معتز الخطيب** 13/04/2004 
مشاريع -بل هجمات- التغيير الأمريكية الاستباقية أحالت حياتنا إلى جملة من الصراعات التي اتخذت عناوين متعددة، وفي ساحات مختلفة، من الديني إلى السياسي والتعليمي وغيرهما. ويقف المرء حائرًا أمام جملة من التساؤلات لفهم ما يجري وأسبابه، وكيفية تشكله، ومصائره، وتفاعلات الناس معه، والمعارك المتفرعة عنه داخليًّا وخارجيًّا؛ بين الحكومات تارة، وبينها وبين الشعوب أخرى، وبين الفرقاء في الدولة الواحدة تارة ثالثة. وهكذا تتوالى الانقسامات، وتدور المعارك، فنكاد نضجّ بدويِّها ونحن نرنو باحثين عن القضايا والأفكار التي شكلت محور الصراع، متسائلين: هل حقًّا دار الصراع حول الفكرة أو الأفكار أم كان الصراع أصلاً والفكرة فرعه التي اتُّخذت له عنوانًا؟ وهل هذا الصراع يتغيّا أهدافه المعلنة؟ أم أنه يتستر على مكنونات ثاوية في خطابه لا تبدو في منطوقه؟ وهل هو صراع على التغيير والإصلاح أم تنافس على “السلطة”، فكرية كانت أم سياسية أو غير ذلك؟.

التباسات كثيرة تحيط بهذا الذي يحدث، وإشكالات متعددة تتكثف في صيغة “إشكاليّات” يحتاج تفكيكها وفهمها إلى جهد مضن. وقضية تغيير المناهج الدينية في البلدان الإسلامية شكلت -وما تزال- أحد أبرز ساحات هذا الجدل الصراعي المكثف الذي نحاول في هذا الملف درسه من زوايا مختلفة. غير أن مقالنا الافتتاحي هذا يهدف إلى تثوير الأسئلة والإشكالات التي تحيط بقضية تغيير المناهج، وتشخيص بعض أسباب تعقيداتها، ومحاولة تبيان بعض تفاعلاتها.

جذور الخلط والالتباس

إنه ما من شك في أن “المناهج الدينية” تكتسب أهميتها من صميم الهوية الدينية للمجتمعات الإسلامية، وتستقي بعض القداسة من انتمائها للدين، لدرجة الخلط بين العلوم الدينية (والمناهج الدينية جزء منها) وبين الدين نفسه إلى حد المطابقة أو المرادفة، وهو التصور السائد لدى كثيرين، وهو أحد أصول فلسفة “التقليد” التي تحظر الاجتهاد والتجديد في أصول العلوم الدينية نفسها باعتبارها ناجزة ومكتملة أولاً، ولكونها تمثل الدين نفسه ثانيًا؛ فالمساس بها مساس به. وبالتأكيد تحرير هذه العلاقة التقديسية المغلوطة بين “الدين” ممثَّلاً في نصوص الوحي، وبين العلوم التي هي نتاج عقول بشرية مفكرة لا يعني إسباغ مشروعية على تلك المحاولات “الهدامة” التي خرجت على أصول اللغة والمنهج العلمي لأهداف غير نزيهة.

كما أن تحول قضية المناهج إلى طابع رمزي يستمد رمزيته من صميم “أزمة” الكرامة الإسلامية والعربية يشكل جذرًا آخر من جذور الالتباس، حيث يتسع الرمز ليملأ ساحة الصراع، حتى يتحول فعل مقاومة “التغيير”، والثبات على الموجود إلى عمل بطولي مقدس، يدغدغ المخيال الشعبي، وهو ما نلحظ تجلياته لدى عدد من الخطابات الرسمية، سياسية كانت أم دينية كالأزهر مثلاً. وفي ساحة صراع الرموز تتقلص مساحة التعقل، ويعطل الرمز إدراك الأبعاد المعرفية، حتى يصبح التغيير -في ذاته- جريمة دينية ووطنية، ولو كان هناك مشاكل حقيقية!.

وهذا يبرز جليًّا في خطابين بارزين: الأول خطاب الأزهر حين يقول: “كافة المواد الشرعية التي يتم تدريسها لطلاب المعاهد الأزهرية لها خصوصيتها وهويتها وطبيعتها المعروفة، ويتم تدريسها من خلال كتب التراث التي تعتبر من الركائز والثوابت التي يسعى الأزهر جاهداً للحفاظ عليها كأساس لسياسته التعليمية”[1]، وفي خطاب بيان “تحذير من تغيير المنهاج” في الفقرة الثامنة: “إن إحداث هذا التغيير يمثل اعترافًا منا للعدو المتربص بأن مناهجنا تنتج الإرهاب…”.

ولعل الأكثر مدعاة للالتباس والصراع الآن هو مشكلة التوقيت الذي يتم فيه الحديث عن تغيير المناهج والذي يتفرع عنه عدد من المشكلات هي: جدل الداخل والخارج ومفاعيله، وجدل الديني والسياسي وإشكالاته، ورمزية الصراع ضمن الإطار الثقافي الذي يتم فيه تلقي القضية المصطرع عليها، ومعضلة الإرهاب وعلاقته بالتعليم الديني.

جدل الداخل والخارج

جدل الداخل والخارج يشكل معضلة كبيرة تستعصي على التفهم، برزت مجددًا منذ بدايات الحرب على العراق واستمرت، فهي محاطة بكثير من الالتباسات والشبهات والمخاطر، فهي لصيقة بمفاهيم: الديانة، والوطنية، والخيانة، والتآمر، و…، وفي ظل هذا يصبح مقياس “الوطنية” بمقدار رفض ذلك الخارج بالمطلق دون تدقيق أو تفصيل، في مقابل رمي المستقوين بالخارج لغيرهم بشتى التهم، ربما أخفها: عملاء الأنظمة والمنافحون عن الاستبداد..!.

وهكذا تبدأ تتولد ساحات صراع داخلية، بعضها تتم إدارته من قبل الأنظمة القائمة صاحبة المصلحة، وآخر يشتعل حين يجد مساره المناسب وعنوانه اللائق، فتأتي الفكرة لاحقة على الصراع الذي هو الأصل، ويصبح العنوان مناسبة لتصفية الحسابات، كما حدث في قضيتنا -المناهج- بين الإسلاميين والليبراليين مثلاً؛ لينكشف الصراع عن منافسة على السلطة الفكرية، وهو ما يمثله خطابان بارزان في هذا السياق: الأول: خطاب البيان السعودي المحذر من تعديل المناهج الذي يقول: التعديل سيعتبر بمثابة العتبة الأولى على طريق “الإفساد”، وهو ما يستدعي “وقفة حازمة”، كما أنه يطعن في “أسس المنهج الوهابي” الذي تقوم عليه شرعية الحكم في المملكة[2].

والثاني جاء على لسان عضو الهيئة العليا لمجلس التعاون الخليجي الذي أكد على “أهمية مراجعة المناهج التعليمية وتنقيتها مما يشوبها من أفكار إرهابية ومناهج متطرفة لحقت بها جراء تمكن بعض الإسلاميين في الخليج من الوصول إلى مواقع وضع المناهج”[3] ونحوه جاء في الأردن أيضًا.

جدل الديني والسياسي

وفيما يخص جدل الديني والسياسي؛ فما دخلت السياسة -في بلداننا على الأقل- في شيء إلا أفسدته؛ لأنها نتاج أزمة مفهوم الدولة عندنا، وتعطل وظائفها، وفقدان شرعيتها، فهي بالمحصلة أداة لتحقيق رغبات أفراد أو فئة متنفذة لا تتورع عن سلوك أي سبيل يرعى مصالحها الذاتية ويحافظ على مكاسبها، وهنا -لا بد- تخضع لمنطق المساومات والمصالح. في ظل هذا يغدو بديهيًّا أن يتحول قرار تعديل المناهج إلى قرار سياسي بعد أن كان من اختصاص المؤسسات الثقافية فقط، وبناء على أسس معرفية بحتة.

وإذا كان القرار السياسي بالأمس غير البعيد مرتهنًا إلى توظيفات أيديولوجية لمصلحة هذا النظام أو ذاك وانحيازًا لأيديولوجيته الخاصة التابعة لـ”الحزب القائد”، فإنه الآن ارتهن لإرادة “القوة العظمى القائدة” حين تم النظر في المناهج من زاوية واحدة فقط وهي علاقتها بالإرهاب، وهو ما نظرت فيه القمة الخليجية (24) سنة 2003 بعنوان “أم القضايا”، ووقّع عليه “وزراء الداخلية”!!. وهو ما شُكلت له اللجان لمراقبته وتنقية المناهج منه، ليكتشف بعضها قائلاً: “لم نعثر على أي نص يدعو إلى التطرف الديني أو إلى العنف أو يشجع فكر الإرهاب”[4]. لذا فمن الطبيعي أن يقف سؤال تغيير المناهج، أو تطويرها -حكوميًّا- عند حدود زاوية النظر، وهي -حسب ما يجري- قاصرة على “الحذف” و”التوظيف” في بعض دول الخليج والأردن.

هذا الجدل بين الديني والسياسي يحوّل منطق معالجة القضية من المعرفي إلى السياسي التكتيكي لتتم إدارة الصراع مع الداخل والخارج من خلاله، والخاسر الوحيد فيه هو القضية نفسها التي يتم الاصطراع عليها؛ لأن التغيير نفسه يكتسب دلالات أخرى في هذا السياق، مشبعة بالسلبية، سواء لجهة السياسي أم لجهة فئة دون أخرى؛ فأي صراع لا بد فيه من رابح وخاسر. فمثلاً أي تغيير سيحمل دلالة أنه عملية تآمرية، أو استجابة ذليلة لمطالب خارجية، أو تحريف وعدوان على معتقد الأمة أو ما شابه؛ لذلك يقترب هنا الاعتراف بالخطأ من الجريمة؛ لأنه يصب في مصلحة الخصم، فما بالك بمعالجة الخطأ نفسه؟!.

رمزية الصراع

ومع رمزية الصراع التي تجعل من الموقف نفسيًّا لا معرفيًّا تتعملق فكرة الهوية المهددة من جراء هذا التغيير المطلوب، وتصبح مقاومته مهمة مقدسة، تطيح بكل محاولة لمناقشته أو تفهمه، خصوصًا مع توافر عدم الثقة بالسياسي وموقفه الحقيقي -لا المعلن- من المطالب الخارجية، وفي ظل اشتداد الصراع مع الآخر المختلف فكريًّا والذي ينازع في السلطة الفكرية.

فكرة الهوية المهددة هذه تجعل من المحذوف أو المراد تغييره في الإطار الثقافي أمرًا مقدسًا أو الحقيقة التي يراد اغتيالها فيتم أَسْطرتها (من الأسطورة).

ممارسات مبتذلة

مع أن الالتباسات السابقة جميعها كافية لتعقيد “تعديل المناهج”، فإن بعض الممارسات الحكومية التي تمت في هذا المجال كانت من الابتذال بالقدر الذي وفرت حججًا لوجهة النظر المعارِضة للتغيير أصلاً، وهي ممارسات أدت إلى تلغيم الفكرة، وكشفت عن وعي مبتذل لموضوع المناهج، حين تم التعامل معها من زاوية صلتها بالإرهاب فقط، وبمنطق التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل. ولعل أبرز خطاب يوضح ذلك هو الخطاب الكويتي الرسمي الذي “لم يعثر على أي نص يدعو إلى الإرهاب”، وإن وُجد “فيجب التخلص منه”[5]. وكذلك تصريح عبد الرحمن العطية الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي بأن من المقترحات “إلغاء مادة من المقررات الدراسية ينظر إليها باعتبارها تحرض على كراهية الغرب”[6]. وهو يلتقي مع قول ألينا رومانسكي (مسئولة ما يسمى “برامج مبادرة الشراكة الأمريكية – الشرق أوسطية”): “لا توجد فسحة من الآن فصاعدًا للكراهية وعدم التسامح والتحريض، ونحن نحاول أن نعيش معاً، وأي منهاج دراسي لا يسير في هذا الاتجاه يجب تغييره”[7].

يجري هذا في مقابل تصريحات علنية بتوظيف (أيديولوجي – سياسي) للآيات والأحاديث لنشر ثقافة التسامح والسلام[8]، وبالتأكيد لا يمكن المنازعة في أهمية هذه القيم، لكن حين تأتي في مقابل حذف مفهوم “الجهاد” والتركيز على قبول الآخر الإسرائيلي، وفي سياق الصراع مع الآخر الحضاري، والاستعمار الجديد يصبح لها دلالات أخرى.

وإذا كان التربويون يفرقون بين مصطلحات تغيير المنهج، وتحسين المنهج، وتطوير المنهج فإن الخطاب الرسمي والإعلامي أفرغ هذه المصطلحات من مضمونها ليختزلها في حذف ما يدعو للإرهاب بنظره، وإضافة ما يدعو إلى التسامح وقبول الآخر. وكأن عقول النشء يتم تشكيلها بقرار سياسي يحذف ويضيف ما يريد، بل يتجاهل أن مناهج المدرسة وحدها لا تشكل من ثقافة المجتمع إلا نسبة العشر مقابل مؤسسات التنشئة الاجتماعية الأخرى. فهل هذا الحذف وتلك الإضافة تفرض بداهة تَمَثّل النشء لهذه القيم وطرد تلك؟!

إنه ما من شك أننا بحاجة إلى إصلاحات متعددة، وهو هاجس سواد من المفكرين والمثقفين والعامة منذ إصلاحية محمد عبده رحمه الله وحتى الآن، والضغوط الخارجية لممارسة الإصلاح على طريقتها يقابلها ضغوط سياسية داخلية مورست باستمرار -ولا تزال – لتأجيله من أجل ترحيله إلى أجل غير مسمى تحت حجج واهية باتت هي نفسها تشتكي من ابتذالها. ومناهجنا بحاجة إلى تعديل لا شك، لكن لأسباب معرفية وتربوية، وليس لأسباب سياسية على هوى الداخل أو الخارج.

طالع أوراق الملف:

** كاتب وباحث من سوريا.

[1] الأزهر ينفي حذف “الجهاد” بمناهج التعليم، إسلام أون لاين.نت/29-1-2003

[2] صحيفة الحياة 3/1/2004.

[3] صرح بذلك يعقوب حياتي، لهيئة الإذاعة البريطانية، ونقل تصريحاته موقع إسلام أون لاين.نت بتاريخ 21/12/2003.

[4] التصريح لوكيل وزارة التربية الكويتي حمود السعدون، الحياة 7/1/2004، وهي النتيجة التي خرجت بها الفرق الأكاديمية التي راجعت المناهج في الكويت سنة 2002. وتغيير المناهج شمل الدول الخليجية ودولاً عربية كالأردن، وإسلامية كماليزيا.

[5] من تصريح وزير التربية الكويتي، إسلام أون لاين.نت/ 27-12-2003.

[6] كما نقلت عنه إسلام أون لاين بتاريخ 21/12/2003.

[7] وردت ضمن محاضرة لها في العاصمة القطرية نهاية أيلول (سبتمبر) الماضي 2003.

[8] كما صرحت بذلك “وثيقة السلام” الأردنية التي وزعت على المدارس الحكومية، وصرح بتوظيف الآيات والأحاديث لنشر التسامح وزير التربية الكويتي لـ “لرأي العام” الكويتية بتاريخ 27/12/2003. وكانت الأردن أجرت تعديلات على المناهج ارتبطت بمعاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية في وادي عربة 1994 جرى فيها تخفيض حصص التربية الإسلامية وحذف بعض الآيات والأحاديث التي تتعرض لليهود لبعض المراحل الدراسية. انظر: وثيقة السلام الأردنية لتنقيح المناهج، الأخبار، إسلام أون لاين، بتاريخ 30/12/2003. وجدل أردني حول تعديل المناهج التعليمية، الجزيرة.نت، 3/1/2004.