أ.د. علي محيي الدين القرة داغي 27/07/2002 

ينظر إلى العلاج الجيني من خلال اعتبارين:

الأول: اعتبار عام من حيث هو علاج للأمراض.

الثاني: اعتبار خاص يتعلق بخصوصيته وما له من آثار وإجراءات.

أما فيما يتعلق بالاعتبار الأول:

من حيث هو علاج للأمراض الوراثية فيطبق عليه من حيث المبدأ، الحكم الشرعي التكليفي للعلاج.

فمن الناحية الفقهية اختلف الفقهاء في حكم العلاج على عدة أقوال، والذي تشهد له الأدلة الشرعية ومقاصد الشريعة هو أن الأحكام التكليفية الخمسة (الوجوب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة) ترد عليه.

فالعلاج واجب إذا ترتب عليه عدم العلاج هلاك النفس بشهادة الأطباء العدول؛ لأن الحفاظ على النفس من الضروريات الخمس التي يجب الحفاظ عليها، وكذلك يجب العلاج في حالة كون المرض معديًّا، مثل: مرض السل، والدفتريا، والتيفود، والكوليرا، وترتب مثل هذا الحكم لوجود مجموعة من النصوص الدالة على دفع الضرر، ومنها قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: “لا ضرر ولا ضرار” (رواه احمد ومالك وابن ماجه).

بل إن بعض الفقهاء ومنهم جماعة من الشافعية وبعض الحنابلة يذهبون إلى أن العلاج واجب مطلقاً، وقيَّده بعضهم بأن يُظَن نفعه.

بل ذهب الحنفية إلى وجوبه إن كان السبب المزيل للمرض مقطوعاً به، وذلك كما أن شرْب الماء واجب لدفع ضرر العطش، وأكْل الخبز لدفع ضرر الجوع، وتركهما محرّم عند خوف الموت، وهكذا الأمر بالنسبة لعموم العلاج والتداوي. جاء في الفتاوى الهندية: “اعلم بأن الأسباب المزيلة للضرر تنقسم إلى مقطوع به كالماء المزيل لضرر العطش، والخبز المزيل لضرر الجوع… أما المقطوع به فليس تركه من التوكل، بل تركه حرام عند خوف الموت”.

وقد استدل هؤلاء الفقهاء بالأحاديث الآمرة بالتداوي، مثل حديث أسامة بن شريك قال: “أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير، فسلَّمت، ثم قعدت، فجاء الأعراب من ههنا وههنا، فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: تداووا فإن الله تعالى لم يضع داءً إلا وضع له دواء غير داء واحد الهرم” (رواه أبو داود والترمذي والنسائي)، ولحديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “إن الله أنـزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تتداووا بحرام” (رواه أبو داود).

فإذا كان العلاج واجباً فيكون تركه حراماً كما في حالة كون المرض معديًّا، أو كون الشخص مهددًّا بالموت، أو بضرر كبير إذا لم يتم العلاج.

ويرون التداوي مستحبًا إذا كان التداوي بما يمكن الاستشفاء به حسب الظن وليس اليقين، وذلك اقتداءً بتداوي الرسول -صلى الله عليه وسلم- في قوله وفعله. وفيما عدا ذلك فهو مباح مشروع، وهذا رأي جمهور الفقهاء . قال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي: “اعلم أن الذين تداووا من السلف لا ينحصرون، ولكن قد ترك التداوي أيضاً جماعة من الأكابر” ثم ذكر بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- تداوى، ولو كان نقصانًا لتركه، إذ لا يكون حال غيره في التوكل أكمل من حاله.

وقد ردّ الغزالي على من قال بأن التداوي يخالف التوكل بأن ذلك نوع من المغالطة؛ لأن الرسول –صلى الله عليه وسلم- تداوى وهو سيد المتوكلين، وأمر به في أكثر من حديث، ثم إن التداوي مثل استعمال الماء للعطشان، والأكل لدفع الجوع فلا فرق بين هذه الدرجات، فإن جميع ذلك أسباب رتبها مسبب الأسباب سبحانه وتعالى، وأجرى بها سنـته، ويدل على أن ذلك ليس من شرط التوكل ما روي عن عمر –رضي الله عنه وعن الصحابة- في قصة الطاعون، فإنهم لما قصدوا الشام وانتهوا إلى الجابية بلغهم الخبر أن به موتاً عظيماً ووباءً ذريعاً، فافترق الناس فرقتين، فقال بعضهم لا ندخل على الوباء فنلقي بأيدينا إلى التهلكة، وقالت طائفة أخرى: بل ندخل، ونتوكل على الله، ولا نهرب من قدر الله تعالى، ولا نفرّ من الموت كمن قال الله تعالى في حقهم: “أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ…” (البقرة: 243)، فرجعوا إلى عمر فسألوه عن رأيه، فقال: نرجع، ولا ندخل على الوباء، فقال له المخالفون لرأيه: أنفرّ من قدر الله تعالى؟ قال عمر: نعم، نفرُّ من قدر الله تعالى إلى قدر الله تعالى.. فلما أصبحوا جاء عبد الرحمن فسأله عمر عن ذلك، فقال: عندي فيه يا أمير المؤمنين شيء سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “إذا سمعتم به -أي بالطاعون- بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه” (متفق عليه).

فالعلاج سبب من الأسباب يؤخذ به كما يؤخذ بالأسباب في كل الأمور الأخرى، بل إن تركها إذا ترتب عليه ضرر يكون محرماً. وقد أكد هذه المعاني ابن القيّم في كتابه: الطب النبوي، وبيّن أن العلاج سبب مشروع، وقدر من قدر الله تعالى، وسنة من سننه.

ويكون التداوي مباحاً جائزاً تركه، إذا كان العلاج لا يجدي نفعاً وأن الدواء لا ينفعه، حيث ذكر الغزالي خمسة أسباب لترك التداوي منها أن تكون العلة مزمنة، والدواء الذي يؤمر به موهوم النفع .

أما فيما يتعلق بالاعتبار الثاني:

وهو الاعتبار الخاص بالنظر إلى العلاج الجيني من حيث ما له من خصوصية، وما له من آثار، وما يترتب عليه من مصالح أو مفاسد أو مخالفات للنصوص الشرعية.

فبهذا الاعتبار لا ينبغي أن نصدر حكماً عاماً لجميع أنواع العلاج الجيني وحالاته؛ وذلك لأن الحكم الشرعي إنما يكون دقيقاً إذا كان موضوع الحكم معلوماً مبيناً واضحاً؛ لأن الحكم على الشيء فرع من تصوره.

وإضافة إلى هذه الأدلة الخاصة بالعلاج والتداوي هناك عدة قواعد عامة، ومبادئ معتبرة تتحكم في العلاج بصورة عامة، وفي العلاج الجيني بصورة خاصة، وهي:

1ـ مقاصد الشريعة في رعاية المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية، والموازنة بين المصالح والمفاسد، والقواعد المتفرقة منها مثل كون درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وأنه يتم تحمل الضرر الأخف في سبيل درء الضرر الأكبر، وأن الضرر يُزال، وأن الضرر لا يُزال بمثله، وأن الضرورات تبيح المحظورات، وأن الضرورات تُقدَّر بقدِرها، وأنه ينبغي تحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، وأن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، وأنه إذا تعارضت مفسدتان رُوعي أعظمهما ضرراً، وأنه يختار أهون الشريّن، وأن الضرر يدفع بقدر الإمكان، وأن الحاجة تنـزل منـزلة الضرورة، وأن الاضطرار لا يبطل حق الغير، وأن المشقة تجلب التيسير، وأنه إذا ضاق الأمر اتسع، وأنه لا ضرر ولا ضرار .

2ـ اعتبار الوسائل والذرائع، فالوسيلة المحرمة محرمة ولو كانت الغاية شريفة، فلا يجوز استعمال أية وسيلة محرمة في العلاج الجيني أو غيره إلاّ للضرورة التي تبيح المحظورات. وقد جعل ابن القيم قاعدة سد الذرائع ربع الدين والفقه الإسلامي.

3ـ رعاية المآلات والغايات والنتائج والآثار المترتبة على العلاج، حيث قال الشاطبي: “النظر في مآلات (أي حالها في المستقبل) الأفعال معتبر مقصود شرعاً، سواء كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو الإحجام إلاّ بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل مشروعاً لمصلحة فيه تُستجلب، أو مفسدة تُدرأ، ولكن له مآلٍ على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعاً من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أُطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد فلا يصح القول بعدم المشروعية”، وقاعدة المآلات هي الأصل العام الذي تنبني عليها مجموعة من القواعد الأساسية.

4ـ النظر إلى العلاج الجيني بصورة خاصة من خلال أنواعه، وحالاته، حتى يكون الحكم دقيقاً صحيحاً بقدر الإمكان، وذلك لأن الحكم الصحيح على الشيء فرع من تصوره وفهمه فهماً دقيقاً، ولذلك نفصل القول حسب الأنواع المتاحة لنا:

أ ـ حكم العلاج الجيني:

حكم العلاج الجيني بالنوعين المذكورين، أي أنه يجوز إذا لم يترتب عليه الأضرار والمفاسد التي ذكرناها سابقاً.

وقد صدر قرار من المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة عشرة تضمّن مجموعة من الأحكام والضوابط، حيث نصّ على: أن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة عشرة، المنعقدة في مكة المكرمة، التي بدأت 11 رجب 1419هـ الموافق 31 اكتوبر 1998م، قد نظر في موضوع استفادة المسلمين من علم الهندسة الوراثية التي تحتل اليوم مكانة مهمة في مجال العلوم، وتُثار حول استخدامها أسئلة كثيرة. وقد تبين للمجلس أن محور علم الهندسة الوراثية هو التعرف على الجينات (المورثات) وعلى تركيبها، والتحكم فيها من خلال حذف بعضها –لمرض أو لغيره- أو إضافتها أو دمجها بعضها مع بعض لتغيير الصفات الوراثية الخلقية.

وبعد النظر والتدارس والمناقشة فيما كتب حولها، وفي بعض القرارات والتوصيات التي تمخضت عنها المؤتمرات والندوات العلمية. يقرر المجلس ما يلي:

أولاً: تأكيد القرار الصادر عن مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بشأن الاستنساخ، برقم: 100/2/د/10 في الدورة العاشرة المنعقدة بجدة، في الفترة من 23 ـ 28 صفر 1418هـ.

ثانياً: الاستفادة من علم الهندسة الوراثية في الوقاية من المرض أو علاجه، أو تخفيف ضرره، بشرط ألا يترتب على ذلك ضرر أكبر.

ثالثاً: لا يجوز استخدام أي من أدوات علم الهندسة الوراثية ووسائله في الأغراض الشريرة وفي كل ما يحرم شرعاً.

رابعاً: لا يجوز استخدام أي من أدوات علم الهندسة الوراثية ووسائله للعبث بشخصية الإنسان ومسؤوليته الفردية، أو للتدخل في بنية المورثات (الجينات) بدعوى تحسين السلالة البشرية.

خامساً: لا يجوز إجراء أي بحث، أو القيام بأية معالجة، أو تشخيص يتعلق بمورثات إنسان ما إلاّ بعد إجراء تقويم دقيق وسابق للأخطار والفوائد المحتملة المرتبطة بهذه الأنشطة، وبعد الحصول على الموافقة المقبولة شرعاً مع الحفاظ على السرية الكاملة للنتائج، ورعاية أحكام الشريعة الإسلامية الغراء القاضية باحترام حقوق الإنسان وكرامته.

سادساً: يجوز استخدام أدوات علم الهندسة الوراثية ووسائله في حقل الزراعة وتربية الحيوان، شريطة الأخذ بكل الاحتياطات لمنع حدوث أي ضرر -ولو على المدى البعيد- بالإنسان، أو بالحيوان، أو بالبيئة.

سابعاً: يدعو المجلس الشركات والمصانع المنتجة للمواد الغذائية والطبية وغيرهما من المواد المستفادة من علم الهندسة الوراثية إلى البيان عن تركيب هذه المواد ليتم التعامل والاستعمال عن بينة حذراً مما يضرُّ أو يحرم شرعاً.

ثامناً: يوصي المجلس الأطباء وأصحاب المعامل والمختبرات بتقوى الله تعالى واستشعار رقابته والبعد عن الإضرار بالفرد والمجتمع والبيئة.

ب ـ حكم المسح الوراثي:

يجوز شرعاً المسح الوراثي، بشرط أن تكون الوسائل المستعملة فيه مباحة آمنة، لا تضرُّ بالإنسان ولا بالبيئة؛ وذلك لأن هذه الطريقة تهدف إلى تقليل الأمراض الوراثية، وتساعد الأطباء على وضع البرامج الوقائية لحماية الإنسان وابتكار الأدوية، كما تساعد على دفع الضرر قبل وقوعه.

ويجوز للدولة الإجبار على هذه الطريقة إذا انتشر الوباء في بلد معين، أو اقتضته المصالح العامة. ولكن يجب الحفاظ على نتائج المسح وعدم إظهارها إلاّ بقدر ما تقتضيه الضرورة أو الحاجة الملحة؛ وذلك حماية لأسرار الناس التي هي مقصد من مقاصد الشريعة.

ج ـ حكم تغيير الخلقة:

أما عن حكم تغيير الخلقة عن طريق العلاج الجيني، فقد تناول الفقهاء قديماً وحديثاً موضوع تغيير الخلقة، أو تغيير خلق الله من خلال عمليات التجميل، وإزالة العيب أو الخلل البدني المسبب للإيذاء ماديًّا ومعنويًّا. وقد صدر قرار من الندوة الثالثة للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية ينصُّ على ما يلي:

1ـ الجراحات التي يكون الهدف منها علاج المرض الخلْقي والحادث بعد الولادة لإعادة شكل أو وظيفة العضو السوية المعهودة له وهذا جائز شرعاً، ويرى الأكثرية أنه يعتبر في حكم هذا العلاج إصلاح عيب أو دمامة تسبب للشخص أذى عضويًّا أو نفسيًّا.

2 ـ لا تجوز الجراحات التي تخرج بالجسم أو العضو عن خلقته السوية، أو يقصد بها التنكر فراراً من العدالة، أو التدليس، أو بمجرد اتباع الهوى.

3 ـ ما ظهر في بعض المجتمعات من جراحات تُسمى عمليات تغيير الجنس استجابة للأهواء المنحرفة حرام قطعاً، ويجوز إجراء عمليات لاستجلاء حقيقة الجنس في الجنس.

ولكن هناك فرق بين ذلك التغيير الحاصل على بعض أجزاء البدن والتغيير عن طريق العلاج الجيني، فالأول يتم عن طريق إجراء عمليات تجميلية واقعة على الأعضاء المصابة بالآفة أو القبح، أما العلاج الجيني فيتم عن طريق التحكم في المصادر المتحكمة والأجهزة المتحكمة في الأعضاء، والمسؤولة عنها شكلاً ولوناً وكيفاً وكمًّا حسب سنة الله، وذلك بالتدخل في الجينات، أو الاستئصال أو التبديل بين جزئياتها. ولكن هذا الفرق غير مؤثر في عموم الحكم الخاص بتغيير الخلقة، ومن هنا نقول:

أولاً ـ إن أي علاج جيني يستهدف علاج الجينات المريضة والمشوهة لإعادتها إلى شكل أو وظيفة العضو السوية المعهودة له جائز شرعاً، وكذلك العلاج الجيني الذي يستهدف إصلاح عيب أو دمامة تسبب للشخص أذى عضويًّا أو نفسيًّا.

ثانياً ـ لا يجوز العلاج الجيني الذي يستهدف خروج الجسم أو العضو عن خلقته السوية.

ثالثاً ـ لا يجوز تغيير الجنس، أو اللون، أو الشكل؛ لأنها من آيات الله تعالى التي تقوم على الحكم والتوازن والموازنات والسنن الربانية.

ومسألة التغيير في خلق الله بيّن الله تعالى في القرآن الحكيم أنها من فعل الشيطان وأوليائه، حيث قال تعالى: “إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا*لَعَنَهُ اللهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا*وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنْعَامِ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ” (النساء: 117 – 119)، كما قال تعالى: “فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ” (الروم: 30).

ولكن المفسرين اختلفوا في تفسير التغيير والتبديل، حيث قال الإمام الرازي: “وللمفسرين ههنا قولان: الأول: أن المراد من تغيير خلق الله تغيير دين الله وهو قول سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، والحسن، والضحاك، ومجاهد، والسدي، والنخعي، وقتادة، وفي تقرير هذا القول وجهان: الوجه الأول: أن الله تعالى فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم وآمنوا به، فمن كفر فقد غيّر فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهذا معنى قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “كل مولود يولد علىالفطر ة…” (متفق عليه). والوجه الثاني: أن المراد من تغيير دين الله هو تبديل الحلال حراماً، أو الحرام حلالاً.

وأما القول الثاني: حمل هذا التغيير على تغيير أحوال كلها تتعلق بالظاهر، وذكروا فيها وجوهاً مثل الوصل، والوشم، والإخصاء، وقطع الآذان، وفقء العيون، والتخنث، أو جعل الأنعام بحائر وسوابق، مع أن الله خلقها لتؤكل وتركب، ثم قال الرازي: “اعلم أن عمدة أمر الشيطان إنما هو بإلقاء الأماني في القلب، وأما تبتيك الآذان وتغيير الخلقة فذاك من نتائج إلقاء الأماني في القلب ومن آثاره”؛ ولذلك قال الله تعالى في الآية اللاحقة مباشرة: “يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلاّ غروراً” (النساء: 120).

وقال ابن عطية: “قال ابن عباس، وإبراهيم، ومجاهد، والحسن، وقتادة وغيرهم: أراد: يغيرون دين الله، وذهبوا في ذلك إلى الاحتجاج بقوله تعالى: “فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله” (الروم: 30) أي لدين الله، والتبديل يقع موقعه التغيير، وإن كان التغيير أعم منه”، ثم ذكر آراء أخرى منها أن التغيير في الشكل والهيئة مثل الإخصاء، والوشم، ومنها جعل المخلوقات آلهة تعبد مع أنها خلقت لينتفع بها.

وقال في الآية الثانية: “الذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة (فطرة الله) أنها الخلقة والهيئة التي في نفس الطفل التي هي معدودة مهيأة لأن يميز بها مصنوعات الله تعالى، ويستدل بها على ربه جلّ وعلا، ويعرف شرائعه، ويؤمن به، فكأنه تعالى قال: أقم وجهك للدين الحنيف، وهو فطرة الله الذي على الإعداد له فطر البشر، لكن تعرضهم العوارض”.

وقد فسر الإمام البخاري قوله تعالى: “لا تبديل لخلق الله” بدين الله، والفطرة بالإسلام، ثم بيّن بأن هذا هو تفسير الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وذلك في صحيحه، كتاب التفسير، باب: “لا تبديل لخلق الله”: لدين الله..، والفطرة: الإسلام، ثم روى بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: “ما من مولود إلاّ يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها جدعاء ثم يقول: “فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم” (رواه البخاري).

والراجح أن تفسير الآية الثانية هو ما ذكره البخاري وغيره من أن المراد بخلق الله دين الله الذي فطر الناس عليها، حيث فسره الرسول -صلى الله عليه وسلم- بذلك، والسياق يدل على ذلك.

والراجح في تفسير الآية الأولى: “فليغيرنَّ خلق الله” (النساء: 119) هو يشمل المعنيين أي التغيير في فطرة الدين، والتغير في الشكل الطبيعي للإنسان والحيوان، وأنه على ضوء المعنى الأخير يكون التغيير في الشكل الطبيعي، وهو أيضاً يمثل الفطرة السليمة، وقد وضع ابن عطية معيارًا رائعاً للتغيير المباح، والتغيير غير المشروع فقال: “وملاك تفسير هذه الآية أن كل تغيير ضار فهو في الآية، وكل تغيير نافع فهو مباح”.

فعلى ضوء ذلك أن أيَّ تغيير أو تبديل في الجينات، أو ما يترتب عليه من آثار إن كان في حدود العلاج أو منع المرض، أو إصلاح الخلل، أو العيب وعدم تغيير الشكل الفطري فهو جائز، وإن كان فيه عبث بالجينات، أو تغيير للهيئة، أو الشكل واللون، والطول والقصر فهو محرم.

وكل هذه الأحكام خاصة بالعلاج الجيني الجسدي الذي يكون في المستوى الأول، حيث تتم معالجة أعراض المرض للفرد نفسه دون التعرض للأجيال التالية.

والمستوى الثاني للعلاج الجيني هو أن يتم العلاج في جينات داخل خلايا مشيجية، ومن هنا يمكن أن ينتقل العلاج إلى الأبناء، فهذا العلاج غير جائز شرعاً لما فيه من غموض وعدم معرفة بالنتائج التي تترتب عليه، ولما يمكن أن يترتب عليه من عواقب وخيمة، سواء كانت من النواحي الأخلاقية، وذلك حتى الوصول إلى آلية يمكن أن تعرف بها آثارها الإيجابية أو السلبية.

ولكن إذا توصل العلم إلى منع الأضرار والآثار السلبية على الإنسان والأجيال اللاحقة؛ فإنه لا يمكن الاستمرار في منع أو حظر هذا النوع من المعالجة شرعاً. فالمنع يدور مع الضرر المحقق، والجواز يدور حول المصلحة ودرء المفسدة.

ومع ذلك فلا أرى مانعاً من إجراء التجارب على الحيوانات إذا كان هناك أمل في الوصول إلى تحقيق نتائج إيجابية؛ لأن الكون كله مخلوق لخدمة الإنسان ومسخر له، ولكن بالضوابط الدينية والأخلاقية، وبما لا يترتب عليه ضرر أكبر بالإنسان والبيئة. هذا والله أعلم.

تابع معنا بقية محاور الدراسة: