مصطفى عاشور
مالك بن نبي

تبقى الأفكار الجيدة العظيمة دوما شبيهة بالمعدن النفيس، لا يزيدها مرور الزمن إلا نفاسة في قيمتها، ولا تؤثر فيها السنون ولا النسيان ولا التجاهل، فهي مثل قاع البحر كلما غاص الإنسان في أعماقه تكشفت له ثرواته وتبدت له عجائبه.

ويأتي المفكر الجزائري “مالك بن نبي” ضمن قائمة رواد الإصلاح في العالم الإسلامي، وممن جاءوا بأفكار عميقة في النهوض الحضاري، وأبدع مشروعا فكريا متكاملا للتغلب على مشكلات الحضارة من خلال رؤية تنطلق من الإسلام، وتستلهم روح العصر والعلم، فاندرجت مؤلفاته التي زادت عن العشرين كتابا كعناوين فرعية لشعاره الكبير “مشكلات الحضارة”.

ولعل روعة الرجل تكمن في أنه سار في درب من الفكر لم يطرقه إلا القليل، وهو ميدان الفكر الحضاري، الذي سبقه فيه العلامة الكبير “ابن خلدون”، إذ كان بينهما عدد من الأفكار المشتركة، وتركز الجهد الفكري لكليهما على القضايا الأساسية التي تشغل الإنسان خاصة المسلم دون الاقتصار على قطر أو إقليم بعينه، لذلك جاءت أفكار مالك عابرة للحدود، وقافزة فوق حواجز الزمن، وفي إطار كلي بعيدا عن التجزئة والتفتيت.

النشأة والتكوين

ولد مالك بن عمر بن الخضر بن مصطفى بن نبي في مدينة تبسة التابعة لولاية قسنطينة بالجزائر في (ذي القعدة 1322هـ = يناير 1905م) في أسرة محافظة متدينة فقيرة، إذ كان والده يعيش في تبسة دون مورد يعيش منه ودون عمل، لذلك انتقل مالك ليعيش مع عمه في قسنطينة، ولم يعد لوالديه إلا بعد وفاة عمه.

وقد تأثر الطفل مالك بحكايات جدته لأمه عن العمل الصالح وثوابه، وشكلت هذه الأقاصيص تكوينا مبكرا لوعيه ووجدانه الديني، كما أثرت في نفسه حكايات جدته والعجائز عن بدايات الاستعمار الفرنسي للجزائر، والفظائع التي ارتكبها الفرنسيون في هذا البلد المسلم.

رأى مالك وسمع عن هجرة كثير من العائلات إلى طرابلس الغرب حتى لا يخالطوا الفرنسيين فرسخ ذلك في نفسه ضرورة مقاومة المستعمر، حتى لو كانت هذه المقاومة سلبية باعتزال نمط حياته، كما رأى ما أحدثه الاستعمار من تغيير لنمط حياة الجزائريين وقيمهم، حيث أشاع ذلك التغيير عددا من الرذائل الخلقية والاجتماعية.

وتأثر مالك بأمه التي كانت تعمل بالخياطة وتجهد نفسها لتسد حاجة البيت، ولاحظ أنها كانت تمسك بكيس النقود الذي كان فارغا دائما، ورغم ذلك فإنها كانت حريصة على تعليم ابنها حتى إنها اضطرت أن تدفع إلى معلم ابنها سريرها الذي تنام عليه بدلا من المال.

قضى مالك في تبسة معظم طفولته، وكانت مدينة أقرب إلى البداوة وذات حضور فرنسي ضعيف، والتحق بمدرسة فرنسية مع استمراره في تلقي الدروس في المساجد، وتأثر بصديق له كان يمتلك قدرة كبيرة في الاستشهاد بآيات القرآن ويضفي على تفسيرها بعدا اجتماعيا، كما شهد في تبسة لجوء الجزائريين إلى الاعتصام بالإسلام وتعلم العربية حتى لا تذوب هويتهم في هوية المستعمر.

وبعد حصوله على الشهادة الابتدائية، انتقل إلى قسنطينة ليكمل تعليمه، وتأثر بمعلمه الفرنسي “مارتان” في تذوقه للقراءة، كما تأثر بمجلة “الشهاب” التي كانت تصدرهاجمعية العلماء المسلمين، برئاسة عبد الحميد بن باديس وتأثر بالمنهج الديكارتي في التفكير الذي بدد سيطرة الخرافة على عقله.

القراءة والتغيير

طالع مالك في تلك الفترة كتابين كان لهما أبلغ الأثر في حياته، هما “الإفلاس المعنوي هل هو للسياسة الغربية في الشرق؟” لـ“أحمد محرم”الشاعر الإسلامي المعروف، و”رسالة التوحيد” للإمام محمد عبدهوساعده هذان الكتابان على رؤية أوضاع العالم الإسلامي في تلك الفترة، كما قرأ كتاب “أم القرى” للكواكبي، وقرأ لعدد من الكتاب الفرنسيين، وكان يتردد على إحدى البعثات التبشيرية الإنجيلية، فتعرف على الإنجيل، وناقش هؤلاء المبشرين في أدق الأفكار، وتعرف –أيضا- على تلاميذ المصلح الكبير “عبد الحميد بن باديس”.

وقد تلازمت هذه الثنائية الثقافية بين الحضارتين الإسلامية والغربية في التكوين الفكري لمالك، وكانت لها انعكاساتها الواضحة في كتاباته بعد ذلك حيث تميزت بالمزاوجة بين المصدرين، بين الانتماء لحضارة الإسلام والرغبة في التطور.

معايشة حضارة المستعمر

سافر إلى باريس وهو في العشرين، ثم عاد إلى الجزائر بعدما عانى البطالة هناك، ثم قرر أن يواصل دراسته في فرنسا؛ فوصل باريس في (جمادى الأولى 1349هـ = سبتمبر 1930م) وكان لتلك الفترة أثرها البالغ على فكره وشخصيته؛ فقد عاش خلالها أطوارا مختلفة من التجارب كان قاسمها المشترك التحصيل العلمي المتعدد الحقول، مع بعض الإسهامات في أنشطة علمية وثقافية، وكان التخصص الذي يطمح إليه هو دراسة الحقوق، إلا أن طلبه رفض في الالتحاق بمعهد الدراسات الشرقية، فاتجه إلى الدراسة العلمية التي تعلم منها الضبط والمنهج التجريبي الاستقرائي في التفكير.

خاض مالك في باريس ناقشات كثيرة في العقائد مع المسيحيين، وتزوج في عام (1350هـ = 1931م) من امرأة فرنسية أسلمت على يديه، وساهمت زوجته في تنمية ذوقه وحسه الجمالي، واستطاع أن يوسع شبكة علاقاته الفكرية والثقافية في باريس، فالتقى هناك بشكيب أرسلان وغاندي، وكان له حضور متميز في أوساط المغاربة والجزائريين حتى لقب بزعيم الوحدة المغربية، كما استطاع أن يقيم جسورا من التواصل والتعارف مع أبناء المستعمرات الأخرى.

تخرج مالك سنة (1354هـ = 1935م) مهندسا كهربائيا، وعاد إلى الجزائر التي اتجهت من زراعة القمح إلى زراعة العنب لكي تصنع منها الخمور للفرنسيين!! وتعجب من بلاده كيف تروي ظمأ سكارى فرنسا وتبخل على أبنائها برغيف الخبز!! لذلك قرر العودة إلى فرنسا سنة (1358هـ = 1939م).

تفرغ ابن نبي في باريس للعمل الفكري، فعمل صحفيا بجريدة اللوموند، وأصدر أول كتبه وهو “الظاهرة القرآنية”، ثم توالت كتبه في باريس، فأصدر كتاب “شروط النهضة” سنة (1369هـ = 1949م)، وكتاب “وجهة العالم الإسلامي” الذي عرض فيه مفهوم “القابلية للاستعمار”، كذلك كتاب “لبيك” و”فكرة الأفريقية الآسيوية”.

القاهرة.. والبحث عن التغيير

كان الذهاب إلى القاهرة أملا يراود ابن نبي ، فقد كانت مصر في تلك الفترة تحتضن قضايا التحرر والعروبة، ورأى فيها أنها إحدى مواقع التغيير الهامة في العالم الإسلامي، وامتدت حياته في القاهرة من (1376هـ = 1956م) حتى (1383هـ = 1963م) نما فيها عطاؤه الفكري في أكثر من اتجاه، واستطاع إتقان اللغة العربية، وحاضر في عدد من الجامعات والمعاهد، وأصبح منزله أشبه بمنتدى فكري يرتاده كثير من المثقفين، وأصدر أول كتاب باللغة العربية بخط يده وهو “الصراع الفكري في البلاد المستعمرة”، ثم كتاب “تأملات في المجتمع العربي” وكتاب “ميلاد مجتمع” و”حديث البناء الجديد” وتم اختياره مستشارا للمؤتمر الإسلامي بالقاهرة.

عاد مالك إلى الجزائر سنة (1383هـ = 1963م) بعد استقلالها وتنقل في عدد من المناصب، جميعها في حقل التعليم، وتركزت كتاباته في تلك الفترة على عمليات التغيير وإعادة البناء الاجتماعي في الدول الإسلامية، وأصدر عدة كتب، منها: “مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي” و”المسلم في عالم الاقتصاد” و”يوميات شاهد قرن”.

ومن أنشطته الهامة ندوته الأسبوعية التي كان يعقدها في بيته، وكان يقصدها الشباب المثقف، ومع استمرار هذه الندوات ونجاحها، وتكريما لشخصية مالك حولتها الجزائر إلى ملتقى للفكر الإسلامي يقام كل عام.

وفي عام (1387هـ = 1967م) استقال من مناصبه، وتفرغ للعمل الفكري، وألقى محاضرة هامة في سوريا عام (1392هـ = 1972م) تحت عنوان “دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين” اعتبرها الكثيرون أنها وصيته للعالم الإسلامي قبل الموت، ولم يطل العمر كثيرا به إذ توفي في الجزائر في (4 شوال 1393هـ = 31 أكتوبر 1973م) وهو في الثامنة والستين من عمره.

في عالم الأفكار

كان مالك بن نبي مفكرا مبدعا، وصاحب نظرية عميقة في البناء الحضاري، وامتلكت أفكاره مكونات القوة بتركيزها على القضايا الأساسية والمحورية في العالم الإسلامي فاهتم بمشكلة الحضارة، والنهضة، والثقافة، والاستعمار، والتبعية، فدرسها في كل مؤلفاته وبكل أبعادها، وأبدع فيها، وطور بعض مفاهيمها، وهذا ما جعله متخصصا في العمل الفكري وصاحب أفكار تتجاوز الحساسيات الطائفية والمذهبية، وتتمتع بالانتشار والقبول، إضافة إلى أن أفكاره غلّبت جانب البناء على الهدم باعتبار أن ذلك هو الأصلح للأمة الإسلامية.

وانطلق مالك من فكرة محورية هي أن أي نهضة مجتمع تتم في نفس الظروف التي شهدت ميلاده، وعلى هذا فإنه إعادة بناء المجتمع المسلم الحديث لا بد أن تنطلق من الفكرة الدينية كأساس لأي تغيير اجتماعي، لهذا كانت الآية الكريمة “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” (الرعد: 11) نقطة ارتكاز هامة في منظومته الفكرية.

فكرة الحضارة

ومن الأفكار الهامة التي عالجها فكرة الحضارة، حيث رأى أن الحضارة أشبه بمعادلة رياضية تتكون من ثلاثة متغيرات هي: التراب، الإنسان، الزمن، والتفاعل بين هذه المكونات الثلاث لا يكون إلا بأيديولوجيا تلعب دور الوسيط الكيميائي بين أطراف هذه المعادلة.

ورأى أن الحضارة إنتاج بشري لذلك فإن التخلف الذي يعيشه المسلمون ينبع في الأساس من داخلهم، ويعود إلى طبيعة تشكيل عقليتهم وشخصيتهم التي ترسبت فيها مفردات الثقافة السلبية، وفرق بين المجتمع الفعال والمجتمع غير الفعال، فاعتبر أن فاعلية المجتمع تنطلق من فاعلية الإنسان لهذا كان يقول: “إذا تحرك الإنسان تحرك المجتمع والتاريخ، وإذا سكن سكن المجتمع والتاريخ”.

وشرط الفاعلية الأساسي عند مالك أن ينظر الإنسان إلى نفسه على أنه صانع التاريخ ومحركه، فالتاريخ نتائج عملية، وليس مقولات نظرية، ورأى أن مشكلة المسلم أنه لا يفكر ليعمل بل يفكر ليقول ويتكلم، وقد أدى ذلك إلى ضياع الاستفادة من المال والوقت والعلم.

الأفكار الميتة والأفكار المميتة

وتحدث عن قضيتين خطيرتين الأولى تعلق بالأفكار الميتة والأفكار المميتة التي تعوق النهضة الإسلامية، ورأى أن الأفكار الميتة تسكن العقول ولا تدفع حاملها إلى أي مجهود أو نشاط، فهي معلومات عقيمة متوارثة، وهي أحد أسباب انحطاط الخط البياني الحضاري للأمة الإسلامية. أما الأفكار المميتة فهي الأفكار التي تقتل الإبداع في النفوس بما لها من قدرة على الإخماد وكبح جماح العقول والهمم.

وهذه الأفكار المميتة تخلق العقلية الاستسهالية وتغيب القدرة التحليلية في فهم المشكلات المعقدة.

القابلية للاستعمار

أما الفكرة الثانية فهي القابلية للاستعمار، وهذا المفهوم يعد من أشهر مفاهيم مالك التي أبدعها، إذ أدرك أن الأمة الإسلامية في خطر، لا لأنها تحت الهيمنة الغربية، ولكن لأنها فقدت كثيرا من الدوافع التي رفعت من شأنها في القرون الماضية، وأصبح موقعها زمنيا في عهد ما قبل الحضارة.

فالقابلية للاستعمار هي جملة خواص اجتماعية تسهل سيطرة الغزاة على الأمة، وتؤدي إلى استمرار الوضع المنحل للحضارة، فهناك مجتمعات تعرضت للاحتلال العسكري لكنها مجتمعات غير قابلة للاستعمار مثل احتلال ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية، وفي المقابل توجد مجتمعات لم تتعرض للاستعمار لكنها قابلة للاستعمار.

وانتقد مالك فرض التسييس للنهضة الاجتماعي، والنظر المتمحور حول دور السلطة في الإصلاح الاجتماعي، ورأى أن هذين الخطأين كانا من أسباب تأجيل عمليات النهضة الاجتماعية.

اقرأ أيضًا:

المراجع:

  • مالك بن نبي – مذكرات شاهد قرن – دار الفكر – دمشق.
  • مالك بن نبي – شروط النهضة – ترجمة عمر مسقاوي وعبد الصبور شاهين – دار الفكر – دمشق – 1979.
  • مالك بن نبي – ميلاد مجتمع – ترجمة عبد الصبور شاهين – دار الفكر – دمشق – 1974.