د.صهباء محمد بندق** 08/05/2005 

كثيرٌ من الباحثين يقع في مغالطات بحثية في الأحاديث التي تحمل مضامين طبية، كما تقع منهم تجاوزات لحدود المنهج العلمي المتعارف عليه، وغالبا ما تتسم تلك الدراسات بغياب روح البحث العلمي، حيث تسودها الرغبة الملحة في إثبات مسائل طبية ما تزال في دائرة الغموض، ويطغى الجموح والهيجان العاطفي على صوت العقل والمنطق، فيغدو الهدف هو الانتصار المسبق لموضوع البحث وليس للبحث ذاته، وهذه إهانة عظيمة للعقل والدين معا، يجدر بالمسلمين الانتباه لها، فالخطأ المنهجي المتضمن في محاولة قسر النتائج التجريبية وجعلها مؤيدة لنصوص نبوية يجرد الباحث من نزاهته العلمية ويسلب البحث قيمته المعرفية.

بل إن تجاوز المعطيات التجريبية والاستغلال الخاطئ، والتطويع غير السليم للنتائج العلمية يعرّض السنة النبوية للضرر والتشويه نتيجة للأخطاء البشرية. فإلهاء المريض بدواء لم تثبت نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد يلحق الضرر به، وقد يسبب له شكوكا في حال عدم الاستفادة أو حدوث ضرر باستعماله، وكذلك الأمر بالنسبة للسليم عندما يتعلق بأوهام على أنها من الوصايا الصحية النبوية.

ولعل من أسباب الارتكاز على المشاعر الدينية الفائرة، والتخلي عن الرؤية المنهجية والموضوعية بشأن الهدي النبوي في الطب.. ما تشهده الأمة من تطورات سياسية وأزمات ثقافية واقتصادية، ولدت روحا من الانهزام النفسي، البعض يحاول كبت عاطفته الدينية بشتى الوسائل، والبعض يحاول نقل المعركة إلى ميدانه الخاص في محاولة لا واعية لتفريغ الشعور الضاغط بالانسحاق الثقافي وضياع الهوية، هذا مع استبعاد فريق آخر -للأسف الشديد- يحاول استغلال تلك المشاعر الدينية الفائرة لتحقيق مآرب شخصية ولبناء أمجاد وهمية على أكتاف السنة النبوية.

وأود أن أنبه إلى أني عندما أذكر تلك الاعتراضات البحثية حول ما يتعلق بأبحاث ما يعرف بـ”الطب النبوي”، فهذا لا يعني مطلقا أنني أستبعد أي صورة من صور الإعجاز العلمي في حديثه صلى الله عليه وسلم، أو أنني لا أرى جدوى من الخوض في هذا المجال.

اقرأ في هذا الموضوع:

معنى المنهج العلمي وخصائصه

المنهج “Method ” لفظة مشتقة من كلمة يونانية، بمعنى البحث أو النظر أو المعرفة، ويرجع أصلها الاشتقاقي إلى معنى الطريق المؤدي إلى الغرض المطلوب. ويعتبر “منهج البحث العلمي” علمًا قائما بذاته يسمى “علم مناهج البحث” “Methodology” أو علم المناهج اختصارا، ويمثل أهم جوانب العلم والمعرفة العـلمية(2).

وقد استقر معنى كلمة منهج منذ عصر النهضة الأوربية بمعنى طائفة من القواعد العامة المصوغة من أجل الوصول إلى الحقيقة من العلم، ومعنى المنهج هو الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد العامة تهيمن على سير العقل وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة(3).

أقسام المنهج العلمي:

قد تختلف مناهج البحث في كل علم من العلوم عن بعضها الآخر، فهناك فرق مثلا بين علم الفلك وعلم الطبيعة وعلم الكيمياء والجيولوجيا والرياضيات. ولكن مع هذه الفروق في مناهج كل علم، فإن هناك أساسيات تجمع بينها جميعا، وهذه الأساسيات هي التي يهتم بها علم المناهج العام، فالعلم الباحث في الطرق المستخدمة في العلوم للوصول إلى الحقيقة يسمى علم المناهج، وهو العلم الذي يدرس الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم النظرية، وتبعا لاختلاف هذه العلوم تختلف المناهج، ولكنها يمكن أن ترد إلى منهجين هما: الاستدلال والتجريب، يضاف إليهما منهج ثالث خاص بالعلوم الأخلاقية أو التاريخية وهو منهج الاسترداد، ويمكن حصرها في نهاية الأمر فيما يلي(3):

1 – المنهج الاستدلالي أو الرياضي: وهو الذي نسير فيه من مبدأ إلى قضايا تنتج عنه بالضرورة دون التجاء إلى التجربة، وهو منهج العلوم الرياضية.

المنهج التجريبي هو العلم الذي نحتاج إليه لدراسة وتقييم الأبحاث الطبية المتضمنة لأحاديث من الهدي النبوي

2 – المنهج التجريبي: ويشمل الملاحظة والتجربة معا الذي نبدأ فيه من جزئيات أو مبادئ غير يقينية تماما ونسير منها معممين حتى نصل إلى قضايا عامة، لاجئين في كل خطوة إلى التجربة كي تضمن لنا صحة الاستنتاج وهو منهج العلوم الطبيعية.

3 – المنهج الاستردادي أو المنهج التاريخي وهو الذي نقوم فيه باسترداد الماضي تبعا لما تركه من آثار، أيا كان نوع هذه الآثار، وهو المنهج المستخدم في العلوم التاريخية والأخلاقية.

إلى جانب هذه المناهج يمكن أن نضيف المنهج الجدلي الذي يحدد منهج التناظر والتحاور في الجماعات العلمية أو في المناقشات العلمية على اختلافها، ولا يمكن لهذا المنهج أن يأتي بثمار حقيقية إلا إذا ساندته المناهج الثلاثة السابقة.

والمنهج التجريبي هو العلم الذي نحتاج إليه لدراسة وتقييم الأبحاث الطبية المتضمنة لأحاديث من الهدي النبوي، لذا يهمنا أن نتعرف بصورة أدق على المنهج التجريبي الذي يستخدم أساليب الملاحظة العلمية وفرض الفروض وإجراء التجارب لحل مشكلة ما والوصول إلى نتيجة معينة.

والمنهج العلمي هو منهج الاستقراء، لمعرفة كيفيات المادة، أي تتبع جزئيات حسية، وتتبعها بالملاحظة، أو بإجراء التجارب عليها، وهو المنهج الذي قامت عليه الحضارة الحديثة، وعلى أساسه أيضا ستتطور هذه الحضارة، وترقى وتتسع -كما وكيفا- إلى ما شاء الله.

إن علماء الإسلام الأوائل قدموا خدمات جليلة للمعرفة الإنسانية، فقد دفعت توجيهات القرآن الكريم والسنة المطهرة المسلمين دفعا إلى مختلف مجالات المعرفة، فانطلقت النهضة العلمية التي دوت في أنحاء العالم، والتي قامت على منهج التجريب والاستقراء، كثمرة طيبة لتوجيهات القرآن الكريم والسنة النبوية، بينما يتراجع مؤشر الوعي والالتزام بالمنهج العلمي في زمن الأحفاد بسبب التعاطي المغلوط والمنقوص مع إشارات الهدي النبوي، فالعقل والمنطق في فهم السنة النبوية يؤدي إلى نفع البشرية واستحقاق الريادة والمجد، بينما يؤدي التعاطي العاطفي والمتسرع إلى تضليل وتشويه مفاهيم العامة وازدراء العقلاء والمختصين.

خصائص المنهج العلمي:

1 – الملاحظة العلمية وإجراء التجارب وفرض الفروض لتفسير المشكلات.

2 – استخدام أسلوب التحليل للوصول إلى عناصر أبسط للظواهر والمشكلات التي يدرسها.

3 – الاعتماد على أساليب القياس الدقيق والمعالجة الإحصائية للبيانات والمعلومات.

4 – التقسيم الدقيق والصحيح للحقائق وتصنيفها وملاحظة الارتباط والتتابع فيما بينها.

5 – استخدام الخيال الخلاق المبدع في التوصل إلى الفروض العلمية أو القوانين العلمية.

6 – النقد الذاتي وعدم التسليم بالوقائع إلا بعد تمحيصها.

الأخطاء المنهجية في بحوث الطب النبوي

وحيث إن التشخيص يسبق العلاج ولا بد، فإننا نرصد الأخطاء المنهجية في البحوث التي تناولت الهدي النبوي في الطب كالآتي:

1 – الافتقار إلى التخطيط السليم لاختيار مجالات البحث:

البحث العلمي عملية أساسها التخطيط والمعلومات ودراسة الظروف الخارجية والتكلفة والجهد والوقت، كذلك البحث العلمي في نصوص الأحاديث النبوية الشريفة يحتاج في المقام الأول إلى جمع المعلومات وإعداد البيانات الكثيرة حول تلك الأحاديث وموقف المختصين منها، وما هو مطلوب إنجازه، ومن ثم التخطيط بعمق لكيفية وضع المسألة التي يتناولها الحديث تحت مجهر الملاحظة والدراسة، بغية الوصول إلى نتائج حقيقية وموضوعية قابلة للتنفيذ العملي كأي دراسة علمية.

أحاديث الآحاد في الطب لا تعكس في ذاتها الوجه الحقيقي للطب النبوي، إنما تحتاج للبحث والدراسة حتى يمكن التحقق من ثبوتها.

والباحث في هذا المجال يجب أن يلم بكل ما كتب عن موضوعه من بحوث مهمة، فالتخطيط للدراسة ينبني على قراءته، ولا شك أن موقفه سيكون حرجا لو واجهته لجنة التقييم بمعلومات لم يحصل عليها ومن شأنها أن تحدث تغييرا فيما وصل إليه من نتائج، أو واجهوه بضعف الأساس الذي تم اختيار الدراسة عليه. لذا فالقراءة الواسعة والإحاطة بكل ظروف الرواية التي يود بحثها، يعد ركنا أساسا من دعائم الدراسة أو البحث الناجح.

ومن أخطاء اختيار موضوع الدراسة، التي قد ينطلق منها البحث فتذهب بقيمة دراسته ما يلي:

افتراض صحة الحديث وعدم التثبت:

عند الاطلاع على الكثير من كتب “الطب النبوي” نجدها غير كاملة الاستيعاب، وفي نصوصها أحاديث تحتاج إلى تحقيق لمعرفة درجة قبولها لدى المختصين بعلوم الحديث، كما أنها -مع الإقرار بفائدتها والعرفان بجهد مؤلفيها- لم يعد شرحها الطبي وبيانها كافيا وافيا بالنسبة لزماننا هذا، وحتى النصوص النبوية الصحيحة في نسبتها تحتاج إلى شرح يتلاءم مع العلم الحديث.

اعتبار “أحاديث الآحاد” حقائق قطعية الثبوت:

ينطلق كثير من الباحثين والمهتمين بالطب النبوي من أن أحاديث الآحاد إذا ثبت سندها وصححها المحدثون فهي حقيقة علمية لا يمارى فيها، وهذا لا يصح؛ لأن تلك الأحاديث من قسم الآحاد الذي ثبت (ظنا) -أي يحتمل الخطأ والصواب- بينما الحقائق العلمية يمكن أن تحقق درجة (القطع) أو ما يقاربها من خلال البحث.

والحقيقة أن أحاديث الآحاد في هذا المجال لا تعكس في ذاتها الوجه الحقيقي للطب النبوي، إنما تحتاج للبحث والدراسة حتى يمكن التحقق من ثبوتها. فتلك الأحاديث من المحتمل أن يكون قد داخلها نسيان الرواة أو خطؤهم أو زيادتهم، بينما من خلال البحث العلمي الدقيق والمجرد نستطيع فهم الحقيقة العلمية كما أوجدها الباري تبارك وتعالى.

وقد أفاد علماء الحديث أن مخالفة ظاهر أي حديث للواقع أو للحقائق العلمية القطعية الثابتة يوجب تأويله ما أمكن ذلك. أما إذا كانت دلالته قطعية لا تحتمل التأويل فإن مخالفته تعتبر علة في متنه تمنع قبوله أو توجب التوقف عن العمل به (النسيمي: ص 15).

التساهل في ذكر الأحاديث الضعيفة:

يتساهل معظم المتعاطفين مع الهدي النبوي في الطب في سرد الأحاديث الضعيفة بحجة أن الأحاديث النبوية الطبية لا يبنى على أكثرها أحكام شرعية، ما يبيح التساهل في ذكر الضعيف منها، وهو قول مردود؛ لأن في ذلك توريط المسلم بتطبيق وصفة تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يعلم أنها ضعيفة بالنسبة إليه أو مكذوبة عليه، فإذا لم يستفد، أو تأذى بهذا التطبيق؛ فإنه قد يتولد في نفسه الاعتراض والشك؛ ولذا ينبغي أن تتوخى الأبحاث عن الطب النبوي: الأحاديث المقبولة لدى المختصين في علوم الحديث.

كما أن اعتبار الأخذ بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال حين لا يكون الحديث متعلقا بالعقيدة، ولا يبنى عليه حكم شرعي من فرض أو تحريم، لا ينسحب على الأحاديث المتضمنة توجيهات طبية إلا إذا اتفق الحديث الضعيف ضعفا غير شديد، مع الثابت طبيا (النسيمي: ص 114).

2 – شيوع الأخطاء المعلوماتية وضعف التحضير للبحث:

وهو أيضا من عيوب التسرع وضيق مجال الاطلاع والقراءة، وهو خطأ لا يجوز ارتكابه، كما لا يجوز التهاون مع مرتكبه، في عصر تدفق المعلومات وثورة الاتصالات، وكلما كانت الفكرة التي يود الباحث إثباتها مهيمنة على تفكيره، فإن المعلومات تتعثر وتصطدم ويحدث الكثير من الارتباك وسوء الفهم، وتغيب القدرة على الإقناع وتوصيل المعلومات؛ نظرا لانحراف الأداء، الأمر الذي يوجب على الباحث فتح قنوات الاتصال الخاصة بالمعلومات ومراكز البحث السليمة وذات الكفاءة العالية.

وقد ظهرت هذه العيوب في مؤتمر الإعجاز العلمي السابع، وحظيت بانتقادات علمية من الحضور، تقول الدكتورة “فرانسيس باك” الأستاذ المساعد بقسم الأمراض المتوطنة وأمراض الدم والسرطان في جامعة وين ستيت -ديترويت ميشيجن- بالولايات المتحدة: “إنه على الرغم من أن الأبحاث المقدمة في المؤتمر بدت شائقة فإن هناك بعض الأخطاء المعلوماتية تخللت بعض الأبحاث”.

ودللت على ذلك بمثال: “فالداروينية مثلا ونظرية التطور حسبما قدمهما الدكتور إدريس الخرشاف في بحثه المقدم حول الداروينية والإعجاز العلمي في القرآن الكريم لا يمثلان الرؤية الغربية، ويبدو أن هناك فجوة كبيرة في التواصل الفكري بين الشرق والغرب”.

وأضافت: “إن كان هذا المؤتمر عن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة فلا بد أن يكون هناك معلومات علمية حقيقية؛ لأن الكثير مما يقدم ليس مبنيا على الدليل العـلمي”(1).

3 – التكلف والتحايل على الحقائق العلمية:

حين يغدو التسليم المطلق بصحة الرواية منطلقا للبحث العلمي، فإن همة الباحث تتجه نحو إثبات صحتها بأي طريق، ومن أجل ذلك يتكلف لَيّ المفاهيم العلمية ويتحايل على الحقائق لتتفق مع تلك الرواية، أو يسارع نحو بعض البحوث التي لم تنضج للإعلان عن موافقة الرواية (للحقائق) العلمية، وهكذا تخرج الأبحاث مدعومة بحقائق مختارة متحيزة لجانب واحد من الموضوع، وهو ما يذهب بمصداقية وموضوعية تلك الأبحاث. ولعل هذا ما يفسر تميز أبحاث الطب النبوي عادة بالإثارة والتشويق على حساب الجودة والكفاءة، بهدف إبهار القارئ المتعطش ابتداء لهذه النتائج.

والصواب أن ينطلق البحث بتجرد تام، وبدراسة علمية متأنية تتفق وأصول وأسس البحث العلمي المتعارف عليها، وقد يستغرق منا ذلك سنين بل قد يستغرق العمر، دون لحظة ندم؛ لأن هذا هو الطريق الوحيد الذي يوصلنا بإذن الله إلى الحقائق ويجنبنا مزالق السعي وراء ما لا طائل منه.

والأمانة العلمية صفة لا غنى عنها للباحث، وكما يقول “بول موي”: “للعالم أن يتحلى بصفات التواضع والصبر والنزاهة حين يلاحظ الظواهر، وأن يصفها على ما هي عليه، لا كما يتمناها أن تكون”(6).

تتميز أبحاث الطب النبوي عادة بالإثارة والتشويق على حساب الجودة والكفاءة، بهدف إبهار القارئ المتعطش ابتداء لهذه النتائج السحرية.

وهو ما أدرجه د. أحمد شوقي إبراهيم ضمن شروط وضوابط المنهج العلمي في دراسة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: فـ”لا تجوز محاولة إخضاع النص النبوي -وما أعظم شأنه- للحقائق العلمية التي توصل إليها الإنسان، وما أقل شأنها. كما لا ينبغي محاولة التوفيق بين ما في القرآن أو الحديث النبوي من علم بلا حدود، وبين ما لدى الإنسان من علم قليل ومحدود. ونذكر هنا نبي الله الخضر عليه السلام عندما قال لنبي الله موسى عليه السلام: “ما علمي وعلمك يا موسى من علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من ماء البحر”. ونذكر أيضاً قول الله عز وجل في كتابه العزيز: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) (الإسراء: 85). فمن الضروري لكل باحث في الإعجاز العلمي في القرآن والسنة أن يضع هذه الحقائق نصب عينيه دائمًا”(7).

4 – الاعتماد على النظريات التي لم تثبت والتسليم بصحتها:

كثيرا ما يرتكز البحث على نظريات مهترئة لا ترقى لمستوى الحقائق العلمية الثابتة ولا يمكن الاطمئنان إليها لتأييد الأحاديث التي يتم بحثها، وقد يكتفي الباحث بعرض ملاحظاته وخبراته الشخصية للبرهنة على صحة النظريات التي افترضها، ثم يملأ الدنيا ضجيجا بها، ولهذا فإن كثيرا من تلك الأبحاث تتسم بالذاتية، وتتضمن استنتاجات غالبا ما تكون مبنية على الملاحظة غير المقيدة.

وكما يتسرع المعارضون لكل ما يتعلق بسنة النبي صلى الله عليه وسلم فينكرون أي صلة بين العلم الحديث وما تحدث به رسول الله مما يتعلق بالصحة والطب، كذلك يوصل الحماس والهياج العاطفي للنتيجة ذاتها عن طريق التسرع في إصدار الأحكام العاطفية والاستعداد لقبول أي تفسير علمي مهما ضعفت درجته، بل وإن لم يبلغ درجة القبول أصلا بحجة إحياء السنة. والاكتفاء بسرد الأحاديث مرفقة ببعض التلفيقات والفبركات العلمية ثم التباهي والتنطع باكتشاف إعجاز في طب النبوة!

وكلا الطرفين أساء فهم الدين ولم يحسن فهم كتاب رب العالمين، الذي افتتح خطابه للعقل البشري بدعوة للقراءة والبحث والتأمل، وحثه على استكشاف الحقائق عن طريق البحث والتجريب والمشاهدة. قال الله تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}.

ومن الأمثلة على الأمانة والصبر في الملاحظة أن الفلكي الدنماركي تيكوبراهي Tycho Brahe ظل طوال عشرين عاما يعمل على تحديد مدار كوكب المريخ، وكان يظن أن مداره دائري، وقد استند على ملاحظات لتحديد مدار المريخ، وبعد عناء دام تسع سنوات كاد يبلغ به حد الجنون، استطاع أن يحدد المدار البيضاوي لكوكب المريخ، ووضع بذلك قانونه الأول الذي ينص على أن المريخ يرسم مدارا بيضاوي الشكل(2).

وكان الأجدى أن يرتكز البحث في الطب النبوي على حقائق ومسلمات علمية لا يمكن الجدل بشأنها، على الأخص في زماننا هذا الذي يقدم لنا المزيد من تكنولوجيا البحث والمختبرات المتقدمة التي تنتظر العناصر البشرية ذات الكفاءة والتي لديها الهمة العالية والرغبة الأمينة في البحث.

يقول د. أحمد شوقي إبراهيم: “لا يجب أن يفسر أي نص قرآني أو نبوي بفرض علمي أو بنظرية علمية. فهذه الفروض وتلك النظريات ظنية. والظنون تصيب تارة وتخطئ تارة أخرى، وإذا فعل أي باحث في الإعجاز العلمي هذه الفعلة فإنه يحمل القرآن الكريم ظنون العلماء البشر وأخطاءهم المحتملة. وفي هذه النقطة نتفق مع المتحفظين والمعترضين على دراسة الإعجاز العلمي للقرآن والسنة؛ لأن أي تفسير تأسس على خطأ علمي لا يمكن أن يكون تفسيراً صائباً. ويجب للتفسير أن يتأسس على حقائق علمية ثابتة، وفي احتراس، وحذر، وأدب، وتعمق في الدراسة، ومع اتباع للمنهج العلمي الصحيح، وحتى بعد هذا كله ينبغي ألا نعتبر أي فهم علمي نصل إليه لنص قرآني أو نبوي فهماً أو تفسيرا حتميا دائما، ولكن نضع في الحسبان دوماً احتمال خطأ الباحث في الفهم أو التفسير”(7).

وهو ما أكد عليه الدكتور عبد الله بن عبد العزيز المصلح الأمين العام للهيئة العالمية للإعجاز العلمي في حديثه للباحثين في مجال الإعجاز.

وأخشى ما أخشاه أن تلقى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تضمنت معاني طبية نفس المصير الذي لاقته النظرية الداروينية، التي هلل لها مدعوها، وأعلنوا عنها وأذاعوها في كل مكان، وهي لم تزل فكرة ظنية، وكلما تقادم الزمن بنا وكلما تقادم العهد بها.. ازداد الشك بها!!

5 – ضعف مراجع البحث ومصادره:

“المراجع الأصلية (المصادر) – وهي أقدم ما يحوي مادة عن موضوع ما- هي المراجع ذات القيمة في الرسائل والأبحاث. ولذلك وجب الاعتماد عليها والرجوع إليها. وكلما زاد استخدام المراجع الأصلية وكثرت الحقائق المستفادة منها عظمت قيمة البحث، وخاصة إذا كانت هذه الحقائق وتلك المعلومات لم تصل لها يد من قبل، ولم يسبق لأحد أن اقتبسها. والمراجع الأصلية قد تكون حديثة، كالإحصائيات والتجارب العلمية الموثوق بها وغير ذلك.

ومن أهم ما يجب أن يلاحظ في المراجع: تخصصها في النقطة التي يبحث فيها الباحث. كما يتوجب الحذر من الاعتماد على المراجع الثانوية التي قد تسيء فهم ما كتب في المراجع الأصلية، أو التي تلون المادة بلون خاص يبعدها عن الفكرة التي سيقت لها في الأصل، فينبغي تحقيق ما ورد بها في المرجع الأصلي”(8). وفي حال كون مصادر المعلومات ضئيلة إلى الدرجة التي لا تمكن من تزويد الباحث بشيء أكثر من مجرد تخمين، فإنه يجب إرجاء البحث في هذه المشكلة كمشكلات غير قابلة للبحث(9).

ويحدث كثيرا أن يتقدم الباحث في مجال الطب النبوي بتقارير تفتقر إلى أي وثيقة تعزز ما توصل إليه، ودون أن يذكر مرجعاً علميًّا واحداً موثقاً يبرهن على صحة ما توصل إليه، أو يعتمد على الكتب الحديثة التي لا تكتب مصادر مادتها وهي كتب قليلة الفائدة وما تقدمه يعد كلاما مرسلا لا يمكن الاطمئنان إليه أو الوثوق به، والنتيجة أبحاث غير مؤهلة لا تستطيع أن تقنع أي عقلية علمية؛ ما يجعل الأوساط العلمية تنفض عنها.. في حين يتوجب على الباحث عند كتابة بحثه الإشارة إلى مصادر معلوماته بدقة ووضوح ليتسنى للقارئ أو لأي باحث آخر الرجوع إليها والتأكد من صحتها.

وقد أوضح الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي أنه “علينا أن نمكن للتعريف بالإسلام من خلال توظيف الإنتاج العلمي المعاصر لخدمة أهدافه، إلا أن هذا ينبغي أن يحاط بالضوابط المحصنة من الوقوع في الأخطاء المنهجية التي تقلل من الثفة بالنتائج”(1).

6 – عدم الالتزام بالمنهج العلمي وضوابط البحث فيه:

تجاوز المعايير العلمية والقواعد البحثية أمر شائع في أبحاث الطب النبوي!

تخضع “الأبحاث العلمية” -كما تقدم- لقواعد وأسس متعارف عليها، لا يصح تجاوزها بحال من الأحوال، وإلا فقدت قيمتها ووزنها العلمي ولم تعد صالحة للاستدلال والتداول العلمي. بينما تكتب “المقالات العلمية” دون تقيد بنفس القواعد التي يلتزم بها الباحث عند كتابة بحثه، وتجاوز تلك المعايير والقواعد البحثية أمر شائع في أبحاث الطب النبوي، فكثيرا ما يقفز الباحث إلى استنتاج يفيد أن التجربة العلمية الحديثة قد أثبتت الأسرار الغامضة في الحديث النبوي الذي يتناوله، وغالبا ما تكون تلك الاستنتاجات مبنية على الملاحظة غير المقيدة. ودون أن يحمل هذا الاستنتاج أيًّا من قواعد الاستدلال المتفق عليها، بمعنى أن هذا لا يعني بالضرورة أنه من ذاك.. وما إذا كان من استدل بقولهم ممن يعتد بكلامهم، وهل يوافقه على ذلك العلماء والباحثون في الطب؟ أم أنها مجرد نظرية من الممكن أن تدرس بشكل دقيق ويظهر صوابها أو خطؤها؟.

إن عدم اتباع بعض مقدمي الأوراق البحثية في الطب النبوي للمنهج العلمي السليم والأسس الافتراضية السليمة للبحث، لا يعد خرقا لأصول البحث العلمي فحسب، بل إنه يمثل صداما صارخا مع مفهوم كلمة “العلم” بالمفهوم الحديث الذي تأخذ به جامعات العالم، وهذا المفهوم يرى أن “العلم هو القواعد التي بنيت على الملاحظة، والتجربة، والاستقراء”(4).

7 – غياب القدرة على الإقناع والربط بين الحقائق العلمية والإشارات النبوية:

تتطلب الأبحاث العلمية التسليم بعدد من المبادئ والمسلمات، مثل الأخذ بمبدأ السببية أي أن كل شيء يحدث لا بد له من سبب أحدثه، ومبدأ الحتمية ومعناه أنه عندما تتوفر شروط معينة فإنه تحدث حتما نفس الظاهرة، ومن المستحيل ألا تحدث ظاهرة إذا لم تتوافر شروطها، فالعلم ينكر المصادفة، ووراء كل ما نعتقد أنه مصادفة ظواهر معقدة وعدد من الاحتمالات التي تنتظر الكشف عنها، ويجهل –أو يتجاهل- كثير من الباحثين تلك المبادئ، فيقفز الباحث إلى استنتاجات مغلوطة وتفسيرات مقحمة ليخلص إلى رابط بين الحقيقة العلمية والحديث الذي يحاول دراسته.

ويرى د. محمد زيان عمر أن من الجوانب الرئيسية التي تؤخذ في الاعتبار عند تقويم أهمية البحث العلمية: التمحيص النقدي للبراهين والأدلة المفضية إلى النتائج التي توصل إليها الباحث(9)، وهو ما تفتقر إليه معظم أبحاث الطب النبوي، وإذا توجب هذا الشرط في حق الأبحاث العلمية بصفة عامة، فإنه يتوجب بشكل حتمي وبضرورة بالغة في حق الأبحاث التي تتناول نصا نبويا شريفا، فلا بد من “وجود الدلالة الظاهرة على تلك الحقيقة العلمية في ما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم”، ثم يتم “الربط بين هذه الحقيقة ودلالة النص بأسلوب ميسر وسهل”.

فغياب التفسير النقدي القائم على الاستنتاج المنطقي من الوقائع والمقدمات، والافتقار إلى برهان واقعي واضح وموضوعي، ينبئ بأن البحث يعتمد -إلى حد كبير- على الحكم الشخصي، فمجرد الكشف عن حقيقة دون مراعاة لمدى اتساقها مع الحقائق المعروفة، ومدى وضوح هذه الحقائق وكفايتها لدعم وتأييد الاستنتاج النهائي، لا يثبت بالضرورة أي برهان أو دليل على الإعجاز، بل إنه يشكك في صحة النتائج المستنبطة كحقيقة علمية فضلا عن كونها إعجازا نبويا!.

وعلى العموم يجب أن يتعدى البحث الكامل –ببون شاسع– عملية الكشف عن الحقيقة، إلى استغلال البراهين الواقعية بقدر يفوق استغلال التفسير النقدي لها(9).

ومن الأجدر أن يتجنب الباحث الربط التعسفي بين النص الذي يحاول إثباته وبين الحقائق العلمية، وحسبه أن يعلن الحقائق التي حصل عليها بالبحث والدراسة، وهو ما يعرف بالعلم المبني على الدليل، وليس عليه أن يتحذلق، ويتكلف محاولا التفسير لتلك النتائج وربطها بما يحاول إثباته عنوة، وقد حذر رسول الله العلماء وأنذرهم وبين لهم ذلك الأدب الرفيع من آداب العلم، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: “يا أيها الناس من علم شيئا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم. فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم. قال الله تعالى لنبيه: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} (ص: 86)”. متفق عليه.

وقد أشارت الدكتورة “آني أكاسو” عالمة الآثار التي حضرت مؤتمر الإعجاز العلمي السابع بالنيابة عن معهد الحفريات البشرية human paleontology في باريس، إلى هذه الملاحظة قائلة: “لا أرى العلاقة بين الدليل العلمي المقدم في الأبحاث وبين النص القرآني المشار إليه”(1).

8 – الخلط وعدم التمييز بين أنواع النشاطات البحثية:

الإشارات الواردة في أحاديث الطب ومجموع الدراسات التي تدور حولها ليست علما مستقلا بذاته.

من المعتاد في أبحاث الطب النبوي ألا تزيد عن تقديم ملخص لمعلومات سبق اكتشافها أو بحث قام به آخرون. ومن الخلط الذي يدل على عدم الفهم أن توصف أية نشاطات فكرية بأنها أبحاث، ففي هذا التعبير كثير من التجاوز، إذ إن مجرد دراسة أو تلخيص موضوع معين سبق بحثه من قبل علماء آخرين لا يضيف جديدا للمعرفة الإنسانية، ولا يعتبر إضافة إنسانية جديدة، بل وحتى في حال تحليل تلك الآراء والإضافة إليها فإن ذلك كله لا يعد إضافة علمية جديدة، أو اكتشافًا لحقيقة غائبة. وهو نشاط علمي يتطلب مستوى رفيعًا من الإمكانات العقلية، لذلك فهو أرقى درجة من مجرد كتابة مقال أو تلخيص عمل علمي معين(9).

بل إن هناك تجاوزًا كبيرًا في استخدام مصطلح “الطب النبوي”؛ فالإشارات الواردة في الهدي النبوي ومجموع الدراسات التي تدور حولها ليست علما مستقلا بذاته، ولا تزيد تلك الأبحاث الضعيفة عن تكريس الفهم الضيق والمضلل لتلك الإشارات النبوية، فمجرد تجميع الوقائع والملاحظات والقوانين والنظريات، لا يجعل من كل ذلك علمًا، ولكننا إذا فهمنا العلم على أنه التفكير العلمي المعتمد على الوقائع والظواهر الطبيعية وصياغة ذلك في صورة مبادئ وقوانين عامة، عندها فقط يمكن اعتبار تلك المجموعة من المعلومات علما.

فما ورد في الهدي النبوي بخصوص الصحة والطب لا يمثل طبا متكاملا يقوم على أساس بعينه أو فلسفة تميزه، أو رؤية خاصة لجسد الإنسان وطبيعة الأمراض، ومن قبل عنون المحدثون في تصانيفهم مجموعة الأحاديث النبوية المتعلقة بالطب بـ “كتاب الطب”. وذلك تمييزا لها، ولم يقصدوا أن الطب النبوي طب متكامل يضم كل فروعه، وأنه يقابل الطب اليوناني أو الهندي أو الفارسي، وإن كانت المفاهيم الصحية أو الطب الوقائي في الإسلام يتميز فعلا عما سبقه أو أتى بعده(5).

9 – عدم انتساب تلك الأبحاث إلى جهة علمية معتبرة:

من الملاحظ أن هذه الدراسات والبحوث لا تعلم هويتها أو الجهة العلمية التي قامت بالإشراف عليها، ما يجعلها تتسم بالذاتية والرؤية الشخصية.

10 – الافتقار إلى روح البحث العلمي:

تفتقر معظم الأبحاث المقدمة في مجال الطب النبوي إلى أهم ما يرتبط بخصائص المنهج العلمي، وهو ما يعرف بـ “الروح العلمية”، وهي جوهر المنهج العلمي وعموده الفقري، فالعلم -كما يؤكد العديد من الباحثين والدارسين- ليس هو الوقائع والملاحظات وإجراء التجارب واستخلاص النتائج منها، فكل ذلك لا يشكل العلم؛ لأن العلم -كما يرى بوانكاريه J.H.Poincare وهو أحد أعظم علماء الرياضيات في نهاية القرن التاسع عشر- “يبنى على الوقائع بنفس الطريقة التي يبنى بها المنزل من الطوب، ولكن كومة من الوقائع ليست علما، كما أن كومة من الطوب ليست منزلا”(10).

فالعلم لا يعرف فقط بالمواد التي يعمل بمقتضاها أو حتى بالقوانين التي يطورها، وإنما أهم ما فيه هو الروح العلمية.. ومن هنا فإن معنى العلم يتضمن أساسا الروح العلمية(11).

والروح العلمية أمر يرتبط بالسلوك الإنساني، وهي وليدة حب الاستطلاع والدهشة والنزاهة والصبر على الملاحظة، كما تنطوي على الشجاعة وعدم تهيب الأخطار والأمانة مع النفس والوقائع، والاتسام بالنقدية، وهو ما تفتقر إليه معظم بحوث الطب النبوي كما سيظهر في الأمثلة اللاحقة، وهذه الصفات ترتبط بالأخلاق، أي أنها صفات أخلاقية ينبغي أن يتحلى بها العالم، وعندما يتسم بها الباحثون في مجال الطب النبوي، نقول: إن هؤلاء باحثون علميون بالمعنى الحقيقي. أما إذا استمر تناول الطب النبوي بهذا الأسلوب المتخلف عن قوانين البحث العلمي، فإنه سيدمر نفسه، وإن امتاز بالتشويق والإثارة إلا أنه لن يستمر طويلا؛ لأن الروح العلمية والانضباط الأخلاقي والعلمي هي المقومات التي تجعل من العلم ظاهرة إنسانية ثابتة، وتضمن تقدمه واستمراره؛ ولذا فإن الروح العلمية ليست فقط جوهر العلم وإنما هي ضمانة تقدمه.

الأمثلة.. والتطبيقات

ولعل في توضيح الأخطاء البحثية في بحوث الطب النبوي ببعض الأمثلة، ما يجلو شيئا من الغموض ويزيح الالتباس:

المثال الأول: أحاديث الحجامة:

التداوي بالحجامة من المندوبات في الشريعة الإسلامية، وقد ورد في فضل التداوي بالحجامة أحاديث كثيرة منها:

  • عن أنس رضي الله عنه أنه سئل عن أجر الحجام فقال: احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حجمه أبو طيبة وأعطاه صاعين من طعام، وكلم مواليه فخففوا عنه. وقال صلى الله عليه وسلم: (إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقُسْط البحري) رواه البخاري.
  • وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء، وما أحب أن أكتوي) رواه البخاري مسلم.
  • وروى البخاري بسنده أن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عاد المقنع -أحد التابعين- ثم قال: لا أبرح حتى يحتجم فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن فيه شفاء.
  • وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم في رأسه من شقيقة كانت به. رواه البخاري.

هذه الأحاديث تقدم لنا حقيقة طبية مفادها: أن في الحجامة قيمة شفائية، وهو ما يتفق مع ما ذكره الأطباء والعلماء قديما وحديثا من فوائد كثيرة للحجامة. قال العلامة ابن القيم: “وأما منافع الحجامة فإنها تنقي سطح البدن أكثر من الفصد، والفصد لأعماق البدن أفضل، والحجامة تستخرج الدم من نواحي الجلد”(12).

وذكر الدكتور محمود النسيمي -صاحب كتاب الطب النبوي والعلم الحديث- استطبابات الحجامة ومنها: احتقانات الرئة، واحتقان الكبد، والتهاب الكلية الحاد، والآلام العصبية… إلخ(5).

ويقول الدكتور عبد الرزاق الكيلاني: “وتفيد الحجامة الجافة في تسكين الآلام جميعها إذا طبقت في مكان الألم، أو قريباً منه، وقد سقط النبي صلى الله عليه وسلم على وركه فأصيب بوثي فيه –أي وجع فيه- فعالجه بالحجامة، كما تفيد في الصداع والآلام القطنية والآلام المفصلية، وألم ذات الجنب، وتفيد في التهاب القصبات وذات الرئة واحتقانات الكبد والتهاب التأمور، وقصور القلب الخفيف، كما تقوم مقام الاستدماء الذاتي لمكافحة أمراض الحساسية كالأكزيما والشري وغيرها. وإذا أجريت في الرأس أفادت كثيراً من أمراض العين. أما الحجامة المدماة فإنها عدا الأمراض التي تفيد فيها الحجامة الجافة تفيد في ارتفاع الضغط الشرياني خاصة؛ لأنها تكون كالفصادة وكذلك في قصور القلب الشديد ووذمة الرئة الحادة، واحتقانات الكبد الشديدة، وقصور الكلى الحاد والتسممات”(13).

وفي هذا العصر قدم بعض ممن يدرسون الطب النبوي أطروحات جديدة زعموا أنها تؤيد دلالة الحديث، ومن ذلك ما كتبه عبد القادر يحيى الشهير بالديراني في كتابه (الدواء العجيب) وهو كتاب يصف الحجامة بأنها معجزة القرن العشرين، والدواء الذي شفى من مرض القلب القاتل والشلل والناعور والشقيقة والعقم والسرطان، ويتصور فيه صاحبه وأعضاء الفريق الطبي العامل معه أنهم يقدمون الحجامة كعلم طبي بمنظور جديد، وهو كتاب يظهر بجلاء وهن الخلفية العلمية التي يقوم عليها، ويجسد جميع صور الخلل أو”الخطل” العلمي التي ذكرت، نذكر من تلك الصور على سبيل الذكر وليس الحصر ما ذكره المؤلف بشأن السن المناسبة لحجامة النساء:

يقول المؤلف: (لا تحتجم المرأة حتى تتخطى سن اليأس، ذلك أن يد القدرة الإلهية قد جعلت لها مصرفا طبيعيا تستطيع من خلاله أن تتخلص من الدم العاطل، فبالحيض تبقى دورتها الدموية في قمة نشاطها وكرياتها الحمراء في أوج حيويتها.. بالإضافة إلى ذلك فإن الكبد والطحال يلتهمان جزءا لا بأس به من الدم العاطل “الكريات الحمر الهرمة” ليقوما بتفكيكها والاستفادة من المكونات عند الحاجة. وبخروج دم المحيض من المرأة، ولئلا يحدث خلل في وظائف الدورة الدموية، يحرض الجسم نقي العظام لرفد الدم بخلايا دموية جديدة فتية، ويساهم الطحال في إطلاق كمية الدم التي يخزنها إزاء هبوط الضغط الدموي.. لذلك نجد أن متطلبات النساء من الحديد قبل دخولهن مرحلة انقطاع المحيض تبلغ ضعفي ما يتطلبه الرجال والنساء اللواتي دخلن هذه المرحلة من العمر.. وبالتالي فإجراء عملية الحجامة لذوات المحيض فيه بالغ الضرر، ولذا نهانا رسول الله “صلى الله عليه وسلم” عن ذلك) (14).

يكشف لنا هذا النص بعضا من صور الخطأ في الدراسة العلمية:

1 – يشدد المؤلف على خطورة احتجام النساء قبل المحيض، ويحشد الدلائل العلمية في هذا الاتجاه، بل ويعززها بتوصية من النبي صلى الله عليه وسلم، دون أن يسمي لنا مرجعاً علميًّا واحداً موثقاً يذكر فيه هذه الحقيقة العلمية الخطيرة.

2 – لا يذكر الباحث موقف أهل الاختصاص من نظريته، وهل يوافقه على ذلك العلماء والباحثون في علم الأمراض النسوية والتوليد وعلماء الفسيولوجي “علم وظائف الأعضاء” وعلم أمراض الدم وغيرها من التخصصات التي يمكن أن تبحث هذه القضية؟ أم أن ما قدمه مجرد نظرية من الممكن أن تدرس بتجرد وبتأنٍّ ومن ثم يظهر صوابها أو خطؤها؟.

3 – يدعي المؤلف أن المرأة التي لم ينقطع عنها المحيض تتمتع بحماية إلهية، إذ يتخلص جسمها من الدم الفاسد بشكل دوري كل شهر، وهو ما يدعو إلى التساؤل عن الحالة الفسيولوجية البائسة لجسم الرجل الذي لم تتوفر له نعمة التخلص الدوري من الدم الفاسد؟ وكيف يحيا من لم يمارس الحجامة في حياته وهو محمل بذلك الدم الفاسد؟ تلك الأسئلة البسيطة تكشف عن سذاجة النظرية وعدم ارتكازها على أي أساس علمي.

4 – يقوم ذلك الادعاء على خطأ معلوماتي كبير، إذ كان الاعتقاد السائد من قبل أن دم الحيض يخرج بسموم الجسم، وهو ما ظنه البعض تفسيرا لقوله تعالى: “ويسألونك عن المحيض قل هو أذى” (البقرة-222)، حتى إن أحد العلماء الفرنسيين وكان يدعى جواتييه أكد سنة 1900 أن سموم الزرنيخ هي من أهم السموم التي تخرج في دم الحيض. وأخيرا جدا توصل العلماء إلى السر العلمي في أذى الحيض، فقد أكدت دراسة علمية للدكتور محمد عبد اللطيف 1979م، أن العلماء اكتشفوا وجود دورات حياة لجراثيم (ميكروبات) ضارة، وأخرى مفيدة في قناة المهبل، وهذه الدورات تتغير خلال الدورة الشهرية، بتغير الدورات الشهرية لهرموني الإستروجين والبروجستيرونOestrogen and Progesteron وهي هرمونات المبيض. وأثناء فترة الحيض تزداد القلوية في قناة المهبل، وبالتالي تجد الجراثيم الضارة فرصتها للتكاثر والنمو أثناء فترة الحيض، ومن هنا كان الحيض “أذى” وليس لكونه دما مسمما! (15) (16).

يبلغ البحث حد العبث عندما يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بتجنب الحجامة قبل سن المحيض للنساء، وهو ما لم يرد فيه أي نص أو حتى شبهة تتعلق بهذا الشأن. بل في صحيح مسلم عن جابر أن أم سلمة استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في الحجامة، فأمر النبي أبا طيبة أن يحجمها، قال: حسبت أنه قال: كان أخاها من الرضاعة أو غلاما لم يحتلم. (مسلم، ابن ماجة، الإرواء 1798). ومن المعلوم أن السيدة أم سلمة تزوجت بالنبي صلى الله عليه وسلم في السنة الثانية من الهجرة المباركة (21، 22، 23)، وكانت وفاتها رضي الله عنها عام 62 من الهجرة عن عمر ناهز الثمانين (24، 25، 26)، وهذه المعلومات تفيد بأنها كانت في أوائل العشرينيات عند زواجها بالنبي، وبالتالي فإنه صلى الله عليه وسلم توفي عنها سنة 10 هـ وهي في أوائل الثلاثينيات؛ ما يعني أنه سمح لها بالاحتجام وهي دون سن اليأس بخلاف ما يذكره الكاتب.

وفي المؤتمر السابع للإعجاز العلمي في القرآن والسنة تقدم الدكتور هاني علي الغزاوي بورقة بحث تبين دور الحجامة في علاج مرض الروماتويد يقول فيها: “في عينة مكونة من 15 مريضا كان عدد السيدات 11 سيدة وعدد الرجال 4 كانت النتيجة كما يلي:

1 – شفاء سريع (حالتان تمثل 13.3%): الأعراض اختفت \ الوظائف طبيعية\ سرعة الترسيب شبه عادية \ اختبار الروماتويد سلبي والمريض ليس بحاجة لعلاج \ الشفاء بعد جلسة واحدة.

2 – شفاء (4 حالات تمثل 26.7 %): الأعراض اختفت \ الوظائف عادية \ سرعة الترسيب تحسنت والمريض ليس بحاجة إلى علاج \ النتيجة كانت بعد عدد من الجلسات تبعا للبروتوكول العلاجي الدولي.

3 – تحسن جيد (5 حالات تمثل 33.3%): الوظائف عادية \ بعض الألم \ يحتاج لبعض المسكنات لبعض الوقت.

4 – تحسن (3 حالات تمثل 20%): الوظائف عادية \ يحتاج لمسكن ومضادات الالتهاب يوميا، ولكن تم تخفيض العلاج بشكل كبير.

5 – فشل أسلوب العلاج (حالة واحدة تمثل 6.7%) ” (17).

ونظرا لإلحاح الباحث على إثبات ما يوقن أنه حقيقة بالفعل، فقد خرج البحث بصورة تبتعد تماما عن الصورة المألوفة لهيئة البحث العلمي المتقن، وتنم عن تعطيل كامل لقواعد البحث التجريبي، وهو ما عرض الباحث لانتقادات عنيفة ومحرجة، نشير إلى غيض من فيض تلك الأخطاء العلمية فيما يلي:

1 – عدد المرضى الخاضعين للدراسة يعد قليلا جدا ولا يعتد به، وبالتالي لا يمكن الاطمئنان لنتائج تلك الدراسة.

2 – لم يذكر الباحث شيئا عن المقاييس العلمية والمواصفات التي ارتكز عليها لتشخيص الحالات الخاضعة للدراسة حتى يتم التسليم بكونها مصابة بالروماتويد، وأهل الاختصاص في علم الأمراض الروماتيزمية يعلمون جيدا دقة المقاييس والمعايير الدولية التي تمكن من تشخيص حالة الروماتويد، وبالتالي فلا يمكن الجزم بصحة تشخيص المرضى الذين خضعوا للدراسة ابتداء، وهو ما يفض الحديث عن البحث برمته بعد أول نظرة متمعنة لطريقة اختيار حالات الدراسة.

3 – نظرا لكون الباحث غير متخصص في العلم الذي يقدم دراسة حوله، جعله يبدو كالتائه المتخبط. وقد كان من الأجدر الاستعانة بأحد المختصين في علم الروماتيزم وآلام المفاصل، تجنبا للوقوع في خطأ التسرع والسطحية.

4 – تفتقر الدراسة إلى التقسيم الدقيق والصحيح للحقائق، فقد قام الباحث بتقسيم النتائج إلى فئات (شفاء سريع \ شفاء \ تحسن جيد \ تحسن \ فشل أسلوب العلاج)، وقام بتحديد مواصفات كل فئة، دون أن يذكر أي مرجع يدعم ذلك التصنيف، وهي طريقة تذكر بأسلوب كتب الطب في القرن التاسع الهجري، على سبيل المثال، ليس هناك ما يدل على أن -اختفاء الأعراض وكون الوظائف طبيعية وسرعة الترسيب شبه عادية وأن اختبار الروماتويد سلبي والمريض ليس بحاجة لعلاج وكون الشفاء بعد جلسة واحدة– يمثل شفاء سريعا!

5 – من المعلوم أن مرض الروماتويد ينتج عن خلل مناعي ويصعب التعامل معه والسيطرة عليه، ويعد تقييم درجة التحسن وضبط جرعات العلاج فنا اختصاصيا يستلزم تقنية ومهارة وخبرة لا تتوفر لغير المختصين، في حين يستعرض الباحث –بطريقة بهلوانية- نتائجه متجاهلا أبجديات التشخيص والتقييم التي يقوم عليها هذا العلم والمتعارف عليها دوليا، وهو ما يشعر القراء من أهل الاختصاص بسذاجة وسطحية البحث.

6 – لم يعمد الباحث إلى أساليب القياس الدقيق والمعالجة الإحصائية للبيانات والمعلومات، أو أية طريقة من طرق الإحصاء المتعارف عليها دوليا لتقييم النتائج، واكتفى بتحديد النسب المئوية للتعبير عن معدل الاستجابة للعلاج؛ ما يعد خروجا معيبا على أصول البحث العلمي الدقيق والمنضبط.

المثال الثاني: حديث الشفاء بالعسل:

اشتعل الجدل في جلسة المؤتمر العالمي السابع للإعجاز العلمي في القرآن والسنة في مدينة دبي (مارس 2004) الخاصة بالأبحاث التطبيقية في العلوم الطبية، فقد قام أحد الباحثين وهو د. سعيد أبو عشي بتقديم ورقة عن الاستشفاء بالعسل تناولت تقريرًا عن حالة ورم سرطاني في الكبد يئس الأطباء من علاجها، وتراجع الورم تراجعًا كاملاً بعد أن عالج المريض نفسه بالعسل وحبة البركة والثوم، وتم إثبات هذا التراجع بفحص الكبد بالموجات فوق الصوتية والأشعة المقطعية.

وعلق د. أحمد عبد الله أستاذ طب الأطفال على هذه الورقة أثناء الجلسة قائلاً: “إن مثل هذا البحث والذي يمثل تقرير حالة لا يجب أن يقدم في مثل هذا المؤتمر العالمي؛ لأن قيامه على دليل علمي ضعيف وحجته واهية”، كما أشار إلى وجود بعض الأخطاء العلمية في تقرير الحالة، بالإضافة إلى أن هناك بعض الجوانب التي لم تستكمل في فحوصات الحالة.

وأكد آخرون في تعليقاتهم على نفس البحث أنه لا بد من التفريق بين التقدير الإلهي والإعجاز؛ فما عرضه الباحث يمثل تقديرا إلهيًّا لا إعجازًا علميًّا مبنيًّا على دليل صحيح، ومثل هذه الحالات تكون نادرة جدًّا، ولا يمكن اتخاذها كحجة علمية قوية(1).

المثال الثالث: في الوضوء:

يرى بعض المهتمين بالإعجاز العلمي في الهدي النبوي أن في إسباغ الوضوء دلالة علمية وفوائد طبية بالغة، وتربط د. ماجدة عامر في كتابها “الجوارح وأسرار الوضوء” بين التخليل للأصابع -وهو سنة من سنن الوضوء- وبين علم التدليك الضاغط الصيني Acupressure، وهو التدليك الضاغط فوق مناطق أو نقاط معينة في الجسد تسمى نقاط العلاج. تقول الدكتورة: “إن هذه الوسيلة –التدليك– تعيد توازن وسير الطاقة الحيوية في مساراتها، وبالتالي تزيل أي خلل أو ركود في الطاقة. ومن الأسباب التي تفسر زوال الآلام بهذه الوسيلة هو زيادة إفراز مادة الأندورفين أو المورفينات الطبيعية عن طريق الخلايا العصبية، وقد وجد الصينيون أن ما بين أصابع اليدين نقاطًا تسمى Extrapoints 28. وهذه النقاط تعالج الصداع وتعتبر مسكنا طبيعيا لالتهاب الأعصاب الطرفية. وبالتالي يتبين لنا أن عملية التخليل تعد عاملا من عوامل منع الإصابة بالصداع، ومسكنًا لآلام الأصابع، وتدليك اليدين يشابه تأثير المساج الصيني أيضا في بعض النقاط فمنها المسكنة ومنها المنشطة”.

وتمضي المؤلفة على هذا النهج من التنظير والتقريب بين أفعال الوضوء ونظريات الطب الصيني بدءا من المضمضة والاستنشاق والاستنثار وغسل الوجه، وانتهاء بغسل القدمين. مع التركيز على الأثر الصحي الهائل لتلك التدليكات المنتظمة، في الوقت الذي يعاني فيه المسلمون –كغيرهم– من شتى صنوف الآلام الروماتيزمية والصداع وغيرها رغم ممارستهم المنتظمة لفريضة الوضوء!!

وهذا الربط بين الوضوء والنظريات العلاجية الصينية ليس فقط يفتقر إلى ما يبرهن عليه أو يثبته، فهذه النظريات لم تزل موضع شك في الأوساط العلمية، بل أيضا فيه الكثير من الإقحام ومحاولة قسر النظريات وتطويعها؛ ما يقلل من الثقة والمصداقية؛ لذا من المهم جدا التقيد بالحقائق العلمية المؤكدة التي لا تقبل النقض ولا التغيير، وضرورة تلافي الشذوذ والشطط العلمي، فلا يخفى على أهل الاختصاص أن الطب الصيني يقوم على نظرية التوازن بين والين واليانج وهو تصور يقوم على عقيدة الطاو التي ملخصها: أن كل شيء في الكون مرده إلى الطاقة الكونية التي يزعمون وجودها، وهي فكرة فلسفية بديلة لعقيدة الألوهية؛ فهذه الفكرة تعتمد على تصور خاص للكون والحياة وعلاقة الإنسان بالكون، ومرد ذلك إلى ما يدعى عندهم بالطاو، وهذا اعتقاد كفري. فلا يجوز التورط في مثل هذه التفسيرات العقائدية التي تخص أهلها دون سواهم، ولم يقم عليها برهان علمي واحد محترم حتى الآن.

إنه لتقليد ببغاوات أن ننقل نظريات الطب الصيني من بيئتها الجزئية، ومن ظروفها الخاصة، إلى مجال الطب الحديث، ومن ثم تطبيقها على الأمراض التي يشخصها الطب الحديث، وإنه لمن التهريج الواضح أن ننقل أفكارًا تعد من أساطير الأولين ثم ندعي أن لها توافقًا معجزًا مع قول للنبي صلى الله عليه وسلم.

وكما يقول الدكتور عبد الحليم محمود: “المنهج العلمي هو منهج الاستقراء أي تتبع الجزئيات عن طريق التجربة فيما يمكن أن يخضع للتجربة، وعن طريق الملاحظة فيما لا يتأتى أن يخضع للتجربة، للوصول للحكم عليها –في صورة من صورها– حكما كليا، وليس للعلم مطلقا أن يخرج عن دائرة المادة المحسة، ومجال الاستقراء إنما هو الطبيعة؛ لأنه ملاحظة جزئيات في عالم الطبيعة، وأداته الحس، فهو ملاحظة المحسوسات. وإذا ما خرج البحث عن دائرة المادة فقد خرج عن دائرة العلم. وإذا ما قال قائل: “إن العلم يثبت كذا من الأمور الروحية”.. فإنه يكفينا منه هذه الكلمة لنسحب ثقتنا به كعالم.. وإذا ما قال: “إن العلم ينكر كذا من الأمور الروحية” فإن هذه الكلمة تكفي أيضا لنسحب ثقتنا به كعالم، إذ إن العلم –في المجال الروحي- لا يثبت ولا ينفي. وما دامت قد حددت دائرة العلم بأنه ما بني على الملاحظة والتجربة –أي: ما كان مجاله المادة- فإنه إذا تعرض عالم لما ليس من اختصاصه على أنه علم؛ فإنه يكون بذلك قد خرج على أوضاع العلماء في مفهوم العلم، وخرج على مبادئهم المقررة في دائرة العلم: وهي المادة”(4).

توثيق ظواهر الاستشفاء بالهدي النبوي

إن عملية بحث ودراسة وتوثيق ظواهر الاستشفاء بالهدي النبوي ليست بالبساطة والسهولة التي قد تبدو للوهلة الأولى؛ فهناك شروط لا يمكن التهاون فيها إطلاقا، كما أن مهمة كتلك لا يمكن أن تكون عملية فردية يقوم بها شخص معين بالذات أو أفراد يعملون بشكل فردي هنا أو هناك، فهي مسئولية الطبيب المختص الذي يتوجب عليه أن يدرس حالات الاستشفاء بالهدي النبوي بشكل تفصيلي ويسجل الوصف الطبي لكل حالة بشكل دقيق. وهناك بالطبع مسئولية عالم الدين وعلماء الحديث في تقييم تلك الأحاديث وتمحيصها وفحص درجة صحتها وإمكانية الاستشهاد بها ومدى استحقاقها وأهليتها للدراسة. وبشكل عام فإن علماء من مختلف الاختصاصات تقع عليهم مهمات مختلفة في هذا المجال.

وهذه المهمة الدقيقة تستوجب شروطا يجب تنفيذها بشكل سليم من قبل جهة رسمية مسئولة ومفرغة لهذه المهمة. وهناك شروط أخرى ينبغي توفرها في القائمين على أمر هذه المؤسسة أهمها ما يلي:

1 – أن تتضمن المؤسسة المقترحة نخبة من العلماء في مجالات متعددة واختصاصيين في فروع الطب المختلفة، حيث تقع على عاتقهم مسئولية تقويم الحالات المرضية الخاضعة للدراسة قبل وبعد العلاج بأحد وسائل الهدي النبوي، وتحديد ما إن كانت تصلح للتصنيف على أنها حالات شفاء حقيقي بالمعنى العلمي، ليتم بالتالي توثيقها بشكل تفصيلي.

2 – أن يكونوا من أصحاب الدراية بالمناهج العلمية المتبعة والمقترحة عالميا، إذا كان الهدف توصيفا وتصنيفا علميا دقيقا لا يقل دقة عن السجلات الطبية المعروفة.

3 – إن التجرد المطلق والانضباط البحثي وتحري الدقة المعلوماتية واستخدام التقنيات العصرية كأدوات للبحث وعدم التسرع، كلها أمور أكثر من ضرورية للتصدي لمسألة الإعجاز العلمي في الحديث النبوي.

4 – يتحتم على من يتصدى لأبحاث ما يعرف بالطب النبوي أن يتدرب ويتمرس على إنكار الذات، وأن يروض نفسه على الزهد في الثراء أو حتى الشهرة والمجد، وأن يذكر نفسه بحقيقة أن العلماء عاشوا فقراء ولم يكتسب العلماء مما اكتشفوه من حقائق علمية مالا ولا ثراء، وإنما جمع الأرباح الطائلة الذين قاموا بتنفيذ التطبيقات الصناعية للعلم، فالذين حولوا الأفكار العلمية إلى مصانع ومزارع هم الذين تربحوا من وراء العلوم والمعارف التي توصل إليها العلماء، وفي أحيان كثيرة لم تتم التطبيقات الصناعية للمكتشفات العلمية إلا بعد وفاة العلماء الذين اكتشفوها فكما قيل: “ألمع الأسماء في نظرنا اليوم، لم يكن لها مثل هذا الصيت بين معاصريها على الإطلاق”(6).

5 – ما من شك أنه بمقدار تعمق الباحث في الجانب العلمي على أساس من الإيمان، وفي صدق وإخلاص، تكون خشية الله الانفعال النفسي الأعظم الذي يحرك الباحث، ولا سيما عندما يضع نصب عينيه قول الرسول الأعظم: “من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار”، وبمقدار الالتزام بالحد الأقصى من الأخلاق العلمية واستشعار أمانة الحرف المكتوب والمنطوق، يتحصل الهدف المرجو من أبحاث الإعجاز في الهدي النبوي.

إن من الأمور التي سيكشفها إنشاء مركز لأبحاث “كتّاب الطب” من الهدي النبوي المقترحة هذه: أن حالات التشافي بالهدي النبوي هي أكثر عددا وأعمق قدرا -من الناحية العلمية- مما يعتقد معظم المهتمين بهذا الشأن. كما أن الدراسات الدقيقة التي يمكن أن تقدمها هذه المؤسسات التوثيقية ستسلط الضوء بشكل مركز على تفاصيل هذه الظواهر العلمية، ويظهر إلى حيز الوجود نور النبوءات المحمدية، وسيمكن من عرض تلك الحقائق العلمية كدلائل وعلامات لصدق النبوة أمام أكبر العقول العلمية السليمة والمنصفة، بثقة مطلقة تحمل معها أدلة لا يمكن ردها على استمرار وفاعلية تلك البركات النبوية في عصر العلم الحديث، وتبرهن على كون تلك الإشارات النبوية لم تختف ولم تنقطع يوما.

إن الأبحاث المتسرعة وغير المنضبطة التي تتناول صور الاستشفاء “الإعجازي” بالهدي النبوي، والتي درجت على الاعتماد على الإبهار والتشويق ودغدغة العواطف الدينية فحسب، تمثل هدية مجانية لأعداء الإسلام، إذ تقدم ضربة قاصمة للإسلام الذي نشأ حليفا للعلم، وجعل من دعاء المسلم “الاستزادة في العلم”، يقول البيان الإلهي: (وقل رب زدني علما) (طه:114).

بل إن هذه الأبحاث أو “التلفيقات” تبرهن بشكل غير مباشر على أن الدين ضد العلم. ويصدق هنا قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لأحد الصحابة: “هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا. قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين” (رواه الدارمي).

ولا يليق بنا أن نراقب في صمت تلطيخ سمعة الهدي النبوي وفتح الباب على مصراعيه للمعارضين والجاحدين لها الذين يتخذون من الشذوذ قاعدة ينطلقون منها للطعن في الدين مستندين إلى أفعال شائنة لحفنة من الجهال المنتسبين لهذا الدين العظيم. فأنى لمثل تلك الأبحاث الركيكة أن تعمق يقين المسلم فضلا عن غير المسلم بصدق وقوة الأحاديث النبوية في مجال الصحة والطب؟!

والأجدر بنا أن نقبل على تلك الثروة من الأحاديث التي تضمنت مضامين طبية بالدراسة المتأنية والمعمقة لاستنباط ما ينفع الناس بحق، متجاوزين الزخم العاطفي والانفعال الوجداني إلى حيز العقل والحكمة، عن طريق الاهتمام العلمي بالإشارات الطبية الواردة في الهدي النبوي ومعرفة أسرارها، فالبحث العلمي الموضوعي والمتزن بمثابة الجسر الذي يربط بين العلم وأحاديث الهدي النبوي في الطب، وهذا الجسر لا يستقيم ولا يسمح بالمرور السهل عليه إلا إذا اعتمد على قاعدة صلبة من التفكير العلمي والعقلاني السليمين. وما على الذين يرفضون تبني موقف علمي متزن من الهدي النبوي في الطب، ويصرون في الوقت ذاته على دمغ مخالفيهم في الرأي بجحد السنة، إلا أن يعملوا على إثبات هذه السنة بالجهد الدءوب والبحث العلمي، والدراسات التي تكشف لنا الحقائق، بدلاً من التراشق باتهامات العلمانية والزندقة وجحد السنة!!

إنني أدعو إلى اجتهادات فكرية تتطلب عقولاً متقدة وعملا جديا، ونحن بحاجة حقيقية لتلك الاجتهادات التي تهدف إلى:

أولا: تفعيل دور البحث العلمي المتجرد لتلك الأحاديث التي تحمل مضامين طبية، وإبراز حتمية اتباع خطوات المنهج العلمي في التعامل مع النصوص النبوية المتعلقة بالطب. فالاهتمام العلمي بالأحاديث النبوية التي تحمل إشارات طبية هو واجب علمي على عاتق كل عالم مسلم.

ثمة حاجة لاستخلاص السنة النبوية وتطهيرها من الآثام التي ارتكبتها الجماهير المتحمسة باسمها!

ثانيا: استخلاص السنة النبوية وتطهيرها من الآثام التي ارتكبتها الجماهير المتحمسة باسمها. وحمايتها مما قد يلحق بها كنتيجة طبيعية لاتباع الهوى بغير علم، فالمنهج العلمي الدقيق هو السبيل الحقيقي للانتصار للهدي النبوي، وليس التسرع ومغالطة الواقع، فإما أن يثبت في الحديث دلالة علمية، وإما أن يخالف الحقائق العلمية، وإما ألا يتبين لنا شيء فنتوقف حتى يتبين شيء من خلال دراسات علمية هادفة ومتجردة. دون أن نعطي فرصة للمعارضين لرمينا بالسفه العلمي والتدني المعرفي، وبذا ننجو نحن ونحفظ السنة النبوية من تهمة الجهل وعدم الموضوعية، وهذا هو السبيل لأصحاب النيات الصادقة التي تبحث وتنقب في كل أثر من أثر حبيبها المصطفى صلى الله عليه وسلم.

ثالثا: إعادة الاعتبار للتراث العربي والإسلامي في الطب، وإحياء وتجديد كتب التراث الإسلامي، وعلى رأسها كتب ما يعرف بـ”الطب النبوي” برؤية عصرية، ومن هنا نمكّن للتعريف بمجد الإسلام من خلال توظيف الإنتاج العلمي المعاصر.

رابعا: الدعوة لإنشاء مراكز لبحث الأحاديث النبوية المرتبطة بالطب وتوثيق ظواهر الاستشفاء بالهدي النبوي.

طالع أوراق الملف:

اقرأ أيضا:

المراجع:

1 – نهال لاشين: تقرير المؤتمر السابع للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بدبي 25-3-2004: إسلام أون لاين.نت.

2 – د. مبروكة عمر محيريق: المعلومات والبحث والتأهيل والتكوين، القاهرة: عصمي للنشر والتوزيع -1996م.

3 – عبد الرحمن بدوي: مناهج البحث العلمي، الكويت: وكالة المطبوعات 1977 ص18-19.

4 – د.عبد الحليم محمود: موقف الإسلام من الفن والعلم والفلسفة. ص: 65 – 177 \ دار الرشاد 2003.

5 – د. محمود النسيمي: الطب النبوي والعلم الحديث- ج 3/94-96. – مؤسسة الرسالة 1996.

6 – بول موى: المنطق وفلسفة العلوم، ترجمة الدكتور فؤاد حسن زكريا، ومراجعة الدكتور محمود قاسم، القاهرة: 1961،. ص: 204.

7 – د. أحمد شوقي إبراهيم: المنهج العلمي في دراسة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: إسلام أون لاين.نت.

8 – د. أحمد شلبي: كيف تكتب بحثا أو رسالة؟. مكتبة النهضة المصرية. الطبعة الرابعة والعشرون 1997.

9 – د.محمد زيان عمر: البحث العلمي مناهجه وتقنياته. دار الشروق 1983.

10 – DENIS GROGAN. Science and Technology: An Introduction to the Literature. 4th، ed London Clive Bingley، 1982.p:13.

11 – JESSE H. SHERA. Libraries and the Organization of Knowledge. Archon Books، the Shoe string Press، Inc. 1965.p:162.

12 – العلامة ابن القيم: الطب النبوي. ص 169.

13 – د. عبد الرزاق الكيلاني: الحقائق الطبية في الإسلام ص 284-285

14 – عبد القادر يحيى الديراني: الدواء العجيب. نور البشير للطباعة والنشر 1999.

15 – أ. د. أحمد شوقي إبراهيم: موسوعة الإعجاز العلمي في الحديث النبوي.ج1- نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع- الطبعة الثانية 2004 –ص: 109-110.

16 – مجلة الإعجاز العلمي: العدد الأول ص59-61.

17 – هاني علي الغزاوي: الحجامة. مؤتمر الإعجاز العلمي السابع – دبي 2004.

18 – العلامة ابن القيم: الطب النبوي. ص169.

19 – ماجدة عامر: الجوارح وأسرار الوضوء. مؤسسة الفلاح 2001.

20 – أبو عمر: نهاية الأرب ج 8 ص: 179.

21 – السمط الثمين ص 139.

22- تهذيب التهذيب ج 12 ص 455.

23 – أبو نعيم: الإصابة في تمييز أسماء الصحبة ج 8 ص 248.

24 – ابن القيم: جلاء الأفهام ص: 195.

25 – أبو محمد عبد المؤمن: نهاية الإرب ج 18 ص: 180.

** طبيبة مصرية تحضر رسالة ماجستير حول أثر الحجامة على الجهاز المناعي، وعضو هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، بمكة المكرمة.