تدريس العقيدة.. تمكين لا تلقين
محمد أحمين **– 16/12/2004
الدكتور يوسف القرضاوي

شدد فضيلة الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي على أهمية تناول العقيدة وفق منهجية جديدة تقوم على غير منهج التلقين والحفظ والفلسفة وعلم الكلام، بل على منهج يهتدي بالقرآن والسنة، ويجمع بين العقل والنقل، ويستعين بحقائق العلم الحديث، ويخاطب العقل والقلب معا، ويجمع ولا يفرق، ولا يضيق ولا يتشدد في التكفير.

وانتقد تجربة تدريس العقيدة في الجامعات الكبيرة، وعند السلفيين المعاصرين. وأوضح أن مشكلة هذه الأمة في إيمانها المخدَّر الذي لا يتحرك عند الأزمات والشدائد، ولا يقف أمام المبطلين، ولا يقول “لا” للجبارين، مؤكدا أننا بحاجة للإيمان المحرك للوجدان والعقل، وليس الإيمان الجدلي الذي لن يحرك فينا الوجدان للتعاطف مع إخواننا المسلمين الذين يتعرضون للقتل في فلسطين والعراق مثلا.

جاء ذلك في ندوة بعنوان “منهجية القرضاوي في العقيدة” أقيمت مؤخرا بجامعة قطر، أمَّها حشد كبير من الشخصيات الدينية والقضائية والأكاديمية والدبلوماسية والطلابية.

لا لمنهج التلقين في دراسة العقيدة

في بداية الندوة قال فضيلته: “في السابق كانت العملية التدريسية في مجال العقيدة لا تعدو عن كونها عملية تلقينية، وأنا أحد الأشخاص الذين تعرضوا لمثل هذا التدريس، ولكنني كنت أقف ضد ذلك وأعارضه، فمثلا حاولت أن أفهم الفرق بين صفة الحياة وكون الله عز وجل حيا، وأنه سميع وكونه سميعا، وحتى اليوم لم أفهم. كنا في الأزهر نتلقى العقيدة بشكل تلقيني ونحفظ متونا في العقيدة عن ظهر قلب. وظللنا ندرس الجملة الأولى من متن الجوهرة في التوحيد مدة طويلة!! وهذا أمر في واقع الحال لا يفيد بشيء”.

وينتقد الدكتور القرضاوي بعض المنتسبين للسلفية قائلا: “أنا ألاحظ أن بعض السلفيين أيضا يعتمدون على أسلوب التلقين والنقل، فإذا سئل مثلا عن الطاغوت، قال: هو كل ما عبد من دون الله، ولكن تراه مواليا للطواغيت غير منكر عليهم!!”.

ويتابع القرضاوي: “إن هذا الأسلوب التلقيني الذي يعتمد على الحفظ الخارجي لا يعطي مفهوما حقيقيا للعقيدة، ولا يحرك الفكر والوجدان لدى الإنسان. لقد كان الأزهر وغيره من المدارس في السابق يعتمدون أسلوب التلقين في تدريس منظومات لا تفيد شيئا؛ لأنها تعرض قضايا قديمة شغلت الناس في عصر معين مضى؛ لذا كان لزاما علينا اللجوء إلى التجديد والتحديث حتى نتمكن بالفعل من تكوين مفهوم حقيقي للعقيدة وتكوين عقيدة واضحة للمسلم”.

دراسة العقيدة من خلال القرآن

ثم استعرض فضيلة الدكتور القرضاوي ذكرياته خلال الدراسة بجامعة الأزهر بكلية أصول الدين، موضحا أنه كان يحلم وهو في صغره بالالتحاق بهذه الكلية، ورغم تفوقه فيها وحصوله على المركز الأول في السنة النهائية بها، فإنه كان معترضا على المنهج الأزهري في تدريس العقيدة للطلاب، واعتماد طرق وأساليب علم الكلام والفلسفة وحفظ أبيات كثيرة من الشعر فيها، ومناقشة موضوعات فرغ الناس منها وعفا عليها الزمن، فالأقوام الذين كنا نرد عليهم لم يعودوا يشكلون أية مشكلة لدينا.

