علي أسعد**

19/07/2005 

ببحث الفرق بين الإعجاز العلمي والتفسير العلمي يتبين أن الإعجاز العلمي نوع أو صورة من صور التفسير العلمي، فكل إعجاز تفسير علمي، وليس كل تفسير علمي إعجازا.

ولم ينحصر الفرق بين الإعجاز والتفسير في التعريفات، بل نلحظ تفاوتا في طريقة التقسيم، وتبني نوع دون آخر من قِبَل رواد التفسير العلمي.

والهدف من البحث الإشارة إلى أمرين:

أولهما: الفرق بين الإعجاز العلمي والتفسير العلمي، وبالتالي تنبيه الوالجين لهذا النوع من التفسير -وخاصة غير المختصين بالعلوم الشرعية- إلى أنه ليس كل ما يسمونه بالإعجاز العلمي هو كذلك؛ إذ كثيرا ما يكون نوعا آخر من أنواع التفسير العلمي على أقل تقدير، وهو ما سيتضح أكثر لاحقا عند عرض بعض النماذج التطبيقية.

أما ثانيهما: أنه لا يقتضي رد الإعجاز العلمي رد الأنواع الأخرى للتفسير العلمي.

فالغرض المحوري هو محاولة الإجابة عن مدى إمكانية إثبات السبق العلمي للقرآن الكريم بذكره للمكتشفات العلمية دون تحميل آيات القرآن الكريم ما لا تحتمل.

والقول بهذه الأسبقية لم يخل من اعتراضات معرفية، أهمها يرجع إلى أمرين:

الأول: يرجع إلى القرآن الكريم وطريقة فهمه؛ فقد ارتبطت بالقرآن أمور أصبحت من المسلمات، والقول بالإعجاز العلمي هو خطر عليها، فمن أهمها مسألة التحدي القرآني للعرب، إذ كيف يتحدى القرآن العرب بأمور لا علم لهم بها؟ ينتج عن ذلك -ضرورة- ربطُ فهم القرآن بفهم العرب زمن نزول الوحي حتى نفهم الألفاظ فهما صحيحا، ونكون في الوقت نفسه قد راعينا بلاغة القرآن التي تقتضي موافقتها لمقتضى حالهم، بهذا لا نتكلف في فهم ألفاظ القرآن، ولا نحملها ما لا تحتمل.

أما الأمر الثاني: فهو متعلق بالعلم وموضوعه؛ فموضوع العلم مختلف عن موضوع القرآن الكريم، وحقائقه مختلفة عن حقائق القرآن؛ فالأولى نسبية والثانية مطلقة، فكيف نحكم ما هو مطلق إلى ما هو نسبي؟ وكيف نجعل القرآن الهادي بنفسه مهديا بغيره؟ إضافة إلى التغير والتبدل الذي يطرأ على العلوم، لهذا فإن تفسير القرآن بها يجعله متغيرا متقلبا معها.

يبرز جوهر الخلاف بين المؤيدين للتفسير العلمي وبين المعارضين له في أن المعارضين ربطوا فهم آيات القرآن وألفاظه بفهم معاصري نزول القرآن، بينما رأى المؤيدون وجوب الاستقلال في فهم القرآن وعدم الافتتان بالروايات، فالله -عز وجل- يقول: {أَفَلَا يَتَدَبرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء: 82] وكان جمال الدين الأفغاني يقول: “إن القرآن لا يزال بِكْرا”.

ومن خلال معالجة العديد من التطبيقات والأمثلة يرى الباحث أن بعض التفاسير العلمية عكست الأهداف التي يريد المفسر العلمي تحقيقها، من إظهارٍ للصلة بين العلم والقرآن، وأن آيات القرآن دالة على ما يقول به العلم، فكان كل ذلك على حساب النص؛ حيث طغت المادة العلمية التي يريد المفسر أن يربطها بالنص القرآني على تفسيره، فلم يلتفت إلى موضوع الآية ولا إلى سياقها ولا إلى دلالات ألفاظها…، وإنما كان همه أن يجعلها دالة على ما يقول به العلم، هذا الذي أدى إلى تفسيرٍ للظواهر الكونية وليس إلى تفسير آيات القرآن الكريم.

فمثلا تصور دور الجبال في تثبيت الأرض كان موجودا في العصور السابقة، ويظهر ذلك في بعض الروايات الواردة عن علي وغيره، ولكن الذي اختلف في العصر الحديث هو أن هناك تفسيرا علميا لهذه الظاهرة، بينما كانت تعليلاتهم في العصور السابقة مرتبطة بأمور غيبية. ومثل هذا لا يمكن القول فيه بأسبقية أو إعجاز قرآني.

والباحث يخلص إلى أن ما سماه المفسر العلمي سبقا للقرآن الكريم في ذكر العلوم الحديثة -عدا ما هو متكلف به- يرجع إلى أمرين هما:

الأول: وصف المفسر الظاهرة التي ذكرها القرآن الكريم على ضوء ما كشف عنه العلم الحديث، والذي ساعده على ذلك دقة الوصف القرآني لهذه الظاهرة التي كانت معروفة في عصر النزول، بالإضافة إلى عدم ذكر القرآن للتعليلات التي كانت سائدة في ذلك العصر.

الثاني: يرجع هذا السبق إلى احتمال اللفظ لإحدى الدلالات التي اختارها المفسر لتوافق ما يقول به العلم، ولكن هذه الدلالة رغم احتمالية اللفظ لها فإن السؤال المطروح هو: هل هذه الدلالة التي اختيرت كانت مستخدمة في عصر نزول القرآن أم أنها اصطلاح حادث؟ هذا بالإضافة إلى أن ما يسميه المفسر العلمي سبقا قرآنيا لا يعد سبقا بالنسبة لنا؛ لأن هذه الدلالة لم تفهم إلا بعد كشف العلم لها، ولا يصح أن يقال: إنها سبق قرآني لأهل عصر نزول الوحي لأنهم ما كانوا يفهمون منه هذه العلوم، فالسؤال هو: هذا السبق بالنسبة لمن؟.

يظهر واضحا من خلال الأمثلة التطبيقية أن اعتماد المفسر العلمي على التفسير بالقرآن الكريم لم يكن مفصولا عن أفقه المعرفي وثقافته العلمية؛ بل كان ذلك دافعا إلى أن يبحث في الآيات القرآنية عن إجابات لتساؤلات أثارها العلم. فالعلم هو المنطلق وهو الأساس بالنسبة له، والقرآن هو القابل للتشكل حسب نتائج العلم لديه، ولكن هذا ليس مطلقا، فهناك تفاسير كان منطلق المفسر فيها من النص وثقافة العصر.

والمفسر العلمي استند في تفسيره على عدة ركائز أساسية أسهمت في وجود هذا النوع من التفسير، يمكن حصرها في ثلاثة أمور هي: استشهاد القرآن بأمور واقعية خاضعة للحس، وطبيعة اللغة، وثقافة العصر.

إن المتأمل في أدوات المفسر العلمي المستدل بها يجد أن أهمها يرتكز على طبيعة اللغة، واكتفى الباحث هنا ببيان دور دلالات الألفاظ التي تتفرع إلى دلالات مختلفة بحسب الزاوية التي ينظر منها. فللفظ في اللغة العربية دلالات متنوعة تبدأ بالدلالة الوضعية، مرورا بدلالة منطوقه ودرجة شموله إلى مجازه.

لقد وجد المفسر العلمي في دلالات الألفاظ مجالا رحبا لتفسيره العلمي، فدلالة اللفظ على الشمول -سواء المطلق منه أو العام- سمح له بأن يجعل ما يكشف عنه العلم الحديث داخلا في هذا الشمول؛ بل إن دلالة اللفظ على العموم أو الإطلاق هي الدالة على ما كشف عنه العلم الحديث، وقل مثل ذلك في دلالة المنطوق بما فيها من دلالة الالتزام أو المطابقة أو التضمين أو الإشارة وأيضا المجاز.

إن اللفظ الذي كان يدل على أشياء معينة في الماضي كشف العلم الحديث عن حقائق هذه الأشياء فصار اللفظ يحمل ذيولا من المعاني تدل على هذه الحقائق المكتشفة، ولعل هذا يرجع إلى أن “الكون تنتظمه شبكة من الظواهر، وأن علاقة الإنسان بتلك الظواهر تنبني على التبصر ثم الإدراك، ومن هذه العلاقة ينشأ مبدأ الدلالة” التي تصنف في الكون إلى:

الدلالة الطبيعية التي يستدل فيها العقل بحقيقة ظاهرة على حقيقة غائبة بسبب أن العلاقة بينهما هي علاقة السبب الطبيعي بنتيجته.

والدلالة المنطقية هي التي يتحول فيها الفكر بواسطة المسالك العقلية من الحقائق الحاضرة إلى حقيقة غائبة.

أما الصنف الثالث من هذه الدلالات فهو الدلالة العرفية التي تنشأ باصطلاح الإنسان “إما بإعمال الروية أو باتفاق السلوك”.

فالمفسر العلمي في تعامله مع النص القرآني:

– إما أن يكون منطلقا من النص محاولا جذبه إلى علوم العصر، وهو في هذا حريص على الاستدلال به، وعلى أن يكون المعنى الجديد منسجما مع السياق والسباق، وتميز بذلك المفسرون المختصون بالعلوم الشرعية.

– وإما أن يكون منطلقا من ثقافة العصر محاولا إسقاطها على النص القرآني، وهو في استدلاله غير متكامل، فإن استدل باللفظ لم ينظر إلى السياق… هذه الطريقة ظهرت في الغالب عند غير المختصين بالعلوم الشرعية كالأطباء وعلماء الجيولوجيا وغيرهم، وجل هذه التفاسير يمكن اعتبارها انطباعات شخصية أكثر من كونها تفسيرا.

وختاما: إن القول بالسبق القرآني في ذكر العلوم قبل اكتشافها حسب ما قدمه البحث من تطبيقات، يعتبر مستندا ومسوغا للقراءات المعاصرة التي تسعى إلى جعل النص القرآني مادة هلامية يشكلها قارئه كما يريد، وخاصة أنها تتجاوز معهود الخاطبين في عصر التنزيل في استعمالاتهم اللغوية والبلاغية التي تعتبر شرطا أساسيا في التفسير؛ لذا علينا أن نكون موضوعيين أولا، ومنسجمين مع أنفسنا ثانيا، وفاء لقدسية القرآن الكريم، وإبرازا لفاعليته البعيدة عن القراءة الإسقاطية، مما يعكس المبادئ والقيم والمقاصد التي جاء بها ولأجلها، دون أن نلجأ إلى مثل هذه القراءات التي كان من أبرز أسباب وجودها ردة الفعل تجاه التقدم العلمي في الغرب.

تابع في نفس الملف:

اقرأ أيضا:


*هذه الخلاصة استخلصها محرر صفحة (الإسلام وقضايا العصر) من نص البحث المرفق.

** عضو الهيئة التعليمية في كلية الشريعة في جامعة دمشق، والبحث مستخلص من أطروحته الجامعية عن الإعجاز العلمي للقرآن الكريم.