إبراهيم السكران – عبد العزيز القاسم

23/03/2004 

أولا: الخاتمة:

إن وظيفة المقررات الدينية في التعليم العام هي تكوين أساسيات الشخصية الدينية للطالب، بحيث يتلقى من المادة الدينية ما يؤسس لشخصية دينية سوية تتمثل قيم الدين، وتتشرب طمأنينته، وهذا يتطلب قراءة كلية للدين لتحديد الكليات الأساسية، ثم التدرج مع الكليات من الأعلى إلى الأدنى آخذين في الاعتبار أسئلة الحياة العامة واحتياجات المتلقي، والمدة الممكن تخصيصها للمقررات الدينية مقارنة ببقية احتياجات الطالب الدنيوية والعلمية.

إن تحقيق هذا التوازن يتطلب إعادة نظر جذرية في طريقة إعداد المقررات؛ ذلك أن المقررات تعتمد حاليا على مصنفات جرى تدوينها في ظروف المجادلات الفكرية، والمعارك الدينية والسياسية، وقد أدى ذلك إلى وجود اضطراب هائل في تنظيم الأولويات، كما أدى إلى توريط الطالب في نيران معارك فكرية لا حاجة له بدراسة ظروفها وإجاباتها؛ لأنه ببساطة لا ينتمي إليها من جهة ولأن حججها لا تصل إليه من جهة أخرى، كما أن المقرر لن يحول دون تلقي الطالب لإجابات وحجج أخرى حين يثير تلك المسائل.

في المقابل تورطت المقررات في سكوت واسع النطاق عن القضايا التي يثيرها الواقع المعاصر مثل الحقوق الأساسية للإنسان، والحريات الشرعية، وعرض الفروض الكفائية المتعلقة بمصالح الناس الضرورية والحاجية.  

ذلك أن الشريعة الإسلامية في مجتمعنا المصدر الأساسي للحقوق والواجبات، وقد جاءت الشريعة بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الأساس الذي تقوم عليه جميع مبادرات الرقابة العامة الفردية والاجتماعية، وقد أدى تجاهل المقررات للنظام السياسي ومبادئه المكتوبة والعرفية إلى تجاهل تنظيم قنوات المشاركة الشعبية والتعبير عن الرأي بطريقة متمدنة، الأمر الذي أوجد فراغا هائلا أصبح ميدانا لشتى أنواع المعارك الاجتماعية التي تسعى إلى تعبئة الفراغ كل بطريقته الخاصة، وقد انعكس ذلك على المناهج من جوانب عديدة منها أن المقررات تضمر -كما تقدم- في الأمثلة خطابا موجها للطالب بصفته الفردية بما يناقض مؤسسات المجتمع ومنها نظام التعليم. فالمقرر في بعض نصوصه يحاول التعويض عن عجزه في المشاركة بطريقة مشروعة عبر تعبئة الطالب في زوايا المقرر بما يحصنه من المؤسسات القائمة، وهذا يؤدي إلى انفصام خطير في مصدر الشرعية الاجتماعية والسياسية، ولا يمكن معالجة ذلك إلا عبر تنظيم قنوات المشاركة وتحقيق الشفافية بحيث يعتمد الجميع على القنوات الرسمية للحياة السياسية والاجتماعية.

إن المقررات تصمت عن آليات اندماج الطالب في مجتمعه ومشاركته فيه، الأمر الذي يجعل التعبئة الدينية التي تلقاها تجاه القيم: ما يجوز وما يحرم، ما يستحسن وما يستقبح.. دون قنوات عامة لمزاولة مواقفه تجاه ما تشربه من قيم وتعبئة، ويترتب على ذلك إما البحث عن قنوات غير مشروعة يواجه بسببها التأنيب والمعاقبة، وإما أن ينكسر أمام عجزه فيبقى محبطا عاجزا ربما تلقفته دعوات الغضب والتمرد لتسترد له بعض ما عجز عن الوصول إليه، ولا يمكن معالجة ذلك إلا بتنظيم وسائل المشاركة بمختلف أنواعها.

إن الطالب يواجه في حياته العامة شتى مظاهر التخلف الحضاري في مواجهة العدو المحتل والغلبة الدولية في كثير من المؤسسات والميادين، فيعجز عن الاستجابة لنزعات الانتصار لأمته ومساعدة مجتمعه والإسهام في الرقي بها لفقدان المجتمع للروابط المهنية والمؤسسات المدنية التي تتيح له المشاركة فيما يميل إليه من تطوع، وقد كان من واجبات المقررات الدينية والنظام السياسي فتح آفاق المشاركة المدنية، وتيسير سبل تنشيطها وتدريب الطالب على ممارستها بحيث تكون منفذًا يحقق البناء ويستوعب المشاركات، بيد أن المناهج تكاد تحصر أوجه المشاركة في الجمعيات الخيرية، والحسبة، وهما من أبواب الخير لكنهما جزء محدود من واجبات الأمة.

ثانيا: التوصيات:

1– إعادة النظر في المقررات الدراسية بحيث تتم تنقيتها من آثار المعارك الكلامية والسياسية في تاريخ الجدل العقدي، لتتركز على تقرير مقتضى النصوص برصانة ورفق، وتجنيب الطالب المعارك الكلامية التي يمكن أن تترك للمختصين.

2– تنقية المقررات من النزعات التكفيرية التي يضطرب بها، والتركيز على ما دلت عليه النصوص واستقر عليه كبار فقهاء الأمة من الكف عن تكفير أهل القبلة ووجوب تقرير عصمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم.

3– تعميق مفاهيم الحقوق الشرعية للإنسان.

3– تقرير قواعد التعامل مع المخالف كالعدل والرحمة والمجادلة بالتي هي أحسن، وبيان أسباب رفع الملام عن أئمة المسلمين وعلمائهم.

4– إعادة التوازن إلى مضمون المقررات الدينية بحيث تتناسب مع حاجات المتلقي بتقرير مقتضى النصوص وتجنب المجادلة وتجنيب الناشئة مزالقها.

5– ضبط منظور فقهي متزن تجاه الحضارات والمعارف بحيث يتمكن المتلقي من استثمار نتاج الحضارات والمعارف دون إفراط أو تفريط في التعامل الفقهي والكلامي معها.

6– ضبط منظور فقهي متزن تجاه التعامل مع الآخرين في حالات السلم والعدوان والعهد وغيرها بإيجاز يقرر الرؤية العامة دون إرباك أو تفصيل.

7– توعية المتلقي بواجباته الاجتماعية (فروض الكفاية) وآليات أدائها.

8– توعية المتلقي بواجباته في المشاركة السياسية الشعبية وآليات أدائها.  

والله الموفق.

محاور الدراسة:

اقرأ أيضًا: