طارق قابيل
شعار  الشركة التي تنتج الحبر الإكتروني

بالرغم مما نعيشه من ثورة في وسائل الاتصال الحديثة، فإن الورق ظل الوسيلة الأثيرة عند الكثيرين في نقل المعلومات والمعرفة بشتى أشكالها ومن كافة مشاربها ومصادرها. ووقف الورق شامخا أمام كل التحديات الصعبة في عالم الاتصالات لقرون طويلة.

ويعد استهلاك الورق العادي حاليا المعيار الذي يحدد على ضوئه وعي وثقافة أي أمة، فمن خلاله تحدد مستويات الأمم بين أقرانها. وعلى سبيل المثال تصل حصة الفرد من استهلاك الورق سنوياً في الدول العربية إلى 13.5 كجم، بينما تصل حصة الفرد من استهلاك الورق سنوياً في دول الاتحاد الأوربي إلى 183 كجم وتصل الحصة إلى 344  كجم للفرد سنوياً في الولايات المتحدة الأمريكية.

ولكن على ما يبدو فإن الورق بشكله التقليدي المعروف سيواجه تحدياً حقيقياً من نظيره الإلكتروني الذي كان هدفاً مقدساً لعالم التكنولوجيا طيلة أكثر من عشرين سنة. وهذا البديل بات أقرب للواقع منه للحلم.

تطور الورق الإلكتروني

ظل حلم إنتاج الورق الإلكتروني يراود العلماء لنحو عقدين من الزمان. وبالرغم من أن هذا الحلم كان هدفا صعب المنال، لكن العلماء ما زالوا أكثر تطلعا، ووضعت الكشوف الجديدة هذا الحلم قريبا من الواقع أكثر من أي وقت مضى.

بدأ العالم “نيك شيردون” التفكير في إنتاج ما يسمى بالحبر الإلكتروني في عام 1975م، واشترك في مشروع بحثي يسمى “جيريكون” قامت بتمويله شركة “زيروكس” عملاق تكنولوجيا الطباعة الأمريكية. واستعمل “شيردون” كريات متحركة صغيرة الحجم كنموذج مكبر لإثبات نظريته العلمية.

وتوالت الأبحاث العلمية بعد ذلك للوصول للهدف المنشود. وفيما يلي بيان بأهم المنعطفات التاريخية في هذا المجال:

1975  بدأ “نيك شيردون” العمل على إنتاج الحبر الإلكتروني، بتمويل من شركة “زيروكس”.
1977 نشر كل من “هيديكي شيراكاوا”، و “ألن ماكديارمد” و “ألن هيجير” تقريرًا علميا مشتركا عن البلاستيك الموصل للكهرباء.
1996 انضم “جوزيف جاكوبسون” إلى مختبر أجهزة الإعلام “إم آي تي” وبدأ العمل على تطوير نسخة من الورقة الإلكترونية.
أسس “جاكوبسون” هو واثنان من طلابه شركة “إي إنك” أو الحبر الإلكتروني لإنتاج الحبر والورق الإلكتروني.
1997 طورت مختبرات “بل” و شركة “لوسينت تكنولوجيز” ترانزستورات من المركبات الكيميائية العضوية.
1999 تعاونت شركة “زيروكس” مع شركة “3 إم” لتطوير وإنتاج الورق الإلكتروني.
شركتا “إي إنك” و “لوسينت تكنولوجيز” أنتجتا عارضات إلكترونية مرنة باستعمال الحبر الإلكتروني والإلكترونيات العضوية
2000 تمكنت شركتان أمريكيتان من إيجاد وسيلة لتصنيع الورق الإلكتروني، هما “جيريكون ميديا” و “إي-إنك كوربوريشن”، تمثلت في كبسولات صغيرة جدا مليئة بسائل غامق اللون وجزيئات بيضاء.
كما نجح فريق من العلماء الأمريكيين بمختبرات “بيل” بالتعاون مع شركة “إي إينك” في التوصل إلى تصميم وتصنيع نوع من الورق الإلكتروني الذي يشبه شاشة العرض المصنوعة من الكريستال السائل.
2001 إنتاج أول ورقة إليكترونية من الحبر الإلكتروني والترانزستورات العضوية البلاستيكية عن طريق الأبحاث المتطورة لشركتي “إي إنك” و”لوسينت تكنولوجيز”.
قامت شركة زيروكس بالإسراع من محاولة إنتاج الورق الإلكتروني عن طريق تمويل وتطوير المشاريع البحثية.

كيف يعمل الورق الإلكتروني؟

الورق الإلكتروني عبارة عن صفحة من البلاستيك الشفاف بسمك مليمتر واحد مطبوع عليها شبكة من المربعات تحتوي على كبسولات دقيقة جداً يتم ملؤها بمحلول داكن اللون، وتُحَمل بجسيمات بيضاء دقيقة تشبه شرائح إلكترونية بيضاء فائقة الحساسية تطفو في مسطح من الصبغة السوداء والشريحة ترتفع أو تنخفض في الصبغة اعتمادا على الشحنة أو الحمل الكهربي عند اتصال الشاشة بمصدر كهربائي، ويعمل التباين ما بين الأبيض والأسود على عرض المحتويات المختلفة التي ترسلها وحدة المعالجة الرئيسية للحاسب أو الجهاز الذي تعمل معه الشاشة؛ ومن ثم تقوم هذه الشرائح الإلكترونية الدقيقة بدور أشبه بالدور الذي يقوم به الحبر عند الكتابة به على الورق، ومن هنا جاءت التسمية بالحبر الإلكتروني.

ويتحول الحبر الإلكتروني إلى اللون الأسود عند تمرير تيار كهربائي معلوم الشدة والاتجاه، ويعود لحالته الأولى مع زوال المؤثر الكهربي. وتتحرك الجسيمات من أحد جانبي الكبسولة إلى الجانب الآخر؛ لتترك بذلك رقعة بيضاء أو داكنة اللون، حسب الحاجة. وعندما يتم إطلاق شحنة كهربية فإنها تتسبب في تحريك الجزيئات من جهة من الكبسولة إلى الجهة الأخرى، وبالتالي تكوين بقعة واحدة غامقة أو سوداء شبيهة بالحبر العادي، وبالتحكم في عدد الكريات السوداء والبيضاء، وفي توزيعهما معا يتم التحكم في عرض البينات والنصوص والصور بصورة آنية.

ويعمل الورق الإلكتروني ببطاريات صغيرة لمدة عدة شهور، وتتمتع هذه التقنية الجديدة بثلاثة عناصر تُعتبر فريدة من نوعها من حيث الخصائص العلمية، فهناك الحبر الإلكتروني، وهو العنصر الذي يضيء بلونين غامق أو أسود، وآخر فاتح  قريب من البياض، وهناك الإلكترونيات البلاستيكية التي تتحكم في الحبر الإلكتروني، والتي لها القدرة على تكوين الأشكال والتعرف عليها، وهناك –ثالثا- نتاجهما وهي لوحة الكتابة الإلكترونية المرنة، وقد حصل العلماء الثلاثة الذين قاموا بتطوير البلاستيك الموصل للكهرباء على جائزة “نوبل” في العام الماضي.

ولكن أهم تطور سجله هذا الابتكار الجديد هو استخدام تكنولوجيا صناعية جديدة يطلق عليها اسم طباعة “المايكرو كونتاكت”. وتشبه هذه التقنية طريقة الختم، وهو ما يعني انتفاء الحاجة إلى أماكن إنتاج باهظة الثمن مثل المستخدمة حاليا في عملية صنع مكونات الأجهزة الإلكترونية في أجواء نقية خالية من الشوائب والتلوث.

والهدف النهائي من وراء ذلك هو الوصول إلى شاشات في سُمك الورق العادي تعمل مع الحاسبات الشخصية واليدوية والتليفونات المحمولة والحاسبات المستخدمة ككتاب إلكتروني والمساعدات الشخصية الرقمية وغيرها من الأجهزة الأخرى، وتكون قادرة على التعامل بسهولة مع تكنولوجيا الاتصالات اللاسلكية، بحيث تسمح بتغيير محتواها وعرض محتوى جديد عليها لاسلكيا من جهاز آخر، وتكون أيضا قادرة على الاحتفاظ ـ لفترة مناسبة ـ بصورتها وشكلها وما بها من محتوى عند قطع الكهرباء‏.‏

وقد وضع المتخصصون هذا الهدف باعتبار أن الشاشات غالبا ما تكون هي أكثر مكونات الحاسب استهلاكا للطاقة، وربما تكون الأغلى سعرا في بعض الحالات؛ ولذلك يسعى المصنعون دائما إلى طرق لتحسين كفاءة البطارية وطول فترة التشغيل والتكلفة المنخفضة. والمتوقع أن يكون الجيل الأول من هذه الشاشات أحادي اللون أي أبيض وأسود وليس ملونا؛ لأنها ستكتب بالأسود على خلفيات ضوء أبيض، ومن ثم فهي لن تدعم الصور الملونة أو أفلام الفيديو السريعة، ومن ثم ستستخدم بشكل متخصص مع أدوات بعينها مثل الكتاب الإلكتروني والمساعدات الرقمية الشخصية، من أجل ميزتها العالية في استهلاك مقدار أقل من الطاقة مع درجة وضوح ونقاء عالية جدا.

أهمية الورق الإلكتروني

تلعب تقنية إنتاج الورق الإلكتروني دورا هاما في تصنيع الشاشات، ويتوقع المراقبون أن هذه التقنية سيكون من نتيجتها تخفيض سُمك شاشة الحاسبات والأجهزة المختلفة لتصبح في سمك ورق الكتابة العادي، وكذلك تخفيض استهلاكها من الطاقة بشكل كبير ليصبح أقل من معدله الحالي بعدة أضعاف.

وطبقا للمعلومات التي أتيحت عن هذه التكنولوجيا التي تم نشرها بالمجلات العلمية، وجرى بثها على بعض المواقع الإخبارية بالإنترنت، فإنه من المتوقع أن تظهر هذه الشاشات بشكل تجاري في الأسواق بحلول عام ‏2005.‏

والهدف من استخدام الورق الإلكتروني هو عرض نصوص إلكترونية على ألواح مرنة لها مظهر وملمس الورق العادي، يمكن جمعها على شكل كتاب أو صحيفة أو مجلة بصفحات إلكترونية، ويمكن تحميل هذه الألواح البلاستيكية المرنة بنصوص إلكترونية، من الإنترنت أو عبر استخدام تكنولوجيا الاستشعار عن بعد فيما بعد.

وقد حققت تكنولوجيا الورق الإلكتروني مؤخرا تقدما جديدا في مجال صناعة نموذج لشاشة عرض إلكترونية مرنة، وقام مخترعون أمريكيون بعرض نموذج أولي لحاسب محمول يعمل بشاشة ‏12‏ بوصة من الورق الإلكتروني بدرجة وضوح تصل إلى ‏800x 600 بيكسل‏، و(البيكسل هو أصغر وحدة تستخدم لقياس درجة وضوح الصور والعروض الإلكترونية)، في مؤتمر عقد بمدينة “سان جوس” بولاية “كليفلاند” الأمريكية.

والتكنولوجيا نفسها قدمتها أيضا شركة تحمل اسم‏ (‏إي إنك‏)‏، وقال المخترعون: إنه بالرغم من أن النموذج الحالي يعرض صورًا بكثافة تصل إلى عدة مئات من البيكسلات فقط، لكنه يثبت إمكانية صنع شاشات عرض كبيرة بتكاليف زهيدة.

وقد وجد الباحثون وسيلة زهيدة الثمن لإنتاجه على نطاق واسع، واستخدم هؤلاء طريقة الطباعة المطاطية البسيطة لطباعة هذه الصفحات خارج الأجواء المخبرية المعقمة التي عادة ما تصنع فيها الرقائق الإلكترونية.

ويعكف العلماء حاليا على تطوير ورق يحتوي على بيكسلات أكبر عدداً من النموذج الحالي، وبذلك يمكن عرض كل الكتاب صفحةً صفحة على ورقة واحدة وبصورة واضحة جدا.

وحتى الآن لا يمكن الكتابة على الورق الإلكتروني، باعتبار أن “البيكسلات” تعمل كهربائيا، ولكن يمكن صنع قلم إلكتروني مشحون كهربائيا كي يقوم بهذا العمل. وبحسب “جون روجر” مسؤول المختبرات في شركة “بيل” الأمريكية، التي تطور المشروع بالاشتراك مع شركة “إي إنك إلكترونيك” لإنتاج الحبر الإلكتروني، فإنه لا توجد عوائق تقنية أساسية في سبيل تحقيق ذلك؛ لأن جميع المكونات اللازمة متوفرة حاليا.

ومن المتوقع أن تكون أولى تطبيقات هذا الإنجاز التكنولوجي المهم تطوير إشارات  إلكترونية متعددة الأغراض، منها مثلا لوحات عرض كتابات ورسوم يمكن التحكم بها من بعد، ويتم استخدامها في أساليب الدعاية والإعلان، ويعتبر هذا الإنجاز الأخير هو البداية في مشوار طويل سيشهد نقلات نوعية كبيرة في هذا الميدان.

الكتاب الإلكتروني

تحقق مؤخرا ما يمكن أن يوصف بأنه أكبر ثورة في عالم طباعة الكتب، وذلك عندما قامت شركة مايكروسوفت بتوقيع اتفاق مع شركة “بانرس آند نوبل” إحدى أكبر شركات بيع الكتب في العالم خلال معرض الإلكترونيات الاستهلاكية الذي عقد مؤخرا، ويقضي الاتفاق بتصميم قائمة مصورة تضم عناوين الكتب الرقمية التي يمكن مطالعتها على أجهزة الكمبيوتر الشخصي والكتب الإلكترونية، أو أي جهاز مزود بشاشة وإمكانية تصفح للإنترنت.

ويعتقد بعض المراقبين أن هيمنة الكتب الورقية المطبوعة لن تتراجع في غضون القرون الخمسة القادمة، ولكن فيما يبدو فإن عددا كبيرا من الأنظمة التكنولوجية تتآمر ضد الورق العادي لإسقاطه عن عرشه الذي تربع عليه ردحا طويلا من الزمن. فمن المقرر أن تعلن شركة “مايكروسوفت” في وقت لاحق من العام الحالي عن تكنولوجيا جديدة تعزز من وضوح الأحرف على شاشة الكمبيوتر بحيث تكاد تماثل الأحرف المطبوعة على الورق، ويتوقع أن يسهم هذا التطور في زيادة مبيعات كتب الجيب الرقمية التي تسمح للمستخدمين بتحميل أعمال كاملة من الإنترنت، ومن ثم قراءتها من خلال المساعدات الشخصية الرقمية المحمولة باليد.

ومن المتوقع أن تساهم تقنية الورق الإلكتروني في سهولة إنتاج وتوزيع الكتاب الإلكتروني، وتوافره بأسعار زهيدة، وذلك لإمكانية إظهار محتويات كتاب كامل على لوحة إلكترونية واحدة، خفيفة الوزن، وقابلة للثني بفضل التكنولوجيا الجديدة.

وبالرغم من غموض مستقبل الكتاب الإلكتروني، فإن كل الإرهاصات المستقبلية تتنبأ بعصر رقمي جديد يعتمد كلية علي النظم الرقمية، ويتربع على عرشه الحاسبات المحمولة صغيرة الحجم المجهزة بشاشات من الورق الإلكتروني.

اقرأ أيضًا: