاقتصار على طلب الاعتذار والامتداد إلى طلب الاعتراف بالإسلام دينًا في دول أوروبا والعالم التي لم تعترف به بعد مثل الدانمارك.
  • والاعتراف بالوضع القانوني للمسلمين وعدم الاقتصار على المطالبة بتشريع أو قرار دولي بعدم ازدراء الأديان، ولكن بعدم معادة الإسلام بصفة خاصة (دون استخدام كلمة إسلاموفوبيا).

المعرفي – الفكري

ما دلالة الأزمة بالنسبة لقضايا فكرية ومعرفية في غاية الأهمية يتم طرحها اليوم والجدل حولها مجددًا بين رؤى علمانية ورؤى إسلامية أو على الأقل قيمية؟، وهو الجدل الذي يستحضر دائمًا الإسلام -وممارسات المسلمين في القلب منه- باعتبارهما دائمًا المتهمين وباعتبار “الحداثين العلمانيين” هم النموذج والمقياس. وعلى رأس هذه القضايا الآن حرية الرأي والتعبير والتي ينبثق عنها عدة قضايا فرعية ذات دلالة بالنسبة للاختلافات بين نموذجين معرفيين وحضاريين (وخاصة من حيث موضع الدين في كل منهما).

ومن ناحية: هناك قضية التمييز بين نطاق حرية الرأي والاعتقاد، وبين نطاق حرية التعبير ومدى الضوابط على كل منهما على نحو يحفظ متطلبات الاجتماع البشري السوي. وقد حظي هذا الجانب بقدر كبير من التأصيل من زاويتين متقابلتين: إحداهما تسقط الدين -وكل ما يتصل به- من اعتبارها تمامًا، وبذا تحتج بحرية التعبير حين تقدم على ازدراء الأديان بل والله سبحانه، وبالرغم من أن قوانين الدول الأوروبية التي ينتمي إليها هؤلاء تجرم هذا الازدراء إلا أنه فيما يبدو لا يستخدم هذا الجانب من القانون لحماية هذا الجانب من الوجود الإنساني إلا بشروط شديدة لم تتوافر حتى الآن، بما فيها حالة رسوم الصحيفة الدانماركية. وعلى العكس يجري مثلاً تفعيل حماية حقوق الإنسان لحماية حقوق الشواذ وغيرها…

الزاوية الأخرى هي التي ترفض أن تكون حرية التعبير -مهما كانت أهميتها كعماد للنظم الليبرالية الديمقراطية- ماسة بالأديان أو ضد أعراق أو قوميات بعينها. وبعض هؤلاء تقتصر حدود الحرية لديهم على ما يتصل باليهود والسامية، ولا تمتد إلى ما يتصل بالإسلام والمسلمين؛ ولذا.. في حين يتصاعد مسلسل الإساءة للإسلام والمسلمين بصور متعددة وعلى مستويات مختلفة، نجد أن مسلسل تجريم معاداة السامية (إسرائيل) تتوالى حلقاته بصورة متزايدة. ومن أحدثه (خلال شهري فبراير ومارس) إيقاف عمدة لندن عن العمل بتهمة إهانة صحفي يهودي، والحكم ثلاث سنوات في النمسا على المؤرخ البريطاني إيرفنج بتهمة إنكار الهولوكوست، وأخيرًا خروج وزير الداخلية الفرنسي (ساركوزي) في مظاهرة تضامنًا ضد مقتل يهودي في فرنسا.

وبذا تكون الأزمة الراهنة ساحة أكدت سمة المعايير المزدوجة للسياسات الغربية بعد أن اختبرت بعض أهم سمات النموذج المعرفي والرؤية للعالم الذي تنبني عليها هذه السياسات في مجموعها، ألا وهي: الصراع، العنصرية والمادية، وهي السمات التي تنتقض عليها -ومن داخل الغرب ذاته- تيارات فكرية نقدية تحذر من مخاطر أزمة الحضارة الغربية والتي تتولد من داخلها. وحيث تنتقد رؤى حضارية إسلامية نقائص هذه الحضارة الغربية، فإن بعض هذه الرؤى يؤكد على أن أزمة هذه الحضارة الغربية الراهنة لا يمكن حلها فقط من داخلها، وخاصة بعد أن وصلت إلى مرحلة متطرفة من الاستعلاء وإنكار الحضارات والثقافات الأخرى. ولذا فهي في حاجة إلى مراجعة تنظر إلى ما تقدمه -نماذج حضارية أخرى- مثل النموذج الإسلامي، من قيم الاجتماع والعمران البشري العادل والمتكافئ، ومنها ما يتصل بحقوق حرية التعبير.

من ناحية أخرى ينبثق عن قضية حرية التعبير مسألة أخرى تتصل بسبل إدارة أزمات قضايا حرية الرأي والتعبير: فهل يظل حوار النخب هو السبيل حتى لو نالت “حرية التعبير” (لدى العلماني) من المقدس عند المسلمين؟ أم من الممكن أن تشارك الشعوب في الذود عن مقدساتها ويصبح الخروج التلقائي لهذه الشعوب ذا دلالة معرفية وسياسية، في حد ذاته؟ وما التبريرات لتخلي الشعوب -عن حوار الصالونات والغرف المغلقة- من أجل أساليب أكثر تلقائية للذود عن المقدسات؟ وخاصة أنه لم يَعُد بمقدور حكوماتهم الذود عنها بقوة بعد أن تخلت من قبل عن الذود عن حياض أخرى، في نفس الوقت الذي تتمترس فيه الولايات المتحدة وأوروبا وراء إسرائيل في تجريم معاداة السامية، ومن ثَم النيل من حق حرية التعبير باسم تجريم معادة السامية؟ وهل ما يزال مقبولاً القول إن الدانماركيين لا يعرفون “ثقافة المسلمين” أو لا يعرفون أن مثل هذه الرسوم تنال من إيمانهم؟ وما جدوى إذن الحوار الذي يدافع عنه الأوروبيون باعتباره سبيلاً حضاريًّا لحل الخلافات؟ هل هو وسيلتهم لنقل قيم ثقافتهم إلينا فقط أو وسيلتهم لتهدئتنا وإبعادنا عن العنف فقط؟ وهل نحن المطالبون فقط بالحوار لنتفهم الآخر ودوافعه؟ ولماذا لا يتفهم هذا الآخر ما لدينا أيضًا؟ أم أن الأسهل أن يدعي الجهل في حين تتعدد المؤشرات على قصد تعمد الإساءة إلينا؟ ألا يجب أن يكون الحوار وسيلة في يدهم أيضًا للمعرفة بنا والاعتراف باختلافنا عنهم واحترام هذه الاختلافات؟ أم أن الاحترام المطلوب هو فقط احترام “دين العلمانية”؟.

ولهذا يمكن القول إن هذه المرحلة الراهنة من التفاعل، أو لنقل من أزمات الحوارات بين الأديان والثقافات، إنما تقدم -من واقع طبيعة الحالة الدانماركية ومسار تطورها- دلالة مهمة. ولقد توقف عندها للتحذير منها رموز ليبرالية وقومية ويسارية، وليس فقط رموزًا إسلامية. أقصد بهذا التحذير من محاولة بعض التيارات في الغرب فرض منظومة قيم ثقافية ورؤى للعالم تجافي خصوصيتنا الثقافية أو محاولة فرض مفهوم حرية التعبير -كما تفهمه العلمانية الغربية- أو تعمد هذه التيارات الإساءة والتحقير للمسلمين وللإسلام.

هذا واقترنت العديد من مؤشرات العمد والقصد في هذه الإساءة بمؤشرات عن القصد والعمد من أجل فرض احترام “مفهوم حرية التعبير” الغربي، ولعل من أوضح الأدلة على ذلك هو “رفض الاعتذار” أو “الاعتذار المشروط” أو التلاعب بالاعتذار أو التأكيد على حيوية “حرية التعبير” وتسريب مبررات حول عدم إمكانية تشريع دولي لتجريم ازدراء الأديان بحجة عدم إمكانية منع من يريد انتقاد الأديان.

ومما لا شك فيه أن خروج الشعوب ضد الإساءة للرسول عليه الصلاة السلام، وما تلاها من تداعيات قد قدم من الدلالات ما تكون قد عجزت حوارات “النخب” عن إيصاله، ألا وهو أن هناك خطًّا أحمر لا يمكن تجاوزه بشأن “الدين” في مجتمعاتنا. ومهما قيل عما وصل إليه التدين من “شكلية” وعن عدم القدرة على إحداث التغير المجتمعي والتنموي والسياسي، ومهما قيل أيضًا عما وصل إليه التوظيف السياسي للدين، إلا أنه ما زالت درجة التمسك لا تقارن بما وصل إليه حال “الترك” في الغرب.

ومن هنا يبرز مغزى أصوات ليبرالية، وليس إسلامية فقط، وهي تحذر الغرب من عدم الاجتراء على ما لدينا بقدر ما تم اجتراؤهم على ما لديهم من دين وثقافة. ولعله من الضروري هنا الإشارة إلى ما اعتبره غربيون من المفارقات في سلوك المسلمين الانتقائي، ألا وهو خروجهم في هذه المظاهرات الحاشدة والمقاطعة من أجل الرسول على نحو لم يتحقق مثلاً من أجل الانتفاضة الفلسطينية أو من أجل العراق أو أفغانستان أو من أجل الديمقراطية وضد الاستبداد واحتكار السلطة في بلدانهم. على عكس الغرب، حيث خرجت مظاهرات الخمسة عشر مليونًا؛ احتجاجًا على الحرب على العراق ومناهضة الهيمنة الأمريكية والعولمة… ومع الاستعداد لمناقشة هذه المفارقة بصورة منطقية إلا أنه يظل مشروع التساؤل متى يصبح “الدين” لدينا محفزًا للتغير الاجتماعي والسياسي، وليس التساؤل متى يتنحى الدين ليتحقق التقدم؟ فإذا كان البعض قد وصف من خرجوا في المظاهرات بأنهم غير متحضرين ومتخلفون، ليس لهم من الإسلام إلا الشكل منه، إلا أنه يجب علينا أن نتساءل من الذي سرق “جوهر” الإسلام من عقول وسلوك المسلمين طيلة عدة قرون (من الجمود الإسلامي أولاً، ثم من التغريب والعلمنة باسم التحديث)؟ وكيف يمكن أن يصبح الإسلام مصدرًا للتغيير؟.

وإذا كانت قضية حرية التعبير بين منظور الغربيين ومنظور المسلمين قد برزت مجددًا الآن، فإن دلالاتها السابق شرحها تضيف إلى دلالات قضية أخرى متزامنة برزت مع ما حققه الإخوان في مصر من فوز في الانتخابات البرلمانية، ومع فوز حماس الكاسح في الانتخابات الفلسطينية، ألا وهي قضية العلاقة بين الإسلام والسياسة والمجتمع، أو قضية العلاقة بين الإسلام والديمقراطية بصفة خاصة. وذلك بعد أن تجدد أيضًا -بصورة كبيرة- منذ ما بعد 11-9 الجدال حول العلاقة بين الإرهاب والمقاومة والجهاد.

وناهيك عن جوانب الاختلاف المعرفية الفكرية في هذه الجدالات، فإن جوانبها السياسية تُبرز سمة أخرى ألا وهي المعايير المزدوجة الفجة. فما هو حرية تعبير ضد الإسلام هو معاداة للسامية وحقوق الإنسان، أو إرهاب في حالات أخرى صدرت عن عرب ومسلمين أو عن “الغربيين أنفسهم”، ولكن هذه المرة ضد إسرائيل (أو ضد السامية). فإذا كان لميركل ورامسفيلد أن يصفا الرئيس الإيراني بأنه هتلر فلا يحق لعمدة لندن أن ينتقد صحفيًّا يهوديًّا وإلا اتُّهم بمعادة السامية وأوقف عن العمل.

وهكذا تتوالى على المحك السياسي، وفي ظل نمط توازنات القوى القائمة جدالات مفروضة من أعلى (من الهيمنة السياسية الأمريكية أحيانًا، ومن الهيمنة المعرفية العلمانية الحداثية المفرطة أحيانًا أخرى، وكلاهما يتعرضان للتحديات الجسام الآن) نعم مفروضة من أعلى، وبانبثاق وتفرع عن الجدل الأم الذي أسسه ودشنه هنتنجتون – من أعلى أيضًا حول صراع الحضارات. بحيث يمكن القول الآن وبعد متابعة تطور وقائع السياسة وتفاعلاتها على الساحة الإسلامية الدولية والداخلية، ومن متابعة تطور الجدالات النظرية والفكرية والمعرفية على ساحة العلاقة بين “الإسلام والغرب” منذ نهاية الحرب الباردة، يمكن القول بعد كل هذه المتابعات العلمية المنظمة: إن خطابات صراع الحضارات والنهايات (الدين، الأيديولوجيا، التاريخ) ليس مجرد مبررات ثقافية ودينية تستخدمها السياسات الأمريكية والأوروبية -في نطاق ما يسمى الحرب على الإرهاب- لتحقيق أهداف ومصالح إستراتيجية عليا، ولكن إحدى هذه المصالح الإستراتيجية العليا أضحت هي إعادة تشكيل عقل المسلمين وفكرهم وفرض قيم ثقافية ومعرفية على المسلمين في محاولة للتصدي للإسلام المقاوم والممانع. ناهيك عن أهداف أخرى ألا وهي التأثير على شريحة “الغربيين” المحايدة لتتحول نحو العداء للإسلام والمسلمين بعد ما أظهره المسلمون -في ظل هذا المناخ- من عداء لحرية التعبير (تلك الحرية المقدسة لدى الغرب). ومن ثَم يسهل على السياسات الغربية تقديم مزيد من المبررات لشعوبها لما تقترفه باسم معاقبة الإرهاب الإسلامي.

حقيقة تحتاج خطابات إسلامية عديدة للتجديد، ولكن ليس بالمواصفات الأمريكية الأوروبية -أو بمعنى أدق العلمانية الحداثية- ولكن وفق متطلبات عملية النهوض اللازمة للأمة الآن، أي التي تستطيع أن تستحث قدرات الأمة للقيام ضد كل أنواع الظلم والاستبداد والقهر الداخلي أيضًا؛ ذودًا عن الحرية والعدالة والمساواة بقدر القيام الذي حدث للذود عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الرسول الكريم الذي لا يُرضيه ما آل إليه حال أمته، وهو الكريم الذي أرسى قواعد الحرية والعدالة والمساواة، وسيرته الفعلية -وليس أحاديثه القولية فقط- خير شاهد على ذلك.

خلاصة القول بعد النظر في هذه الجوانب الثلاثة -الوقائعية والسياسية والمعرفية- أنه يمكن تأكيد مدى تعقد إدارة هذه الأزمة والأزمات المستقبلية، كما يمكن القول إن تجنب إثارة هذه الأزمات ابتداء، هو أمر لا نتوقع حدوثه قريبًا تحت تأثير توازنات القوى القائمة على الصعيد السياسي والتي تنعكس بقوة على الصعيد الفكري/ الدعوي/ الثقافي، حيث من المتوقع أن تتكرر مثل هذه الأزمات، أو تتكرر مثل هذه الإساءات حتى لو لم تندلع إثرها أزمة مناظرة؛ ذلك لأن سجل الشبهات والتشويهات المتعمدة والمقصودة ضد الإسلام والمسلمين هو سجل حافل. ولقد عملت أجهزة ومؤسسات إسلامية إعلامية وأكاديمية عديدة على رصده ومتابعته وكشفه، ويبقى الآن التصدي له بفاعلية، وهذا يتطلب أدوات وموارد إعلامية وسياسية تناظر ما لدى الجهات القائمة على بث هذه التشويهات، وهي جهات ذات أهداف سياسية – دينية في معركتها مع العالم الإسلامي والتي تجري الآن تحت مسمى “الحرب الدولية على الإرهاب”.

وتلخص مجموعة من الثنائيات هذا التعقيد على مستوى أسباب الأزمة وتداعياتها:

1- الإساءة للرسول والإساءة للإسلام/ الإساءة للمسلمين.

2- الجهل بالإسلام/ تعمد تشويه الإسلام وتحقيره لعدم الاعتراف به.

3- تشويه الإسلام بسبب واقع المسلمين المشوّه/ تعمد التشويه لمزيد من مبررات الحرب على الإسلام والمسلمين.

4- حال المسلمين نتاج الإسلام/ حال المسلمين نتاج سياسات حكامهم والقوى الخارجية.

5- “الضعف الإسلامي” تطرف هيكلي من طبيعة الإسلام/ تطرف ظرفي نتاج السياق المحيط.

6- حرية التعبير في الغرب بلا حدود/ حرية التعبير في كل مكان تتطلب حدودًا.

7- حرية تعبير (ضد الإسلام)/ عدم حرية التعبير (ضد السامية).

8- الاحتجاج ضد الإساءة للدين والغضب له بلا حدود/ الاحتجاج ذو حدود (سلمي بدون عنف).

9- الإساءة للإسلام حوادث فردية/ نمط متكرر ومتصاعد يمثل ظاهرة.

10- الإساءة للإسلام والمسلمين قضية ثقافية – دينية/ قضية سياسية.

11- الغضب والاحتجاج العنيف/ الحوار السلمي.

12- مسلمو الغرب/ حكومات الدول الإسلامية/ الشعوب الإسلامية.

13- الاعتذار/ منع تكرار الوقائع.

14-  تعريف بالإسلام/ الاعتذار للمسلمين/ تقنين ضد معاداة الإسلام.

الأزمة.. بين الإدارة والتسوية والحل

ما الذي جرى وما دلالته؟ وما العمل المطلوب؟

إن القراءة في المحاور الثلاثة السابقة: على مستوى فعل ورد فعل الشعوب، والنخب والحكومات – على الجانبين المسلم/ والأوروبي، تقودنا إلى القول إن القضية محل الاهتمام قضية معقدة ومركبة وذات مداخل متنوعة، فكرية ومعلوماتية وإعلامية واجتماعية وسياسية وشرعية. ولذا لا عجب إن تنوعت مقاربات تشخيص وتفسير وتبرير أبعاد القضية ومنطلقاتها وتطوراتها وتداعياتها على الجانبين، ناهيك عن تعقد دبلوماسية إدارة الجانبين أيضًا لهذه الأزمة. إلا أن ما يتصل بالعمل الذي جرى (وكذا بمقترحات وتوصيات العمل المطلوب لاحقاً) يستوجب التوقف عند الأمور التالية:

أولاً: إذا كانت دبلوماسية الشارع العربي والإسلامي شديدة الوضوح والصراحة، فإن دبلوماسية إدارة الرسميين للأزمة اتسمت بالتعقيد والتداخل، وهو الأمر الذي يتطلب رصدًا وتحليلاً خاصًّا لرسم الخريطة الدقيقة والعلمية لهذه الإدارة الدبلوماسية. إلا أنه في هذا الموضع يكفي الإشارة إلى ملاحظات أولية: خاصة بالجانب الأوروبي والجانب الإسلامي.

فالجانب الأوروبي -دول فرادى أو الاتحاد الأوروبي- حين وصل بعض منه إلى مرحلة إدانة الرسوم أو تقديم نوع من الاعتذار تم قرنه بوضوح بجانبين:

أحدهما رفض “مسلك العنف والمقاطعة من جانب المسلمين، بل وإدانته”، والمبادرة للحركة نحو الحكومات الإسلامية لطلب “تهدئة الشعوب وإلغاء المقاطعة كما لو أن تدخل الحكومات الأوروبية ضد حرية التعبير في الصحيفة الدانماركية وغيرها أمر غير مقبول وغير ممكن إلا أن تدخل حكوماتنا مطلوب لتهدئة شعوبها. ناهيك عن المبالغة والتعميم بشأن العنف ضد السفارات في حين أنه كان محدودًا ولا يقل ضراوة عن تعمد وقصد الإساءة بتكرار النشر المتسع النطاق ورفض الاعتذار.

وثانيهما هو تأكيد التضامن مع الدانمارك، وتأكيد عدم التخلي عن تقاليد حرية التعبير وعدم إمكانية تجريم ازدراء الأديان بتقنين دولي قبل تجريم العداء للسامية (على الأقل)، ناهيك عن التمسك بشروط هذا التجريم وقيود تطبيقه على كل حالات ازدراء الأديان.

وبذا يمكن القول إن المسلك الأوروبي قد عبّر عن نوع من ازدواجية الخطابات أو ما درجوا على تسميته المواقف المتوازنة. فبالنظر إلى دبلوماسية إدارة الاتحاد الأوروبي للأزمة يمكن توصيفها بأنها كانت محملة بالمعايير المزدوجة (قارن مثلاً بين بيان البرلمان الأوروبي، ثم بيان مجلس وزراء الخارجية الأوروبية في 27/2/2005). ففي نفس الوقت الذي توالت مبادراتهم نحو العالم الإسلامي لاحتواء الأزمة بالطرق المعهودة -أي الدعوة للحوار- كانت خطاباتهم ومواقفهم الرسمية تجاه القضايا الأساسية لا تتحرك قيد أنملة، بل تُقَدِّم إدانة عنف المسلمين على إدانة حرية التعبير “غير المسئولة”. وعدا هذا القاسم المشترك بين المواقف الأوروبية فلقد مثلت مستشارة ألمانيا أكثر المواقف تطرفًا تضامنًا مع حكومة الدانمارك -قبل ما قدمه رئيس وزرائه الأخير من أسف (وليس اعتذار)- وفي المقابل جاءت فرنسا أكثر استعدادًا لمخاطبة العالم العربي والإسلامي. وكانت إدارة الولايات المتحدة -على لسان بوش- الأكثر صراحة في نقد مبالغة المسلمين في مسلك رفض الرسوم، والتعبير عن المساندة للدانمارك واتهام سوريا وإيران بالتوظيف السياسي للأزمة وتحريض الشعوب الإسلامية.

وعلى الجانب العربي والإسلامي الرسمي، لم تتجاوز المواقف المعلنة ما قام به الشارع من إدانة شديدة للإساءة للعقيدة ومن دعوة للمقاطعة، ومن دعوة للاعتذار الرسمي من الدانمارك.

كما تجاوزت الهيئات المدنية أيضًا في مبادرتها ما قامت به الحكومات فرادى، فلقد تعاقبت هذه الهيئات: الوطنية منها وعبر الإقليمية، في تسجيل مواقفها وفي تحركها نحو الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. ونذكر على سبيل المثال وليس الحصر: المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة، رابطة العالم الإسلامي، اتحاد علماء المسلمين…

كما نشطت منظمة المؤتمر الإسلامي، بصورة واضحة، وكانت الأزمة الساحة الأولى لاختبار تفعيل مقررات قمة مكة الاستثنائية – وخاصة تشكيل الترويكا الإسلامية للقمة وترويكا وزراء الخارجية. واتسم تحرك المنظمة بالسعي للتنسيق في المواقف مع كل من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي؛ ولذا كانت مناسبة إصدار بيان ثلاثي عن المنظمات الثلاثة فرصة للنقاش حول مناطق الاتفاق والاختلاف والأولوية بين الجوانب الثلاثة: الأوروبية، الإسلامية، العالمية، كما جرى التنسيق بين منظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية أيضًا.

وبذا يمكن القول: إن إدارة الجانب المسلم للأزمة حتى الآن، قد أفرزت توزيعًا للأدوار بين الشعبي، الرسمي الوطني، المدني عبر القومي، الرسمي الجماعي، على نحو غير مسبوق من قبل. وهو الأمر الذي يتطلب دعمًا واستمرارًا وتفعيلاً حتى تصبح هذه المرحلة نقطة تحول في إدارة المسلمين للحوار مع الغرب وأهم النتائج المرجوة هو توفير أحد أهم ركائز حوار صحي وعادل ومتكافئ ألا وهو تجريم ازدراء وتحقير الإسلام.

ثانيًا: إلى جانب الزخم الرسمي والمدني والشعبي ضد الرسوم وما تلاها من مواقف أوروبية، فلم يكن فقط المهم هو إدانة الرسوم أو إدانة التلكؤ أو التباطؤ أو الرفض الأوروبي للاعتذار (بدرجات متفاوتة)، ولكن الأهم أيضًا الموقف الداعي لخطوة أكبر، ألا وهي تجريم ازدراء الأديان، فلقد أدانت حكومات الدول الإسلامية بسلطاتها ومؤسساتها المختلفة السياسية والشعبية والدينية: الرسومات، إلا أنها تفاوتت من حيث تكييف طبيعة الأزمة وأسبابها وأثر الأزمة على مستقبل العلاقات بين العالم الإسلامي والأوروبي.

ومع ذلك فلقد تحركت جميعها نحو تأييد الشارع وإعلان مساندة المقاطعة في حال عدم تقديم اعتذار، وأخيرًا تحركت نحو المطالبة بتشريع دولي أو قرار من الأمم المتحدة يجرم ازدراء واحتقار الأديان.

وفي حين ركزت منظمة المؤتمر الإسلامي على هذا المطلب العام الذي يساوي بين جميع الأديان، فإن البعض الآخر مثل رابطة العالم الإسلامي كانت أكثر تحديدًا من حيث المطالبة بتجريم العداء للإسلام. وفي المقابل فإن خافير سولانا مفوض السياسة الخارجية الأوروبية -خلال زيارته لمصر والسعودية- كان يتحدث عن “الخوف المرضي من الإسلام”.

وما بين تجريم ازدراء أو تحقير الأديان، وما بين رفض “الخوف المرضي” من الإسلام (إسلاموفوبيا) وما بين تجريم العداء للإسلام ( Anti-Islamism) يظل تأرجح الخطابات والمطالب، مع ما هو واضح من فروق مهمة بين المستويات الثلاثة. وإذا كانت الصياغة الأولى هي في رأي البعض الأكثر إمكانية. على ضوء توازنات القوى – فإن الثانية يجب في نظر فريق ثان تقييدها؛ لأن ما يواجه الإسلام والمسلمين ليس خوفًا مرضيًّا، ولكنه عداء إرادي -أو لا إرادي-، ومن هنا أهمية دعوة فريق ثالث لضرورة تبني الصياغة الثالثة -العداء للإسلام فهي الأكثر تعبيرًا عن السياق السياسي والمعرفي والفكري السائد- وخاصة بالتعمد الإرادي من جانب التيارات السياسية والإعلامية النافذة في الغرب (ولا نقول كل الغرب). فمهما قيل عن حكمة الحكماء في الحوارات، فمما لا شك فيه أن نخب الحوارات ليست هي التي تصنع القرار أو تؤثر على الرأي العام في الغرب.

وأخيرًا يظل الحاضر الغائب في المطالب هو “الاعتراف بالإسلام دينًا من جانب الدول التي لا تعترف به، وكذلك الاعتراف بالوضع القانوني للمسلمين على نحو يضمن حمايتهم من العداء المضاد كما يحدث مع “اليهود”.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا الطلب الأخير لم يلقَ التركيز الكافي والواضح خلال الأزمة الراهنة في الخطابات الإسلامية المختلفة وخاصة الجماعية الرسمية. ومع ذلك يظل الإعداد الجيد لتحويل أسانيدنا المعرفية والفكرية إلى أسانيد قانونية مسألة حيوية في إدارة المعركة الدبلوماسية من أجل تقنين دولي، (ثم قوانين وطنية) ضد العداء للإسلام.

وتجدر التذكرة هنا بالجهود العربية الجماعية التي قادها الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى والتي طالبت “بالتوازن” في القرارات الدولية والقوانين الوطنية في الغرب بين العداء للإسلام والعداء للسامية، وهي الجهود التي برزت قبل وبعد صدور قانون الكونجرس الأمريكي (أكتوبر 2004) بتجريم أعمال العداء للسامية، وهو القانون الذي أثار ردود فعل عربية وإسلامية عديدة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن إصرار الدول العربية والإسلامية على عدم الموافقة -في الأمم المتحدة- على مشروع قرار يدين تجريم العداء للسامية فقط (دون النص على تجريم العداء للإسلام) قد قابله رفض 53 دولة (من بينها دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة) قرارًا بتجريم ازدراء الأديان وافقت عليه الجمعية العامة في ديسمبر 2005 بأغلبية 102 صوتًا. وحيث إن قرارات الجمعية العامة هي من قبيل التوصيات، فيمكن القول إن الجهود العربية والإسلامية لم تثمر حتى الآن، وحتى اندلاع الأزمة الراهنة عن نتيجة ملموسة، بل من الواضح أن ملابسات اندلاع وتطور الأزمة الراهنة لتبين لنا مرة أخرى مدى أهمية المطالب العربية والإسلامية على هذا الصعيد.

إلا أن نجاح المعركة الدبلوماسية في تحقيق هذه المطالب يستوجب الإعداد الجيد لها، على النحو الذي يضمن تحويل ما لدينا من أسانيد معرفية وفكرية إلى أسانيد قانونية تدعم المطالب السياسية.

ويتطلب الإعداد الجيد التعامل مع النقاط التالية:

  • ·      تحديد المقصود بازدراء أو تحقير الأديان وموضعه من حرية التعبير، مع تمييز تلك الأخيرة عن حرية الرأي والاعتقاد وعن حرية الإبداع. ذلك لأن القوانين الوطنية في أوروبا لا تفتقر إلى بنود لتجريم ازدراء الأديان إلا أنها -وفق التفسيرات السائدة لها- لا يتم تفعيلها وتطبيقها إلا بشروط وقيود، لا تجعل مثلاً من واقعة نشر الرسوم في الصحيفة أمرًا يستوجب التجريم.
  • التمييز بين الاعتراف بالإسلام كديانة، والاعتراف بوضع قانوني للإسلام والمسلمين يسمح بحمايتهم من الإساءة مثل وضع اليهود الآن.
  • رصد السوابق القانونية – من الخبرات الأوروبية (المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مثلاً) والخبرات العالمية التي تبين حالات ازدراء الأديان التي تم تفعيل القوانين الوطنية تجاهها والعكس، حيث إن القوانين الأوروبية -مثل القانون الدانماركي- كما سبق القول تتضمن بنودًا تجرم ازدراء الأديان، فلماذا لم يتم تفعيلها؟
  • إعداد الحجج القانونية والسياسية القادرة على تجاوز الفجوة المعرفية بين النموذج الإسلامي والنموذج العلماني الغربي.
  • التنسيق بين جهود المنظمات العربية والإسلامية الرسمية من ناحية، وفيما بينها وبين الهيئات المدنية العاملة في العالم الإسلامي أو أوروبا من ناحية أخرى، والبناء على ما تبذله الهيئات الإسلامية في أوروبا.

ثالثًا: ويبقى أخيرًا، الدعوات السيارة لأن نحسن جهودنا في مجال الحوارات ونؤدي الأدوار المطلوبة منا لتقديم الإسلام في الغرب بالصورة التي يفهمها، وللتعريف بالإسلام قرآنًا ونبيًّا. وإذا كانت هذه الدعوات قد انطلقت افتراضًا من أن الرسوم المنشورة هي تعبير عن جهل أو تجاهل مقصود أو متعمد، وأن الاعتذار أو قانون التجريم لن يحول دون تكرار مثل هذه الإساءات من ناحية أخرى، فإن هذه الدعوات لا بد وأن تطرح الأسئلة التالية: هل ما زالت جهودنا للتعريف بالإسلام قاصرة؟ وماذا عن الجهود الرائدة للعديد من المؤسسات الرسمية والمدنية الإسلامية ومؤسسات مسلمي الغرب ذاتهم؟ وماذا عن جهود بعض المستشرقين ذاتهم؟ أم أن القصور هو في الحوار حول القضايا المشتركة ذات الأبعاد الثقافية والتي تتصل بواقع علاقات المسلمين وسياساتهم وليس بالإسلام قرآنًا ورسولاً أو التي تتصل بصورة المسلمين في عيون الغربيين والعكس أيضًا؟ أم أن الحوار في حاجة للنزول إلى مستوى الشعوب ولا يظل محبوسًا في ملتقيات النخب والمؤسسات الرسمية والثقافية؟.

فنحن لا نفتأ نؤسس مبادرات ومؤسسات جديدة للحوار، ولا نفتأ نتحدث عن جهود متعددة، ولكنها دون روابط أو تراكمات. فلقد وقعت الأزمة بعد أقل من عام من تدشين مؤسسة أناليندا للحوار: فماذا فعلت هذه المؤسسة وهي تدار من على أرض مسلمة؟

كما تزامنت الأزمة مع انعقاد مؤتمر وزراء الإعلام العرب وإقرارهم خطة خماسية لتحسين صورة العرب والإسلام في الغرب، كما تم الإعلان عن تأسيس منتدى الحوار العربي الأوروبي في الجامعة العربية، ويجري الإعداد لاجتماع وزراء العرب للثقافة في مسقط، وجرى عقد مؤتمر تحالف الحضارات في تونس في أول فبراير، وآخر في قطر عن العلاقات بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة في الشهر نفسه. كذلك انعقد مؤتمر الحوار بين شمال وجنوب المتوسط في الجزائر (24-26/2/2006) والذي شاركت في تنظيمه أناليند، وإيسيسكو، وألكسو وآخرون… كما توالت الهيئات الإسلامية في عقد مؤتمراتها مثل رابطة العالم الإسلامي، المجلس العالمي الإسلامي للدعوة والإغاثة، واستمر مسلسل المؤتمرات في مارس أيضًا، فنظمت وزارة الأوقاف الكويتية في الكويت مؤتمر نحن والآخر (6-9/3/2006) وانعقد في البحرين (22-23/3/2006) مؤتمر جمعية نصرة محمد صلى الله عليه وسلم، كما نظم المجلس الأعلى للثقافة والعلوم والفنون في مصر مؤتمرًا دوليًّا (4-6/3/2006) بالتعاون مع هيئة مدنية إيطالية تعمل في مجال حوار الحضارات، وبدأ الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا، زيارة لمصر في 20/3/2006 ولمدة خمسة أيام استهدفت تدعيم حوار الأديان… إلخ (مما لم يتم رصده).

وبعد هذا كله نقول: إن محصلة جهودنا غير كافية لماذا؟ هل هي محافل للخطابات وليس لوضع خطط عمل نافذة ومتابعة تطبيقها بفعالية؟ وهل تكفي ملتقيات النخب في قاعات مغلقة أم يجب أن تتحقق مبادرات على مستويات أخرى مثل التي قام بها مؤخرًا الداعية الكاريزما عمرو خالد؟

وفي المقابل ماذا نجد على الجانب الآخر؟ نجد خطابات رسمية أوروبية ما فتئت تعكس بقوة المعايير المزدوجة. فمن ناحية ما فتئت تتوالى المبادرات الداعية للحوار مع المسلمين، وما فتئت تتبنى أوروبا مبادرات تحالف الحضارات (برشلونة 2005)، وما فتئ يتوالى تطبيق قوانينها المجرمة للعداء للسامية ضد المؤرخ إيرفنج، وضد عمدة لندن…، إلا أنه من ناحية أخرى، تتعجرف هذه الخطابات الأوروبية الرسمية وبطريقة غير منصفة، وتمتنع عن الاعتذار وتكتفي بالإعراب عن الأسف والتفهم لغضب المسلمين، وتعطي الأولوية لإدانة العنف الصادر عن المسلمين، وتحذر في الوقت نفسه بقوة من المساس بمصالحها، وقبل أن تتذكر -في النهاية- الإشارة إلى أن حرية التعبير يجب أن تكون حرية مسئولة. وإذا تضمنت البيانات الجماعية أو الوطنية الأوروبية التي صدرت عن الجانب الأوروبي ما من شأنه ظاهرًا أن يهدئ من ثائرة المسلمين إلا أن الوضع على أرض الواقع لا يقدم ضمانًا لعدم تكرار ما حدث. ونذكر على سبيل المثال، وليس الحصر، ما تم نشره في خبر صغير في أسفل العامود الأخير من صفحة 4 من الأهرام (16/3/2006) تحت عنوان “المدعي العام الدانماركي يرفض توجيه الاتهام للصحيفة المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام.. بانتهاك قانون ازدراء الأديان؛ لأن الرسوم (وفق الخبر) الاثني عشر التي نشرتها الصحيفة لا تنتهك القانون الدانماركي؛ لأنه لا يوجد حق حر وحق مقيد للتعبير عن الآراء في الأمور الدينية.

ولهذا كله يجب -عند تقييم نتائج الحوار الآن- ألا نقتصر على لوم أنفسنا بالتقصير في أداء ما علينا من واجبات. فبالرغم من الانتقادات لمنهج هذا الأداء، والذي سجلته بحوث برنامج حوار الحضارات، فإنه قد آن الأوان أن نضع الآخر أمام مسئوليته أيضًا، وأن نقف ونقول له بصوت عال: أنت مسئول أيضًا، ولاحظ كيف تتزايد عنصريتك وإساءتك المتعمدة المقصودة ضد الإسلام والمسلمين.

بعبارة أخرى: آن الأوان لإستراتيجية هجومية، وليس دفاعية فقط، لتلقى الكرة في ملعبهم أيضًا للمطالبة بتقنين أسس ومتطلبات الحوار العادل المتكافئ، قبل أن نشرع في الاستجابة من جديد لسيل المبادرات الرسمية والمدنية الأوروبية (الجماعية والقومية) التي تتوالى الآن، ليس من أجل منع تكرار ما حدث، ولكن من أجل مجرد رأب الصدع الذي وقع مع “المسلمين المعتدلين”. فلقد تبين كيف كان توحد النخبة مع العامة واضحًا، وكيف انتقدت بشدة نخب عربية تؤمن بالحوار وتمارسه: ما حدث من الدانمارك وحلفائها في أوروبا، واعتبرته تطرفًا ووقاحة دبلوماسية ومؤامرة أوروبية… إلخ.

ومن ناحية أخيرة: لم يَعُد حوار “النخب الرسمية وغير الرسمية” هو السبيل الأمثل. فلقد تركزت عليه الجهود طوال السنوات الخمس الماضية. ومن ثَم آن أوان حوار “الشعوب”. وإذا كانت أوروبا والولايات المتحدة قد صممتا ونفذتا أدوات وآليات على هذا الصعيد -في مجالات الإعلام والشباب والمرأة والمجتمع المدني- فلقد آن الأوان لتنشيط مؤسساتنا على هذا الصعيد أيضًا، على ألا يظل الأمر قاصرًا على المستوى الدعوي التقليدي أو الرسمي السياسي التقليدي، كل منهما منفصل عن الآخر. ولعلّ الملابسات التي أحاطت بمبادرة عمرو خالد، يمكن تفسيرها على ضوء هذا الأمر، أي العلاقة بين الدعوي والسياسي في مبادرات الحوار.

خلاصة القول

إن القضية (التي تقع في نطاقها هذه الأزمة وما سبقها من أزمات) ليست دعوية فقط تقتضي تقديم الإسلام وتصحيح الصورة عن أصوله ورسوله إلى الشعوب الأوروبية بواسطة الدعاة فقط، ووفق منهجهم الدعوي الذي يعلن انفصاله عن السياسة. وهي ليست قضية سياسية فقط لا علاقة لها بالأديان والثقافات وحواراتها، ولكنها قضية سياسية ذات أبعاد ثقافية – دينية، تختبر أطرافها توازنات القوى والمصالح فيما بينها على ساحة الحرب. وهي الحرب التي تجري بين حماة حرية التعبير وحماة احترام الأديان، وهي حرب تدار بأدوات عدة: أحدها هو (الحوار)، ذلك الحوار الذي آن الأوان حتى يحقق فعاليته أن ينطلق انطلاقة جديدة من تقنين تجريم العداء للإسلام وازدراء الأديان بصفة عامة، على قاعدة من الاحترام المتبادل والإنصاف، مهما كانت متطلبات “العلمانية”.

إن القراءة في أحداث وخطابات وتفاعلات الأزمة ساعدت على بيان أن ركائز الحوار المطلوب مستقبلاً -ليكون عادلاً ومتكافئًا- هو التقنين الدولي لتجريم تعمد ازدراء أو تحقير الإسلام والمسلمين بقدر ما تم من تجريم معاداة السامية. فإن هذا الازدراء والتحقير للمسلمين واتهامهم بما ليس فيهم إجمالاً: لم يَعُد من قبيل الجهل فقط أو حرية التعبير فقط، ولكنه توظيف سياسي يشكل بيئة صالحة لتكريس اتهام مسلمي الغرب بعدم الاندماج، ولاتهام مسلمي العالم بتهديد الاستقرار والسلم. ومن ثَم تبرير كل أنماط السياسات العدوانية والتدخلية ضدهم، سواء لأسباب سياسية أم دينية، مما ينتقص من دوافع ومبررات الحوار.

إن الوضع الراهن -في مجمله- دفع البعض لتشبيه حال ووضع مسلمي أوروبا الآن بوضع اليهود في أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر، بكل ما يحمله هذا التشبيه معه من احتمالات حول مستقبل وضع المسلمين في أوروبا، ومستقبل العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب بصفة عامة، وهو الأمر الذي يتطلب تضافر جهود الجميع الآن، وتوزيع الأدوار فيما بينهم وفق رؤية إستراتيجية تنظر للحوار بين الأديان والثقافات باعتباره قضية سياسية وأداة من أدوات إدارة الصراع وليس بديلاً عنه، ومن ثَم تحتاج المبادرة به وإدارته إلى وعي كامل بالسياق السياسي المحيط، والأهداف السياسية لأطرافه، وكل هذا دون التخلي عن الحوار كإستراتيجية ومبدأ في الأساس.

اقرأ أيضا:

**أستاذة العلاقات الدولية والمشرفة على برنامج حوار الحضارات – كلية الاقتصاد والعلوم السياسية