وقال فضيلته: “إنني أرى أن أفضل أسلوب لتدريس العقيدة الإسلامية ما كان من خلال القرآن الكريم، باعتباره أساس العقائد، وما يبينه من صحيح السنة، وأن نكمل هذا بالعلوم الكونية الحديثة، نثبت بها وجود الله تعالى وصفاته. فإذن لا بد أن نستخدم كلمات القرآن وطرائقه واستدلالاته في تناول العقيدة. ولهذا عندما نشرت كتابي “الإيمان والحياة”، استخدمت كلمة الإيمان مع أنني كنت أنشر المقالات التي جمعتها في هذا الكتاب تحت عنوان: “العقيدة والحياة”، وهذا لا يعني أن هذا المصطلح مرفوض، فالعبرة بالمضامين”.

دراسة العقيدة في ضوء العقل والنقل

وعن دراسة العقيدة وعلاقتها بالعقل والنقل قال الدكتور القرضاوي: “لا بد من اعتماد العقل والنقل في دراسة العقيدة، ومناقشة أعداء الدين بالعقل”. ودلل على أهمية إثبات العقيدة بالعقل بمثالين قطعيين لا جدال فيهما: إثبات وجود الله عز وجل، وإثبات النبوة والوحي. وقال: “العقل يثبت قضيتين هامتين هما وجود ووحدانية الله عز وجل والنبوة، فكيف نؤمن مثلاً أن الله تعالى موجود وأن محمداً صلى الله عليه وسلم هو رسول الله؟ هنا يتدخل عمل العقل الذي يثبت بالأدلة العقلية وحدانية الله ونبوة الرسول-صلى الله عليه وسلم-. لهذا فالأشاعرة يقولون بأن العقل أساس النقل، وأنا مع هذا الرأي، فلا يجوز إلغاء عقولنا. ولكن الغزالي يقول: إن العقل عندما يثبت النقل يعزل نفسه ويصبح متلقيا من النقل، ومع ذلك يبقى العقل أساس فهم النص والنقل”.

وأضاف القرضاوي: “إن الكون والمخلوقات من صنع الله، ولا يمكن أن يأتي كل ما على الأرض مصادفة أو عبثا. ولهذا فالإلحاد وإنكار وجود الله أمر نادر في البشر”.

وقال: “إن الرسالات السماوية أتت بضوابط تحكم مسار الناس، وإن الذين ينكرون وجود الله عبر التاريخ هم قلة لا تذكر، لكن المشكلة لدى الكفار أنهم يشركون بالله، فالتوحيد الذي جاء به الأنبياء جميعا هو توحيد العبادة”.

وأضاف: “أنه قد توجد أمة في التاريخ بدون قلاع أو حصون أو حدود إلى غير ذلك، لكن لا توجد أمة أو مدينة بدون معابد. وهذه المعابد تعددت أشكالها وألوانها واتجاهاتها وشكلت في خارج إطار الدين الإسلامي شركا بالله، وهذا هو الخطر الذي أضل البشرية”.

الاستفادة من الأدلة العقلية في القرآن

ودعا الدكتور القرضاوي إلى الاستفادة من الأدلة العقلية الموجودة في القرآن الكريم، فقد جاء بأدلة عقلية متعددة وكثيرة، تثبت وجود ووحدانية الله عز وجل، مثل: “أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون * أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون” [الطور:35-36]، فكل معلول له علة، فكيف يكون هؤلاء المشركون والكافرون قد خلقوا أنفسهم؟ وكيف يستطيع العدم إنشاء الوجود؟ كما أن السماء والأرض خُلقت قبل الإنسان، فكيف يدَّعون ذلك؟ لهذا لم يدَّعِ مدعو الألوهية مثل النمرود وفرعون أنهم خلقوا السموات والأرض؛ لأنها خلقت قبلهما.

وأشار الدكتور القرضاوي إلى أن هذه المناقشات القرآنية تحتاج إلى الالتفات إليها بالدراسات العقلية، ولا بد هنا من الجمع بين العقل والنقل، وعدم الاعتماد فقط على مسألة النقل والتلقين كما كان الحال سابقاً؛ لأن ذلك لا يفيد الإنسان شيئاً ولا يحرك مدارك الفكر والوجدان.

ولا بد من استخدام العقل في التعامل مع القضايا الدينية، فالله وضع لنا النصوص في كل شيء وهي متناهية، بينما الوقائع غير متناهية، وأي شيء يرفضه العقل لا يقبله الإسلام. لكن نحن للأسف نستسلم حالياً للخرافات التي يجب التخلص منها باستخدام العقل؛ لأن الاستسلام للخرافات أمر في غاية الخطورة على حياة وعقيدة الإنسان. فهناك من يقول إنه سمع أصواتاً من القبور وغير ذلك من الأقاويل التي نسمعها هنا وهناك، ولا تعدو كونها مجرد خرافات دخيلة على العقيدة الدينية. وهنا لا بد لنا من تنزيه العقل عن تلك الخرافات، فديننا ليس بحاجة إليها.

وقال القرضاوي: “أنا شخصيًّا أؤمن بأن نجمع بين العقل والنقل، ولا يوجد أي تناقض بين حقيقة عقلية وحقيقة دينية، نعم قد تتناقض بعض الفرضيات، ولكن الحقائق لا تتناقض، فالحقيقة الدينية هي قول الله، والحقائق العلمية الكونية هي فعل الله، ولا يتناقض قوله مع فعله سبحانه”.

الاستفادة من العلم الحديث في دراسة العقيدة

كما دعا فضيلته إلى الاستفادة من حقائق العلم الحديث في دراسة العقيدة وعرضها. واستشهد هنا بكلام عالم أمريكي هو “كريس موريسون” ألَّف كتاباً يرد فيه على أحد الملحدين الذي قال إن الإنسان يقوم وحده، فرد عليه بأنه لا يمكنه ذلك وحده، وقدم أدلة علمية على ذلك، وقال: إن الإنسان بالتالي بحاجة إلى إله. وتمت ترجمة الكتاب بعنوان (العلم يدعو إلى الإيمان)، فالعلوم تؤكد أن الحياة البشرية لم تكن بالمصادفة. وأشار كذلك إلى أنهم في الغرب كي يثبتوا الإيمان بالمسيحية لجئوا إلى العلوم الكونية لإثبات ذلك، فلماذا لا نستخدم نحن المسلمين أصحاب العقيدة الصحيحة هذه العلوم لإثبات صحة عقيدتنا، وما جاء به القرآن والسنة من نصوص؟ وذكر القرضاوي أيضا نموذجا آخر لكتاب “الله يتجلى في عصر العلم” الذي ألفه 30 كاتبا وعالما أمريكيا، وكل واحد منهم في اختصاصه يؤكد أن العلم يقودنا إلى الله، وكتب أخرى مثل “مع الله في السماء”.

ونوه الدكتور القرضاوي إلى الاعتماد على الحقائق العلمية وليس الفرضيات في الاستفادة من العلم الحديث في تأسيس منهاج عقائدي يقوم على القرآن أساسا، ويستفيد من حقائق العلوم الكونية الحديثة الطبيعية والرياضية والحيوية.

تأسيس العقيدة على اليقين لا على الظنون 

وأشار فضيلة الشيخ إلى أنه لا بد من تأسيس العقيدة على اليقين وليس على الظنون، فالظن لا يغني من الحق شيئاً، وقال: “العقائد الأساسية كوجود الله والآخرة لا بد فيها من نص قاطع للظنون والاحتمالات. ولذلك اختلف أهل العلم في هل يصلح حديث الآحاد لإثبات العقائد؟ وأنا أقول: إن العقائد الأصلية لا بد فيها من نص قاطع، أما العقائد الفرعية كرؤية الله تعالى في الآخرة فلا بأس أن نأخذها بالظن الراجح الموجود في خبر الآحاد. أما رد خبر الآحاد في العقائد مطلقا فغير مقبول ما دام الأمر ليس محالا عقلا. ومن الأحاديث التي توقفتُ فيها مثلا حديث: “إن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء”، فهل جسد نبي الله آدم ونبي الله نوح ما زالا موجودين إلى الآن منذ ملايين السنين؟ إن هذا خلاف القوانين الكونية، وعلى كل حال فالحديث ليس في الصحيحين، فلهذا توقفتُ فيه”. وسئل فضيلته عما إذا كان هذا ينطبق على محمد صلى الله عليه وسلم، فأجاب سماحته بأن محمدا صلى الله عليه وسلم قد تكون له خصوصية.

مخاطبة العقل والقلب معا

وتابع القرضاوي: “إن الإيمان الذي نريده هو الذي يخاطب العقل والقلب؛ لأن الإنسان عقل وروح، لهذا لا بد من مخاطبتهما معا. ومشكلة الأمة أن عندها إيماناً، ولكنه مُخدّر لا يتحرك عند الأزمات والشدائد؛ لأننا لا نفهم الإيمان جيدا، فليس الإيمان بالتمني، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل. كما لا بد من التحرر من الخرافات التي عصفت بالكثير من الناس، مثل بعض الصوفية التي يمكن أن نسميها الصوفية المرتزقة أو المخالفة. فنحن بحاجة للإيمان المحرك للوجدان والعقل وليس الإيمان الجدلي فالإيمان الجدلي لن يحرك فينا الوجدان للتعاطف مع إخواننا المسلمين الذين يتعرضون للقتل في فلسطين والعراق مثلاً.

نريد الإيمان الذي يجمع ولا يفرق

كما حث الدكتور الشيخ القرضاوي على ضرورة اتباع الإيمان الذي يجمع الأمة ولا يفرقها قائلا: “نحن نريد الإيمان الذي يجمع ولا يفرق، ولا نريد أن نخرج جمهور الأمة من الإيمان. وأنا من المتشددين في قضية التكفير، وأرى أنه ينبغي أن نقتصد في التكفير، ولا نكفِّر إلا من ثبت كفره بيقين، فالأصل أن كل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فهو مسلم.

وتابع القرضاوي: “إن منطق بعض الناس في التكفير يكون بلا ضوابط ولا حدود، وهذا يؤدي إلى الغلو، وينبغي الاقتصاد فيه إلا من ثبت كفره بيقين، فلا بد أن نحسن الظن بالمسلمين ونحمل حالهم على الصلاح. ولذا فأنا لا أكفر الشيعة إلا الغلاة منهم، ولا العلمانيين؛ فكيف نكفر أحدا وهو يصلي ويصوم ويقول: “أشهد أنه لا إله إلا الله”.

وأضاف فضيلته: “نحن نكفر غير المسلمين، سواء كانوا مسيحيين أو يهودا، كما أنهم يكفرون المسلمين”، موضحا أن من لم يؤمن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فقد كفر، بشرط أن تبلغه الرسالة بلوغا صحيحا، فنصف العالم يعيشون ويموتون وهم لم يسمعوا عن الإسلام شيئا وبعضهم بلغه بلوغا مشوها فقط.

هل النار أبدية؟

وعرج فضيلته في ختام الندوة العلمية على الحديث عن أبدية النار، وقال: هي قضية فرعية أثيرت، ومن قضايا الدين المهمة التي يتساءل عنها الناس، واستشهد حولها برأي عالمين جليلين هما: ابن القيم، وابن تيمية، اللذان ذكرا أن النار ليست أبدية، وستنتهي بعد زمن، وأن ابن القيم استشهد بثلاثة أدلة في سور الأنعام وهود والنبأ، واعتمد أيضا على ما جاء به بعض السلف في تعذيب الناس في قبورهم.

وعن رأيه في أبدية النار قال: “إنني أميل إلى الألوهية الرحيمة، فالنار ستفنى بعد زمن، وهذه من رحمة الله وقوته وبره، فماذا سيصنع الله عز وجل ببشر يعذبهم لمئات وألوف السنوات، وما الحكمة في ذلك؟ وإنني أرى أن الألوهية الرحيمة وسعت كل شيء. وأنا قلت ما قلت خشية أن يطعن في الألوهية الرحيمة بمطعن”.

وأوضح د. يوسف القرضاوي أن آية “إن ربك فعال لما يريد” تبين عدم الجزم ببقاء النار، ولا بفنائها، إنما هو أمر متروك لألوهيته عز وجل وتبارك شأنه.

اقرأ أيضا:

** كاتب مغربي مقيم بقطر