قد يكون الموت نتيجة مباشرة لهتك الأسرار

1 – السر وإفشاؤه في اللغة:

السر مفرد الأسرار، وهو ما يكتم. والسريرة مثله، فقد قال الله تعالى: “يوم تبلى السرائر” (الطارق :9): أي يوم القيامة تُختبر الأسرار وتنكشف. وهو ما يُسر في النفوس من المقاصد، والاعتقادات وغيرها، فيعرف الحسن من القبيح. ويُقال: أسررت إلى فلان إسرارًا، وساررته إذا أعلمته بسرك. وأسرار الكف: الخطوط بباطنها.

وهناك قول الله تعالى: “يعلم السر وأخفى” (طه:7)، والسر ما حدَّث الإنسان به غيره وأسرَّه إليه، والأخفى من السر ما حدَّث به المرء نفسه وأخطره بباله من غير أن يخبر أحدًا، إلا أنه أشد الأسرار خفاء.

وإفشاء السر ونشره وإظهاره نقيض الحفظ والكتمان. وكل شيء انتشر فقد فشا، ومنه فشو الحبر في الورق، وفشت الأنعام ترعى: أي انتشرت؛ ولذا تسمى السائمة: الفاشِية.

2 – صور من الكتمان:

حفلت أصول التشريع الإسلامي، وعلى إثرها آثار الصالحين من السلف بعدد كبير من المأثورات التشريعية حول أمانة كتمان السر وعدم إفشائه، وما يرتبط به من أخلاقيات ينبغي على كل مسلم خلوق أن يتحلى بها. ومن تلك الآثار نتخير ما يلي:

أ – قال الله تبارك وتعالى: “وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرَّف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير* إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير” (التحريم: 3،4).

والمتظاهرتان عليه في هذه الآية هما أما المؤمنين عائشة وحفصة (رضي الله تعالى عنهما)، حيث أسر النبي إلى إحداهما أنه حرّم على نفسه العسل، وقيل: إنه حرّم على نفسه جاريته مارية، فأفشت سره للأخرى، فأنزل الله تعالى الآيتين، وجعل إفشاءهما لسر النبي (صلى الله عليه وسلم) جرمًا ينبغي المسارعة إلى التوبة منه. وهكذا أدبهما الله تعالى بهذا الأدب الجم أحسن تأديب.

ب – وعن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) أن عمر بن الخطاب (رضي الله تعالى عنه) حين تأيمت حفصة (رضي الله عنها): أي مات عنها زوجها، قال عمر: أتيت عثمان بن عفان، فعرضت عليه حفصة. فقال: سأنظر في أمري. فلبث ليالي، ثم لقيني، فقال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا. قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق، فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع شيئًا. وكنت أوجد عليه مني ومن عثمان. فلبثت ليالي، فخطبها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر، فقال: لعل وجدت عليّ حين عرضت عليّ حفصة فلم أرجع إليك شيئا؟ قال عمر: قلت: نعم. قال أبو بكر: فإني لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليَّ إلا أني كنت علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد ذكرها، فلم أكن لأُفشي سر رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ولو تركها قبلتها” (أخرجه البخاري). وفي رواية أحمد “وكان سرًا فكرهت أن أفشي السر”.

قال ابن حجر: يُستفاد منه عذر أبي بكر (رضي الله تعالى عنه) في كونه لم يقل كما قال عثمان (رضي الله تعالى عنه): قد بدا لي ألا أتزوج.

جـ – وكان الخليفة الفاروق (رضي الله تعالى عنه) يختص المتميزين من الصحابة بالعلم والإيمان والرأي فيختارهم ليكونوا أهل شوراه، وأدخل عبد الله بن عباس (رضي الله تعالى عنهما) على صغر سنه، فجعله من المقربين إليه. فقال له أبوه العباس (رضي الله تعالى عنه): “إني أرى هذا الرجل قد اختصك بمجلسه، فاحفظ عني ثلاثاً: لا تفشيَنَّ له سراً، ولا تغتابن عنده أحداً، ولا يجرِّبنَّ عليك كذبًا” فقال رجل للشعبي: كل واحدة منهن خير من ألف. فقال: بل كل واحدة منهن خير من عشرة آلاف.

د – قال أنس بن مالك (رضي الله عنه): “أسرَّ لي النبي (صلى الله عليه وسلم) سرًا فما أخبرت به أحدًا بعده، ولقد سألتني أم سليم فما أخبرتها به” (أخرجه البخاري ومسلم). وأم سليم هي أم أنس بن مالك. وفي رواية أنها “سألت أنسًا عن حاجة النبي (صلى الله عليه وسلم) التي أرسل فيها فقال: إنها سر. فقالت: ألا تخبر بسرِّ رسول الله أحدًا. وفي رواية أن أنسًا قال لثابت البناني (تلميذه): والله لو حدّثت به أحدًا لحدثتك يا ثابت.

3 – تحميل الأسرار:

الأولى بالعاقل أن يكون سره وعلانيته سواء، فلا يفعل في غيبته عن الناس ما يسوؤه أن يطلع عليه الناس؛ لأنه وأن غاب عنهم فإن الله شهيد عليه. ولا يضمر في قلبه ضغينة لأحد من المسلمين تحمله على أن يسيء القول. وأن يعلم أن سره ما دام بين حنايا صدره فهو أمير نفسه، فإن اطلع غيره على سره خرج الخيار من يده وأصبح الخيار لغيره.

وأن لم يكن له بد من أن يحمِّل أحدًا سره، فلا يبثه إلى كل أحد، فإنه كما قيل: لسان العاقل في قلبه، وقلب الأحمق في فمه.

فيختار من يحمِّله سرَّه اختيارًا، بأن يكون عاقلاً ثقة أمينًا. وليكن شخصًا واحدًا إن أمكن ولا أكثر، فإن انتشر السر عرف الذي نشره هو صاحبه هذا بعينه؛ لأنهم إن كانوا أكثر ضاع السر، كما قال الشاعر:

وسرُّك ما كان عن امرئ *** وسـر الثلاثة غير الخـفي

4 – بين حفظ السر وستر العورة:

في حديث ابن عمر (رضي الله عنهما) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه كان يدعو بهذا الدعاء: “اللهم استر عورتي، وآمن روعتي” (أخرجه أبو داود والنسائي). وفي حديث أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه) قال: قال النبي (صلى الله عليه وسلم): من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة” (أخرجه الشيخان). وفي حديث أبي برزة الأسلمي (رضي الله تعالى عنه) قال: قال النبي (صلى الله عليه وسلم): أي للمنافقين: “يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه: لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من يتبع عورة مسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه الله ولو في جوف بيته” (أخرجه أحمد وأبو داود).

والعورة ما يُستقبح ظهوره للناس حسيًا كان، كالعورة المغلظة والتشوهات الخِلقِية، أو معنوياً كسيئ الأفعال والأقوال والأخلاق. ثم إن كانوا يجهلون منك فهو سر وعورة. وإن كانوا يعلمونه فهو عورة وليس بسر. وقد لا يكون السر عورة وإن كان صاحبه يكره إظهاره، كصدقة السر وصلاة السر.

5 – فضل كتمان السر:

إن كان السر مما يقبح ظهوره للناس فهو عورة كما تقدم، وفي حفظه فضل ستر العورة على المسلم. وقد تقدّم الحديث: “من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة” (رواه البخاري). وهو حق من حقوق كل مسلم على أخيه.

وفي السنة قصة ماعز الذي اعترف بالزنا، فأقام النبي (صلى الله عليه وسلم) الحد عليه بالرجم: أن هزالاً الأسلمي هو الذي قال لماعز: ائت النبي (صلى الله عليه وسلم) فأخبره بما صنعت. وفي الحديث أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “يا هزال لو سترته بثوبك لكان خيراً لك”. (أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم).

وقال أبو بكر (رضي الله عنه): “لو لم يجد للسارق والزاني وشارب الخمر إلا ثوبي لأحببت أن أستره عليه” (أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة).

وإن لم يكن السر عورة فإن المحافظة عليه من كمال المروءة، وكمال الأمانة وقوة الإرادة. ومن هنا الحكمة المشهورة: “صدور الأحرار قبور الأسرار”. فالحر المسيطر على إرادته يموت السر في قلبه، أما الذي هو عبد لهواه فإن السر لا يزال يختلج في صدره ويضطرب حتى يخرج ويتعالن.

وحفظ الأسرار لدى أهل الإيمان من كمال الإيمان، لحديث أنس (رضي الله تعالى عنه)، عن النبي (صلى الله عليه وسلم): “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” (أخرجه البخاري ومسلم). قال الغزالي: “لا شك أنك تنتظر من أخيك أن يستر عورتك، ويسكت عن مساوئك وعيوبك، ولو أنك ظهر لك من أخيك نقيض ما تنتظره منه اشتد غيظك وغضبك عليه، فما أبعدك أن كنت تنتظر منه ما لا تضمره له ولا تعزم عليه لأجله، وويل لمن يفعل ذلك في نص كتاب الله؛ حيث يقول الله جل وعلا في سورة المطففين: “ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون” (المطففين :1-3).

وفضل حفظ الأسرار التي يكون في كشفها قبح ومساءة فيه أحيانًا معنى إقالة العثرة، والمعونة على استقامة من وقعت منه الزلة: “أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود” (أخرجه أبو داود وأحمد). ورُوي عن عقبة بن عامر (رضي الله تعالى عنه)، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من رأى عورة فسترها فكأنما أحيا موءودة” (أخرجه أحمد).

6 – أحكام كتمان السر:

الأولى بمن حمل السر لغيره أن يمحوه من قلبه، وأن يوحي لنفسه أنه قد أمات ذلك السر حتى كأنما لم يسمع به، أو سمع به ونسيه، فذلك أدعى إلى أن يخفيه من أن يرى أنه سيبثه في فرصة آتية. ثم أن سُئِل عن السر فليتجاهل أنه يعرفه، فإن عزم عليه فرأى أن قال إنها أمانة ولن أخبر بها أكتفي منه، فليقل ذلك. وإن رأى أن ذلك يزيد السائل ضراوة ويحفزه على متابعة الكشف، فليترك ذلك القول وليلتمس أن يستعمل المعاريض، وقد رُوي عن عمران بن حصين (رضي الله تعالى) عنه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب” (أخرجه البيهقي وابن السني). والتعريض: التورية.

ثم إن لم يتيسر التعريض، واضطر إلى الجواب فقد قال بعض العلماء: إن له أن ينكر إن كان حمل السر على سبيل الأمانة، أو يخاف على صاحب السر الضرر في نفسه وأهله وماله بغير حق فله أن يكذب. وإن استحلف فله أن يحلف على الكذب. والإثم على من اضطره ذلك بغير حق.

قال ابن حجر الهيثمي: الكذب قد يُباح وقد يجب. والضابط – كما في الإحياء – أن كل مقصود محمود لا يمكن التوصل إليه إلا بالكذب فهو مباح، وإن كان واجبًا وجب الكذب، كما لو أن معصومًا اختفى من ظالم يريد قتله وإيذاءه. فالكذب هنا واجب، أو سأل الظالم عن وديعة يريد أخذها، فيجب الإنكار وإن كذب. بل لو استحلفه لزمه الحلف، ويورِّي، وإلا حنث ولزمته لكفارة، ولو سأله السلطان عن فاحشة وقعت منه سرًا: كزنى أو شرب خمر فله أن يكذب ويقول: ما فعلت. وله أيضا أن ينكر سر أخيه. ثم قال: ينبغي أن يقابل مفسدة الكذب بالمفسدة المترتبة على الصدق، فإن كانت مفسدة الصدق أشد، فله الكذب، وإن كان العكس أو شك يحرم الكذب.

ثم استشهد لصحة ذلك بما رُوي عن أسماء بنت يزيد رضي الله تعالى عنها أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “لا يصلح الكذب إلا في ثلاث: كذب الرجل مع امرأته لترضى عنه، أو كذب في الحرب فإن الحرب خدعة، أو كذب في إصلاح ذات بين الناس” (أخرجه أحمد والترمذي).

ولنا فيما قاله الغزالي وأقره ابن حجر الهيثمي توقُّف، فليست كل مفسدة تترتب على الصدق يُباح بها الكذب، وليس كل مصلحة محمودة تتوقف على الكذب تبيحه، فإنه ما من كاذب إلا ويرى أن في الكذب مصلحة له أو درء مفسدة عنه أو عن غيره. والنبي (صلى الله عليه وسلم) أخرج كلامه مخرج الحصر عندما قال: “لا يصلح الكذب إلا في إحدى ثلاث: الرجل يصلح بين الرجلين، وفي الحرب، والرجل يحدث امرأته” (رواه الترمذي).

وليحذر حامل السر ممن يستدرجه للإفضاء بمضمون السر من حيث لا يشعر، فإن للناس في ذلك أساليب لا تخفى على ذوي الفطنة.

7 – من يستحق الستر عليه ومن لا يستحق:

قال الحليمي في كتابه: “المنهاج في شعب الإيمان”: “الستر يكون في الفواحش التي لا تخرج من الملة، فأما إذا سمع مسلمًا يتكلم بكلام الكفر، فعرف به أنه من النافقين، فلا ينبغي أن يستر عليه .. وليعلم المسلمون أنه خارج من جملتهم، ولئلا يغتروا بما يظهره لهم، فيُنكحوه، أو يأكلوا ذبيحته، أو يصلوا خلفه، أو يوصي أحد منهم إليه بولاية أطفاله. ولأن من أظهر الكفر زالت حرمته، فإن الحرمة فيما أوجبنا ستره إنما لدين المتعاطي له، فإذا لم يكن دين فقد زالت العلة (المنهاج: 3/364). والله أعلم.

وواضح أن هذا الأمر يكون فيما كان من الأسرار من قبيل ستر العورات. أما إن كان من قبيل حمل الأمانة فإن الخيانة تجوز، ولو كان من حمَّلك الأمانة زنديقاً، إن التزمت له بحفظها.

تابع معنا بقية ملفات الدراسة: