أ.د. عباس أحمد الباز

دكتوراه في الفقه وأصوله – جامعة الكويت

من المصطلحات الشائعة ذات الصلة بموضوع المال الحرام والمال المكتسب بطريق غير مشروع مصطلح “تبييض المال الحرام” أو “غسل المال الحرام”، وقد يُطلق عليه “غسيل المال القذر”.

وقد شاع هذا المصطلح في أمريكا وأوروبا أكثر من شيوعه في البلاد العربية والإسلامية؛ لما تتمتع به دول أمريكا وأوروبا من خصوصية اقتصادية، ولأن مثل هذه العملية تحتاج إلى اقتصاد متطور لتحقيق أكبر قدر ممكن من الربح.

والغرض من دراسة هذه العملية ليس بيان الموقف الشرعي منها بقدر ما هو بيان وعرض لمشكلة لها ارتباط بموضوع المال الحرام؛ ذلك أن الذي يقوم بهذه العملية هم أفراد في عصابات إجرامية لا تهدف من وراء هذه العملية تقديم أي نفع للأمة أو الوطن، وإنما تهدف إلى الحصول على مكاسب خيالية بأساليب خارجة عن القانون. وأنا لست معنيًّا هنا بإبداء رأي شرعي في هذه المسألة، مع أن الرأي الشرعي والقانوني فيها واضح، وسيظهر ذلك للقارئ بعد عرض ما يتعلق بهذه العملية من معلومات، وبعد بيان الموقف الاقتصادي والقانوني منها.

اقرأ حول هذا الموضوع:

مفهوم غسل المال الحرام

رافق قيام الجريمة المنظمة وانتشار عصابات الإجرام قيام نشاطات اقتصادية واسعة غير مشروعة من قبل هذه العصابات، حيث تحصل هذه العصابات على أموال طائلة عن طريق نشاطاتها الإجرامية.

ولما كان كسب المال عن طريق النشاط الإجرامي محظورًا، فإن الدولة التي يقع فيها مثل هذا الأمر تلجأ إلى محاربة العصابات الإجرامية ومطاردتها لمنعها من الاستمرار في ممارسة أعمالها الإجرامية. ولكي تفلت هذه العصابات من هذه المطاردات، خاصة تلك المطاردات التي تتمكن الدولة من خلالها بالاستيلاء على أموال هذه العصابات، وتجميد أرصدتها، فإنها تلجأ إلى نقل أموالها المكتسبة من مصادر حرام، من أماكن اكتسابها وحيازتها، إلى أماكن أخرى خارج الدولة، حيث يتم توظيف هذه الأموال في مشاريع إنتاجية ومرافق اقتصادية، دون أن تعلم الدولة التي دخلتها هذه الأموال أن هذه الأموال مصدرها حرام أو مخالف للقانون، حيث إن العنصر الأساسي في هذه العملية هو إخفاء مصدر هذا المال الذي دخل في مشروع اقتصادي، ولذلك تُعرَّف عملية تبييض المال الحرام أو غسيل المال القذر بأنها: “عملية من شأنها إخفاء المصدر غير المشروع الذي منه الأموال”.

ولما كانت هذه العملية تقوم على السرية المطلقة، فإن عصابات الإجرام وجدت في المصارف المكان الأنسب للقيام بعمليات تبييض المال الحرام وغسيله؛ نظرًا لما تتمتع به المصارف من حرص دائم على السرية الكاملة فيما يخص الودائع التي تدخل إلى خزانتها، وترفض تقديم كشف حساب أو إظهار رقم لرصيد المتعامل معها، وهذا بدوره شجَّع عصابات الإجرام على وضع مثل هذه الأموال في مصارف عالمية على شكل ودائع ادخارية تحقق أرباحًا بفوائد ثابتة.

فكأن هذا المال الآتي من مصدر غير مشروع إذا أُدخل في عمل يُقِرُّه القانون ويأذن به تحوَّل من مال حرام قذر إلى مال نظيف، كالثوب المتسخ الذي يحمل القذر إذا وُضع في الماء النظيف أصبح نظيفًا وزال عنه القذر، ولهذا أطلق الاقتصاديون على هذه الظاهرة اسم تبييض المال الحرام أو غسيل المال القذر.

مصادر المال الحرام الذي يخضع للتبييض:

من الحقائق المسلمة في الدول التي ينتشر فيها كسب المال بطريق غير مشروع أن هناك نسبة كبيرة من الأموال التي تخضع لعملية الغسل والتبييض بعد حيازتها من طريق يحظره القانون تأتي عن طريق الاتجار غير المشروع في العقاقير المخدرة على المستوى العالمي؛ نظرًا لما تُدِرّه هذه التجارة من ملايين الدولارات سنويًّا تذهب كلها إلى جيوب قادة العصابات الإجرامية، وقد وجدت عصابات الإجرام المنظم أن في هذه التجارة إكسير الحياة لمؤسساتها الإجرامية، حيث أصبح هذا النشاط الآثم قاسمًا مشتركًا بين مؤسسات الجريمة المنظمة، وهو ما أدى إلى قيام تحالفات إستراتيجية بين هذه المؤسسات الإجرامية على نطاق واسع في الدول التي تشتهر بعمليات تبييض المال الحرام: كروسيا، وإيطاليا، والدانمارك، وتركيا.

وتبييض الأموال غير المشروعة لا يشمل الأموال المتحصلة من تجارة المخدرات والعقاقير المحرمة فحسب، بل يمتد ليشمل عائدات الجريمة كلها، ومنها الأموال الناتجة عن الجرائم الخطيرة، مثل جرائم السطو، والاختلاس، والابتزاز، والخطف، وسرقة الآثار والمقتنيات الفنية، وعمليات التزوير الواسع النطاق للنقود والعملات، وكذلك تشمل عمليات تبييض المال الحرام الأموال المحرمة التي تنشأ عن جرائم الدعارة، والفجور، والميسر.

حيث تشير التقديرات إلى أن نصف مجموع هذه العمليات مصدره تجارة المخدرات غير المشروعة، أما النصف الآخر فمصادره متعددة ومتنوعة، مثل: أعمال الاحتيال والتزوير، وسرقة السيارات، وما شابه ذلك.

كما أن تهريب الأسلحة يعتبر مصدرًا مهمًّا للحصول على المال الحرام، فإذا تم جمع هذه الأعمال الإجرامية، فإنها تشكل في النهاية فئة كبيرة من النشاطات التي ينشأ عنها المال الحرام.

كمية المال الحرام التي تُغسل في العالم:

أصبحت عوائد المال الحرام تشكل عبئًا ثقيلاً على الدول، وأصبحت الدول تنظر إلى العمليات التي يتم من خلالها تبييض المال الحرام على أنها من المحظورات القانونية والاقتصادية التي ينبغي ملاحقتها ومنعها.

ومما تعترف به الدول في هذا الموضوع أيضًا صعوبة تقدير الكمية الحقيقية للأموال الحرام التي تخضع لعمليات التبييض والغسل؛ لأن هذا من قبيل العمل الإجرامي، والعمل الإجرامي لا ينجح إلى إذا كان سريًّا مستترًا بعيدًا عن المراقبة، وبعيدًا عن أعين الناس.

فعلى الرغم من التنسيق المتزايد بين الأجهزة السرية في العالم التي تختص في مكافحة الجريمة والمجرمين، فإن هذه الأجهزة لا تملك خريطة كاملة عن حركة الأموال القذرة التي يعتقد أنها تمثل أرقامًا خيالية، حيث أُعلن في آخر مؤتمر لمكافحة الجريمة المنظمة في العالم الذي عقد في فيينا عاصمة النمسا أن “المافيا” الإيطالية تحصل على أرباح تزيد عن ثلاثمائة مليار دولار من بيع المخدرات. وهناك إحصائيات وتقديرات أولية تشير إلى أن حجم الأموال القذرة التي تخضع لعملية الغسل يقدر بمائة مليار دولار داخل الواليات المتحدة الأمريكية، وثلاثمائة مليار دولار في مختلف أنحاء العالم. ويقدر خبراء اقتصاديون آخرون أن كمية المال القذر المتداول الآن في العالم يبلغ حوالي ستمائة مليار دولار.

وبتقدير الخبراء الاقتصاديين، فإن هذه الأرقام تعني أن دخل الجريمة المنظمة يشكِّل أكثر من ثلث الناتج القومي لكل دول العالم، حيث يستخدم جزء من هذا الدخل في التأثير على ضعاف النفوس من العاملين في أجهزة مكافحة الجريمة، وفي تسهيل القيام بالعمليات الإجرامية من خلال إغلاق العيون وصم الآذان بعد ملء الأفواه بالنقود. كما تستغل هذه الأموال في إظهار كبار المجرمين في بعض الأحيان بمظهر الأبرياء الذين يقدمون العون والهبات لدور العلم والعبادة والعلاج وملاجئ الأيتام وكبار السن.

آثار عمليات غسل المال الحرام

الذي أثار العالم في العقدين الأخيرين من هذا القرن هو ضخامة حجم هذه الأموال الناتجة من عملية تبييض الأموال الناشئة عن الجريمة التي أصبحت تستخدم في تقوية وتدعيم مؤسسات الجريمة المنظمة، وفي ضرب الأنشطة المالية المشروعة، وفي الفساد والإفساد؛ ولذلك شعرت الدول بالمساوئ والآثار السلبية التي تنشأ عن عمليات غسل المال القذر، حيث لم يقتصر ضرر هذه العملية على الناحية الاقتصادية، بل تعداه إلى الناحيتين السياسية والاجتماعية؛ ولذا كان من الضروري البحث عن هذه الأموال ورصدها، واتخاذ الإجراءات القانونية لتجميدها ومصادرتها، وتحويلها من سلاح في يد العصابات إلى سلاح يُستخدم ضدها.

وقد أمكن استخلاص جملة من الآثار السلبية التي تنجم عن عمليات تبييض المال القذر وغسله، تشكِّل في مجملها القوة الدافعة للدول للاستمرار في مطاردة عصابات الإجرام التي تسعى إلى القيام بعمليات غسيل المال الحرام، حيث تتلخص هذه الآثار والمساوئ في الأمور التالية:

أ – إن عمليات تبييض المال الحرام تؤدي إلى انتشار الجرائم، وتؤدي إلى زيادة عدد المجرمين؛ بسبب التحالفات التي تخلقها هذه العملية بين العصابات الإجرامية في البلاد التي تنتشر فيها عمليات تبييض المال الحرام. فقد عُقد مؤتمر في إيطاليا في الفترة من 18 – 20 حزيران سنة 1994م، نظمه المجلس الاستشاري الدولي العلمي والفني، بالتعاون مع حكومة إيطاليا، وتحت رعاية فرع الأمم المتحدة لمنع الجريمة. وقد كشف هذا المؤتمر عن بعض الحقائق المتعلقة بعصابات الإجرام التي تقوم بعمليات تبييض المال الحرام، ومن هذه الحقائق أن هذا النشاط الآثم أصبح قاسمًا مشتركًا بين مختلف مؤسسات الجريمة المنظمة وتشكيلات إجرامية لا ترقى إلى مستوى التنظيم المؤسسي، مثل تحالف كارتل كالي، والمافيا الصقلية، وتحالف المافيا الروسية، وتشكيلات إجرامية باكستانية، ودانماركية، وتركية، وهولندية.

ب – إن عمليات تبييض المال الحرام تتم في العادة خارج حدود البلد الذي أخذت منه؛ خشية انكشاف أمرها ومصادرتها؛ وهو ما يؤدي في النهاية إلى إخراج الأموال الطائلة والمبالغ الكبيرة، ومن ثَم حرمان البلد وأهله من هذه المبالغ الطائلة من الأموال التي لو اكتسبت بوسائل مشروعة لكانت رافدًا للحركة الاقتصادية في البلد، ولما خرجت من داخل حدود البلد.

ج – إن عمليات تبييض المال الحرام تؤدي إلى إثراء المجرمين بسبب غير مشروع، وتجعل من هؤلاء أصحاب رؤوس أموال طائلة يسخِّرونها في العمليات الإجرامية، وفي الاستمرار في السلوك المنحرف الخارج على القانون.

د – كما أن عمليات تبييض المال القذر تؤدي إلى تمكن عصابات الجريمة المنظمة من التفوق في المنافسة على المؤسسات التي تمارس أعمالاً مشروعة، بحكم تركز الثروة ورأس المال في أيديها، وهذا يؤدي إلى إخراج مؤسسات الأعمال المشروعة والنظيفة من السوق بالإفلاس نتيجة عدم قدرتها على المنافسة.

ويُذكر في هذا المجال أن بنك الاعتماد والتجارة الدولية الذي كان قائمًا قبل أن يعلن إفلاسه عام 1991م كان من أكبر البنوك العالمية، حيث كان ينتشر في أكثر من مائة وستين دولة في القارات الخمسة وبلغت موجوداته وودائعه ما يزيد عن تسعة بلايين دولار أمريكي، وكان ترتيبه السابع بين البنوك في العالم، وقد تعرَّض هذا البنك لأكبر عملية احتيال وغسيل للأموال القذرة عرفها النظام المصرفي العالمي حتى الآن، أدت إلى إعلان إفلاسه وتصفيته وخروجه من السوق.

هـ – ومن الآثار السلبية التي تنشأ عن استمرار عمليات غسل المال الحرام، زعزعة الأمن الاجتماعي داخل المجتمع، وانتشار الابتزاز، وعمليات السطو المسلح، وقتل الناس، وأخذ أموالهم؛ وهو ما يجعل المجتمع ساحة إجرام، ويفقد أفراده عنصر الأمان والطمأنينة التي هي غاية كل إنسان في كل الأوطان والبلدان.

و- والمسألة الأكثر خطورة التي تنشأ عن عمليات تبييض المال القذر أن هذه العمليات تؤدي إلى انتقال القوة الاقتصادية في الدولة إلى أيدي العصابات الإجرامية، والقوة الاقتصادية بفعل نفوذ وسيطرة رأس المال على المشاريع داخل البلد، وهذه القوة الاقتصادية يمكن تحويلها إلى قوة سياسية مسيطرة تحكم وتتحكم في كل مقدرات البلد؛ ومن ثَم يُصبُّ النفوذ السياسي داخل الدولة في أيدي عصابات الإجرام، حيث يعزو خبراء الاقتصاد السبب أو الأسباب التي من أجلها تتم محاربة غاسلي الأموال القذرة إلى جملة من الأسباب أهمها: أن هذه العمليات تهدِّد المنظومة الدولية الموحَّدة للمؤسسات المالية، كما أنها تعمل على إفساد القادة، وتؤدي إلى زعزعة الاستقرار السياسي في الدولة؛ لهذا تبذل دولة مثل كولومبيا جهودًا مضنية لتخليص مؤسساتها السياسية والمالية من النفوذ الضخم لمافيا المخدرات التي تلجأ إلى غسل أموالها في كولومبيا.

لذلك وجدت الدول التي تمارس فيها عمليات تبييض المال الحرام نفسها أمام هذه المساوئ التي تنشأ عن هذه العملية مُضطرة إلى مكافحتها بالقوة، واتخاذ الإجراءات الرادعة للتخفيف من نشاط العصابات الإجرامية في هذا المجال والقضاء عليها؛ لهذا اتخذت سبل مكافحة غسيل المال الحرام شكلاً دوليًّا فرض على الدول أن تتوحَّد في مواجهة هذه العصابات كي تنجح في مكافحتها.

الموقف الدولي من عمليات غسل المال الحرام

ظهر فيما مضى أن الاحتيال بغسل المال الحرام عن طريق استثماره في مشاريع مباحة هو نوع من الجرائم الاقتصادية التي تلاقي معارضة من كافة الدول. وقد أخذ هذا النوع من الاحتيال يتنوع عالميًّا مع تقدم استخدام الأساليب الفنية الأكثر تقنية في الأجهزة المصرفية في العالم، حيث لم تَعُد هذه الجريمة تخص دولة بعينها، بل هي قضية عالمية؛ لأن الأموال التي تنشأ عن الجريمة تتحرك عبر الدول سعيًا وراء التمويه والاستثمار الجيد، بعيدًا عن احتمالات الضبط والمصادرة؛ مستفيدة من الثغرات القائمة في التشريعات الوضعية والإجراءات القانونية المنفذة لها.

ومن ثَم فإن الإرادة الجماعية للدول والرغبة الصادقة في التعاون الدولي ضرورية لمحاربة هذه الجريمة. فهناك توافق متنامٍ في العالم، يدفع بقوة نحو اتخاذ خطوات سريعة لمعالجة هذه المشكلة، وقد اتخذت سبل المكافحة لهذه الجريمة شكل المكافحة القانونية وشكل المكافحة الاقتصادية، وبخاصة في الدول النامية التي هي محط أنظار عصابات تبييض الأموال الحرام. فمثل هذه الدول التي تمر اقتصادياتها في مراحل الانتقال والتغير نحو الازدهار والتقدم تكون الفرصة سانحة لتبييض الأموال فيها واستثمارها في مشروعاتها المتعددة؛ وهو ما يحتم على هذه الدول أن تصدر التشريعات، وأن تسن القوانين التي تجرِّم من يقوم بعمليات تبييض الأموال الحرام داخل حدودها. وكذلك ينبغي عليها أن تصدر القوانين التي تسمح بالكشف عن أصحاب رؤوس الأموال التي توضع في مصارفها إذا وقع الشك في مصدر هذه الأموال.

وللمرة الأولى تشرك الدول الأوروبية الأكثر تطورًا والأكثر تضررًا بهذا العمل موظفين كبارًا من أجهزة الأمن والتجسس من ست وعشرين دولة في لجنة خصصت لمكافحة العصابات التي تلجأ إلى غسل المال الحرام، وقد أدت المطاردات المستمرة لهذه العملية إلى تضييق الخناق على تجار المخدرات والمهربين الذي يصرفون أموالهم القذرة في بلدان أوروبا الاشتراكية، مستفيدين من قصور أنظمة الرقابة المصرفية والمالية في هذه البلدان.

ويعتقد الاقتصاديون أن الطريقة الفعَّالة في مكافحة غسيل المال الحرام أن تقوم جميع الدول بتشديد الرقابة، وبالتنفيذ الحازم للقوانين المتعلقة بالتجارة وبالأنظمة المصرفية، حيث تقوم المجموعات الإجرامية بتذليل كل الحواجز التي تحكم التجارة العالمية وحركة انتقال رأس المال.

لذلك فإن اللجنة الدولية المستقلة لمكافحة غسل الأموال القذرة تمدُّ يدها للتعاون مع جميع الحكومات، بعد أن وضعت برنامجًا مكونًا من أربعين نقطة من الإجراءات المضادة لعمليات غسل الأموال القذرة، وهي تشجع مسؤولي المصارف؛ ليقوموا بالإبلاغ عن تحويلات المبالغ الكبيرة المشبوهة، وأن يقوموا بجمع المزيد من المعلومات عن زبائنهم.

وقد تركزت عمليات غسل الأموال القذرة في أمريكا وأوروبا، حيث قامت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بتوقيع بروتوكول خاص لمكافحة من يقومون بهذه العمليات. وقد عُقد في العاصمة الأرجنتينية مؤتمر دولي في شهر كانون الأول من عام 1996م كُرِّس للبحث في سبل مكافحة غسل الأموال، حيث شارك في هذا المؤتمر وزراء مالية من أربع وثلاثين دولة.

ومع كل هذا فما زالت المصارف الأمريكية وفروعها في الخارج وشركاؤها في روسيا وفي دول أوروبا الشرقية تشعر بالقلق الشديد من ضخامة المبالغ التي تحول إلها عن طريق منظمات الإجرام في تلك البلدان.

وفي روسيا فإن المافيا الروسية تلعب دورًا من أخطر الأدوار، مستفيدة من شبكة الجواسيس التي كان جهاز المخابرات الروسي قد أنشأها داخل الولايات المتحدة قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، حيث تحول العديد من هؤلاء الجواسيس للعمل في مجال نقل الأموال غير المشروعة، وقد ذكر واحد من المؤتمرات الأخيرة للإنتربول (البوليس الدولي) أن دوائر الجريمة المنظمة في موسكو قد حولت إلى الخارج مائة مليار دولار.

وتشير المعلومات كذلك إلى أن المصارف السويسرية تُصب فيها الأموال القذرة. ولكن بفضل الضغط الأمريكي، فإن مديري هذه المصارف أدخلوا إجراءات صارمة تتطلب تقديم وثائق رسمية عن منشأ المبالغ الكبيرة المطلوب إيداعها أو تحويلها.

وفي الآونة الأخيرة أصبحت دولة جنوب أفريقيا مركزًا لتبييض الأموال القذرة؛ لخلو تشريعاتها من أحكام مكافحة مثل هذا النوع من الجرائم، ولأن تبييض الأموال لا يعتبر عملاً مخالفًا للقانون إلا إذا كان مرتبطًا بتجارة المخدرات؛ ولهذا كان من الصعب تقدير قيمة العملات الصعبة القذرة التي تمر في جنوب أفريقيا لإعادة إدخالها بعد ذلك في اقتصاديات الدول الغربية، حيث يؤكد الخبراء تزايد الحسابات الدولية الغامضة في المصارف الجنوب أفريقية.

ففي جنوب أفريقيا مصارف كبيرة حديثة، وسوق نقدية متطورة، وقوانين مرنة، وهي تتمتع بمنفذ سهل نسبيًّا إلى اقتصاد الدول الأوروبية والآسيوية والأمريكية، حيث تسعى لجنة القوانين الجنوب أفريقية – وهي هيئة استشارية – إلى أن تُلزم المصارف بأن تكون أكثر تشددًا بالكشف عن هويات زبائنها، وأن تبلغ السلطات المختصة بكل صفقة مهمة، فيما يتم إنشاء وحدة من الشرطة للتحقيق في الصفقات النقدية المثيرة للشبهات.

الإجراءات الدولية لمكافحة تبييض المال الحرام:

ولمزيد من التعاون الدولي في مجال التحريات، والمساعدات القانونية المتبادلة، وتسليم المجرمين، وتعقب الأموال الناشئة عن عملية تبييض المال الحرام ومصادرتها، فقد قامت الدول المعنية بهذا الموضوع بالتنسيق فيما بينها لاتخاذ التدابير القانونية والاقتصادية اللازمة لملاحقة غاسلي المال الحرام، وقامت بعقد المؤتمرات والاتفاقيات التي منها:

أ – عقد اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية لعام 1988م.

ب – عقد الاتفاقية الأوروبية الخاصة بغسل وتفتيش وضبط ومصادرة إيرادات الجريمة لعام 1990م.

جـ – عقد المؤتمر الدولي لمنع ومكافحة غسل الأموال، واستخدام عائدات الجريمة في إيطاليا من 18 – 20 حزيران/ يونيو عام 1994م، ونظمه المجلس الاستشاري الدولي والفني بالتعاون مع حكومة إيطاليا وتحت رعاية فرع الأمم المتحدة لمنع الجريمة.

أما المكافحة الاقتصادية فقد تمثلت فيما يلي:

(أ) تكثيف الجهود الدولية للحد من استخدام النظام المصرفي في عمليات تبييض المال الحرام، وقد تمثل ذلك في إعلان بازل وتوصيات فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية التي ضمت الدول السبع الصناعية، حيث كان من أهم توصيات فرقة العمل المنبثقة عن قمة الدول السبع الأكثر تقدمًا والأكثر تضررًا من هذه العملية ما يلي:

  1. تجريم أفعال غسيل الأموال وتقرير عقوبات رادعة لها.

  2. تقرير المسؤولية الجنائية للمصارف والشركات باعتبارها شخصيات اعتبارية، بالإضافة إلى إيقاع المسؤولية الجنائية على العاملين فيها، واعتبارهم شركاء في الجريمة في حال وقوع عملية تبييض للمال الحرام في مؤسساتهم.

  3. الاحتفاظ بسجلات هوية للعملاء ومعاملاتهم والتبليغ عنهم إذا وقع الشك في مصدر أموالهم.

  4. اتخاذ التدابير اللازمة للتحري عن الأشخاص الذين يمتلكون مؤسسات أو شركات لا تمارس نشاطًا تجاريًّا في البلد الذي يقع فيه المكتب المسجل .

  5. التحري عن العمليات الكبيرة، وعن الأنماط غير المعتادة للمعاملات التي ليس لها هدف اقتصادي واضح أو هدف قانوني ملموس.

  6. ويمكن للمصارف أن تحترز من عمليات غسيل المال الحرام إذا عرفت زبائنها الذين يودعون لديها أموالاً أو يتلقون بواسطتها تحويلات مالية، ووجوب تبليغ السلطات المختصة في حال إيداع كميات كبيرة من الأموال النقدية.

  7. تشديد الرقابة على الأموال التي تدخل المصارف في كل دولة، ومعرفة مصادر الأموال التي يفتح أصحابها لهم حسابات في هذه المصارف، خاصة إذا كان المبلغ كبيرًا، ويشتبه أنه من كسب غير مشروع.

ففي لبنان مثلاً: طلبت اللجنة التي تدرس التشريعات المتعلقة بتبييض الأموال، إلزام المؤسسات المصرفية والمالية الخاضعة لسرية المصرفية بالقيام برقابة ذاتية على العمليات التي تجريها مع زبائنها؛ لتلافي تورطها في عمليات يمكن أن تخفي تبييضًا لأموال ناتجة عن جرائم المخدرات، ودعت اللجنة المصارف إلى وجوب التحقق من هوية زبائنها الدائمين والعابرين، ووضع أصول ملائمة من أجل استدراك ومنع إجراء عمليات لها علاقة بتبييض الأموال وبالامتناع عن إجراء أية عملية مشبوهة، وقطع التعامل مع أي عميل يطلب إجراء عمليات مشبوهة.

(ب) كما أن الجهات الدولية المهتمة والمعنية بمكافحة غسيل المال الحرام تشجع على إنشاء وحدات استخبارية مالية؛ لمراقبة حركة الأموال غير المشروعة، حيث بلغ عدد هذه الوحدات في أنحاء العالم عشرين وحدة.

ومن البلدان التي أنشأت مثل هذه الوحدات بلدان صغيرة، مثل: سلوفانيا، وبنما، وأخرى لها صلاحيات قضائية في أماكن متعددة تقوم بينها وبين المؤسسات المالية علاقة عمل وثيقة تشكل نهجًا مهمًّا في توفير سبل الوقاية الضرورية، وتوفر سبل المساندة في التقصي ومحاولة إبقاء المصارف في منأى عن الفساد، وعن استغلالها من قبل أعضاء عصابات الجريمة المنظمة.

غسل الأموال في الرؤية الإسلامية

أولاً: الرؤية الإسلامية لمعالجة مشكلة تبييض المال الحرام:

هذَّب الإسلام أتباعه، وردع الجريمة وأسبابها بما فرض من تعاليم شرعية ونظم أخلاقية تحمي المجتمع وتصونه من أسباب الجريمة والانحراف، فالإسلام يدعو إلى إقامة الخير، ونبذ الشر، والقضاء على المنكرات.

والأخلاق هي العاصم للإنسان من جميع التصرفات الشائنة، وهي التي تجعل منه إنسانًا خيِّرًا لأهله ووطنه؛ ليكون مفتاحًا لكل خير مغلاقًا لكل شر، فهي تهذِّب النفوس وتطهِّرها من كل دنس وخبث، وترتقي بالفرد إلى درجة الكمال الإنساني، وترفعه من مقام الخضوع للشهوات إلى مقام العبودية لله تعالى، فتجعل الفرد نافعًا لنفسه وللمجتمع، وتجعل منه – في ذاته – مثلاً صالحًا، فلا يصدر عنه ما يوجب الذم واللوم، ولا يقع منه ما يخل بالمروءة أو يقلل من قيمته، فهو يتحلى بأفضل السجايا ويتخلى عن نقائص الدنيا.

كما أن الشريعة الإسلامية تحرص على حمل الناس على طاعة أوامرها ونواهيها طاعة اختيارية، وتعتمد في تحقيق هذه الطاعة على إيقاظ الشعور الإيماني في النفوس، وتذكير المسلم باليوم الآخر، وما فيه من ثواب وعقاب، وبيان ما في أوامرها ونواهيها من خير ومصلحة للناس في الدنيا والآخرة.

لكن لما لم يكن الناس سواء في يقظة الضمير الديني، وتحقق الإيمان، واستحضار اليوم الآخر وخشيته لتحقيق الأوامر والنواهي، كانت العقوبات التي توقعها الشريعة على الذنوب والجرائم هي الطريقة الملزمة لتنفيذ أوامر الله ونواهيه. فالعقوبة رادعٌ للجريمة لتوفر غريزة الخوف عند الإنسان، ولما فطر عليه من حرص على كف الأذى عن نفسه، فإذا رأى الإنسان في الجريمة نفعًا له وأراد ارتكابها فإن شبح العقاب المرعب يردعه عنها.

ومن المسلمات البديهية أن ردع الجريمة والمجرمين من شأنه حماية مصالح الناس وإبعاد الأذى عنهم، ومصالح الناس هي الدين، والنفس، والمال، والعقل، والنسل. وهذه المصالح لا قيام للحياة بدونها؛ لذلك كان الاعتداء عليها جرمًا يستوجب العقاب، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول هو مصلحة، وكل ما يفوِّت هذه الأصول فهو مفسدة يُعَدُّ دفعها مصلحة.

وقد كان منهج الإسلام واضحًا في محاربة الجريمة مهما كانت صغيرة، وشرع العقوبات المغلَّظة التي تمنع الاعتداء على أموال الآخرين وممتلكاتهم، وسد كل طريق يمكن أن يسلك منه المجرم إلى الجريمة، ولم يتهاون في أمر الجرائم الكبرى التي يقع فيها الاعتداء على النظام العام داخل الدولة، فالسارق الذي يعتدي على أموال الغير وممتلكاته تقطع يده، وقاطع الطريق الذي يسلب الناس أموالهم، ويفسد على المسافرين أمنهم واطمئنانهم، وينشر الفساد في الأرض يعاقب بقطع يده ورجله من خلاف. هذه عقوبات شديدة يُراد منها استئصال الجريمة وأسبابها. وعظم الجريمة يناسبه تغليظ العقوبة، وإلا لم يتحقق الغرض من العقوبة.

فمؤسسات الأمن الغربية التي تلاحق عصابات الإجرام التي تقوم بعمليات تبييض المال الحرام لو كانت جادة فعلاً في احتواء هذه المشكلة والقضاء عليها، فإن عليها أن تسلك مسلك الإسلام في تربية الفرد على الأخلاق الفاضلة، وأن تعمل على وجود الشعور الداخلي الذي يمنع الفرد من الإقدام على الجريمة. فالدولة التي لا تربي أفرادها على الأخلاق والفضائل الحميدة، كيف لها أن تطالبهم بأن يكونوا أفرادًا صالحين بعيدين عن الإجرام؟!!

كما أن سن القوانين الهزيلة التي لا تردع مجرمًا ولا يرعوي بها من كان خارجًا على القانون يفتتح الباب أمام أهل الإجرام للسير في طريقهم المنحرف؛ إذ أن القانون الهزيل لا يأتي بعقوبة صارمة. ودليل ذلك أن أيًّا من الدول اليوم لا تقطع يد السارق ولا تقطع يد المحارب ورجله، وتكتفي بإلقاء المجرم في السجن، بينما لو كان المجرم يعلم أنه لو أقدم على أخذ مال غيره تقطع يده لدعاه ذلك إلى أن يفكِّر ألف مرة قبل أن يُقْدم على مثل هذا الفعل.

فالدولة بقوانينها الهزيلة ونظام أخلاقها الفاسد تساعد في وجود المجرمين والمنحرفين الخارجين على القانون، وهي بذلك تكون شريكًا فيما يقع من جرائم ومن عمليات سطو ورشوة وأخذ مال الغير بالقوة. والغريب الذي لا يقبل به عاقل أن الدول تتناقض مع نفسها في محاربة الجريمة، فهي تدَّعي مثلاً أن نسبة من المال الذي يخضع لعمليات التبييض مصدره الدعارة ومواخير الزنى، وهي في ذات الوقت ترخص هذه المواخير وتشجع على فتحها، فإذا جاءت عصابات الإجرام وحصلت على المال من هذه المواخير واستثمرته بعد ذلك كانت خارجة على القانون.

فعلى الدولة التي تتطلع إلى حماية نفسها وأنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية من هذه الجريمة الخطيرة أن تحذو حذو الإسلام، وأن تسلك منهجه في تغليظ العقوبة على مقترفي الجريمة، وأن تبذر في المجتمع بذور الأخلاق الفاضلة لتثمر أفرادًا أسوياء أصحاب فضيلة ونفوس طاهرة. وبغير ذلك تبقى الجهود المبذولة في محاربة عصابات الإجرام لا تجدي نفعًا ولا تقدِّم حلاًّ. فالإيمان بالله تعالى، والتحلي بالخلق الإنساني الفاضل هما السبيل الأمثل للقضاء على عنصر الشر في المجتمع.

ثانيًا: الموقف الشرعي من المال الحرام بعد تبييضه:

ولو أردنا أن نخرج هذه العملية ونعرضها على قواعد الفقه وأصوله للوقوف على حكم الشرع فيها من حيث الحلال والحرام، لوجدنا أن مثل هذه العملية تنافي الشرع وأحكامه ولا تتفق مع قواعده وأصوله، ذلك أن الإسلام يحرِّم كل كسب بطريق محرم. والأموال التي تخضع لعمليات الغسل والتبييض أموال تنشأ عن الجرائم، وعن التزوير، والسرقة، والدعارة، والسلب، والاعتداء على ممتلكات الآخرين بالسطو أو النهم، إلى غير ذلك من الوسائل المنحرفة التي لا يجيزها الإسلام.

لكن لو حصل أن عرضت أموال من هذا النوع على المسلمين بعد مصادرتها وتجميدها من قبل الدول، بخاصة الأقليات الإسلامية التي تعيش في البلدان التي يقع فيها غسيل للمال الحرام أو توجد فيها الجريمة المنظمة، فقد رأينا كيف عرضت أموال اليانصيب على المسلمين في بريطانيا، على أن تنفق في بناء المساجد، وإقامة دور العبادة، وطباعة القرآن الكريم.

فهل الإسلام يمنع من قبول المال الحرام والانتفاع به بعد تبييضه وإدخاله في مشروعات لا يحظرها القانون؟ وماذا يكون رأي الشرع إذا وقع مثل هذا المال في قبضة رجال الأمن، وتمَّ توزيعه على الأقليات في البلاد، ومنها الأقليات المسلمة؟ وما الموقف الشرعي من هذا المال في حال ما إذا وضعت الدولة يدها على مشروع يتعامل بمنتج حلال فيه نفع للناس كان هذا المشروع قد أسس من هذا المال الحرام؟ وهل يحل للمسلمين أن ينتفعوا بمنتجات هذا المشروع أم يحرم عليهم؟ وهل منع الجريمة بالاستيلاء على المال، وإيقاف عملية تبييضه وغسله، ومنع استمرار تحصيله بطريق حرام يكفي للحكم بإباحة الانتفاع بهذا المال الحرام؟ أم أن الحرام لا يزول إلا إذا أُغلق هذا المشروع وتم القضاء عليه نهائيًّا؟

إن الجواب عن هذه الأسئلة جميعها واحد وهو جواز الانتفاع بهذه الأموال لو فُرِض عرضها على المسلمين؛ لأن المنظور إليه في هذه الأموال أنها أموال كسب غير مشروع ليس له مالك مخصوص، والمال الحرام في يد المسلم إذا كان مالكه الحقيقي مجهولاً غير معروف، فإن حكمه الدفع إلى الفقراء والمساكين، وإلى المصالح العامة للمسلمين.

والمال الذين يخضع لعمليات التبييض هو مال حرام في وصفه وكسبه، وصاحبه مجهول، ولا يمكن بحال الوقوف عليه فيما لو فُرِض البحث عنه. فليس هناك فرق بين المال الحرام الذي في يد المسلم والمال الحرام الذي يخضع لعمليات الغسل والتبييض؛ لأن كليهما مال حرام في حكم الشرع جهل مالكه. فيجب التخلص منه بوضعه في مصرفه الملائم وهو المصالح العامة، والفقراء، وأصحاب الحاجة.

وسواء تمت مصادرة هذا المال والاستيلاء عليه قبل إدخاله في عملية التبييض أو كان الاستيلاء عليه بعد خضوعه لعمليات التبييض، فمثل هذه العملية لا تغيِّر من صفة هذا المال؛ إذ إنه مال حرام أُخذ بطريق لا يُقِرُّه الشرع ولا يقبله القانون.

ولا يجوز قياس هذا المال على بعض الأعيان التي إذا تغيرت من حال إلى حال يختلف فيها الحكم الشرعي: كالخمر إذا تخللت أصبحت جائزة الاستعمال لتحولها خلاًّ.

ووجه عدم صحة القياس أن الأعيان يكون تغيرها جذريًّا، أي يكون تغيرًا ماديًّا حقيقيًّا يتعلق بجوهر المادة ووصفها، فالسائل المُسْكر إذا تحول إلى خل فقد تحول جوهره بالكامل إلى مادة جديدة هي مادة الخل، ولم يَعُد يسمَّى خمرًا. ومثل هذا التحول لا يكون في المال؛ لأن المال جوهره واحد لا يطرأ عليه أي تبدل أو تغير؛ إذ الحرمة فيه صفة منفكة عن ذاته لا تختص بحقيقته وجوهره، فلا يكون المال الحرام بعد غسله وتبييضه مالاً حلالاً.

ولا يعترض أحد بالقول: إذن كيف جاز قبول مثل هذا المال وهو مال حرام؟

فإن هذا الاعتراض ليس في محله، وجوابه أننا قبلنا هذا المال لا على أنه مال حلال، بل قبلناه بوصفه مالاً حرامًا نشأ عن الجريمة لم يُعرف له مالك، فيؤول إلى المصلحة العامة للمسلمين، وإلى من يحتاج إليه من الفقراء والمساكين، وهو لهم حلال؛ لأن الشارع الحكيم أباحه لهم.

والخلاصة في هذه المسألة أن الموقف الشرعي من هذا المال هو جواز أخذه وتوزيعه على الفقراء والمحتاجين، أو إعطاؤه للجمعيات الخيرية والمنظمات الإنسانية التي تقدم عملاً نافعًا للمسلمين، فإن مثل هذا المال حكمه حكم كل مال مكتسب بطريق غير مشروع جُهل مالكه، إذا دُفِع إلى المسلمين لا يجوز حرقه أو إتلافه أو إهلاكه، بل الواجب استغلاله واستثماره فيما يعود على المسلمين بالخير والفائدة.

والقول: إن هذا المال مصدره حرام، فلا يجوز للمسلمين أن يقبلوا به أو أن ينتفعوا به ما دام أنه من كسب حرام، وما دام أنه من مصدر لا يقره الإسلام ولا يقبل به، فإن مثل هذا القول لا يُلتفت إليه؛ لأنه يؤدي إلى تفويت هذا المال على المسلمين، وتحويله إلى غير المسلمين ينتفعون به ولا ننتفع نحن به، وليس هذا في مصلحة الإسلام وأهله.