عبد القادر قلاتي 03/09/2003 
 

يرجع أغلب الدارسين فكرة أسلمة المعرفة إلى كتابات سيد نقيب العطاس في كتاب نشره عام 1969. وكانت فكرته تهدف إلى تحرير الناس في عالم الملايو من التقاليد الخرافية والثقافات المحلية والسيطرة العلمانية على التفكير واللغة. غير أن بدايات البناء التنظيري لهذه الفكرة كانت مع جمعية العلماء الاجتماعيين المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية. خصوصًا عند إسماعيل الفاروقي وجعفر شيخ إدريس، بالإضافة إلى سيد حسين نصر والعطاس.

لقد بدأت تنظيرات هؤلاء العلماء استنادًا إلى الحركة النقدية التي بدأت تطال الإبستملوجيا الغربية من طرف عدد من الفلاسفة الغربيين أنفسهم، “ونخص بالذكر هنا «هيوم» (Hume) في كتابه حول الطبيعة الإنسانية؛ حيث هاجم المبالغة في الموضوعية ورفعها إلى مكانة «شبه إله»، كما تساءل عن مبررات افتراض أولي لعالم خارج ذواتنا أو حتى عن ذات منفصلة عنه.

كما صرّح أن «التكرار» -أحد مبادئ الموضوعية العلمية- ليس لديه أي قوة برهنة على الإطلاق، وذلك بالرغم من أدائه دورًا رئيسيًا في «فهمنا» للأشياء.

وبالفعل فإن «هيوم» كان مقتنعًا بأن كلاً من العقل والحجج لا يقومان إلا بدور صغير فقط في «فهمنا»؛ فالمعرفة لا تتعدى كونها معتقدًا لا يمكن الدفاع عنه”1.

وانطلقت مدرسة «إسلامية المعرفة» في هذا الاتجاه مستثمرة هذه الحركة النقدية التي بدأت تتسع في الغرب ومن داخل المجتمع العلمي، خصوصا «وايتهيد» (Whitehead)، و«توماس كون» (Kuhn)، و«بولانيني» (Polanyi)، وبول فييرابند (P.k.feyerabad)، وميتروف (Mitroff)، ورافتز (Ravetz)، هذه الحركة النقدية التي بدأت تؤسس لإبستملوجيا غربية بديلة ولأنماط معرفية غير غربية للتفكير.

وجاءت محاولة «أسلمة المعرفة» كرد فعل إسلامي -كما قال ضياء الدين سردار- على الإمبريالية الإبستملوجية الغربية.

وبدأت محاولة التنظير تركز على تقديم انتقادات حادة للإبستملوجيا الغربية، جسدتها كتابات سيد محمد النقيب العطاس وإسماعيل راجي الفاروقي، فقد قدم العطاس في مقالة له: (نقض تغريب المعرفة 1985) «أشد الانتقادات تدميرًا للإبستملوجيا الغربية؛ حيث أكد أن مذهب “الشكية” شاسع الانتشار، وهو الذي لا يعرف الحدود الأخلاقية والقيمية، والمنتمي للنظام المعرفي الغربي، وهو نقيض الإبستملوجيا الإسلامية»2 فيقول:

«يبدو أنه من المهم أن نؤكد على أن المعرفة ليست حيادية، وأنه بإمكانها فعلاً أن تستقرأ مع طبيعة ومضمون معينين، ومن ثم تتنكر بقناع المعرفة. كما أنها في الواقع تؤخذ ككل -ليس كمعرفة حقيقية، ولكن كتأويل لها من خلال “موشور” للتصوير العالمي للرؤيا الفكرية وللإدراك الحسي النفسي للحضارة التي تلعب الآن الدور الرئيسي في صياغتها ونشرها.

إن ما يصاغ وينشر هو معرفة نقعت في خاصة وشخصية تلك الحضارة، بحيث تصهر المعرفة المقدمة والمنقولة كمعرفة على هذا النمط بمهارة مع الحقيقة بغية أن تتخذ -عن جهل وبرمتها- كالمعرفة الحقيقة نفسها»3.

ويعتقد العطاس أن «قيم التنوير» والحركة الفلسفية الفرنسية للقرن السابع عشر هي القيم الأصلية للعلم والتكنولوجيا الحديثة»4، رغم أنه يقر ما للإسلام وتراثه من مساهمة في بناء المعرفة التي عرفها الغرب فيما بعد، والتي أبدعت نموذجه الحضاري، والتي كان لها الدور المعتبر في تطوير العلم والتكنولوجيا الغربيين. «لكن المعرفة والروح والعلمية العقلانية أعيدت صياغتها وقولبتها لتذوب في بوتقة الثقافة الغربية. وهكذا أصبحت منصهرة ومندمجة مع جميع العناصر الأخرى التي تكون خاصية وشخصية الحضارة الغربية».

إن هذا الاندماج وذلك الانصهار أنتجا -كما يقول سردار- «ثنائية مميزة في التصور العالمي وقيم النظام المعرفي الغربي»5، وهذه هي نقطة الارتكاز في نقد العطاس للنموذج الحداثي العربي ودعوته إلى الأسلمة تبدأ بالعمل على إبداع النظام المعرفي الإسلامي الذي يتم بعيدًا عن النظام المعرفي الغربي.

ذلك أن المساهمات الإسلامية داخل هذا النظام المعرفي «لا يمكن إلا أن يزيد في صيت القيم والتوترات الداخلية للثقافة والحضارة الغربيتين. كذلك فإن منظومة المعرفة والعلم هذه لا يمكن أن تلبي حقاً احتياجات المجتمعات الإسلامية أو حتى أن يكون لها جذور اجتماعية داخل العالم الإسلامي»6.

وقريبًا من هذا تأتي أطروحة الفاروقي حول الأسلمة؛ فهو يرى أن مرض الأمة لا يداوى «إلا بجرعة إبستملوجية، وأن أصعب مهمة تواجه الأمة الإسلامية هي إيجاد حل لمشكلة التعليم»7 ذلك أنه لا أصل في نهوض هذه الأمة من ركودها الحضاري وربطها بدورة حضارية جديدة، ما لم تبدع نظامًا تعليميًّا تلغي به هذه الازدواجية الراهنة في التعليم الذي انقسم إلى نظامين: ديني وآخر دنيوي.

ودعا الفاروقي إلى إيجاد هذا النظام التعليمي الذي «ينبع من الروح الإسلامية، ويعمل باعتباره وحدة متكاملة مع برنامج الإسلام العقدي» 8، ويحدد الفاروقي في خطته للأسلمة خمسة أهداف هي:

– التمكن من العلوم الحديثة.

– التمكن من التراث الإسلامي.

– إثبات الصلة بين الإسلام ومختلف فروع المعرفة الحديثة.

– البحث عن وسائل تمكننا من التأليف المبدع بين التراث والمعرفة المعاصرة.

– وضع الفكر الإسلامي في المسار الذي يتيح له إنجاز النموذج الإلهي.

إن التطبيق العملي لهذه الخطة يقوم على افتراض أساسي هو البدء بالمجالات المعرفية كما هي الآن في سياقاتها الغربية. مع شيء من الحذف والإضافة لتتم في الأخير الأسلمة المطلوبة أو كما يرى الفاروقي. والفاروقي باعتباره من المشتغلين بالعلوم الاجتماعية كان تركيزه الأساس في دعوته إلى الأسلمة، هو أسلمة هذه العلوم تحديداً. فهو يرى أنها العلوم أكثر ترويجًا للنموذج الحداثي الغربي ومفاهيمه الخاصة بالدولة ـ الأمة (Nation – state)، والهوية العرقية» 9. غير أن الفاروقي أغفل ما للعلم والتنكولوجيا من دور في المحافظة على الأنساق الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية التي يسيطر بها الغرب على العالم. لم يعد المجتمع (الغربي تحديداً) يصاغ من مفاهيم العلوم الاجتماعية بل إن هذه الوظيفة انتقلت إلى المعرفة العلمية والتكنولوجية التي أصبحت «هي الأداة الرئيسية للإمبريالية المعرفية الغربية»10.

إن المعرفة لا يمكن فصلها على التصور والنظام العقدي الذي تمتد فيه جذورها وأي محاولة لاختراق هذا المفهوم وتصور إمكانية تجاوزه، لا تقود إلى أي مشروع إيجابي؛ فالإيستمولوجيا أو نظرية المعرفة «تعمل على تحديد المعرفة والتمييز بين فروعها الرئيسية وتعيين مصادرها وإقامة حدودها. إن إمكانية وكيفية المعرفة هي التساؤل المركزي للإبستملوجيا..»11، لذا فإن محاولة أسلمة الفروع العلمية والمعرفية التي تطورت في الوسط الثقافي والاجتماعي الغربي، هي غير ذي جدوى فجدير بعلماء الأمة والمشتغلين بالبحث العلمي أن يوجهوا طاقاتهم لإبداع منظومة معرفية تستند إلى الإطار المرجعي الديني الذي يملك منهجيته ومفرداته ومفاهيمه. حتى نصل إلى مرحلة إبداع علوم تختلف عن العلوم الغربية المعاصرة، فلا نستطيع مثلاً أن نقول بأسلمة الأنثربولوجيا، العلم الذي نشأ في إطار ظروف خاصة، وقام على أسس ومبادئ معينة، أو نزعم أنه بإمكاننا أن ننشأ علم أنثربولوجيا إسلامي، ذلك خطأ منهجي يتضمن قبول الحدود الاصطناعية التي وضعت لهذا العلم ضمن المنظومة الحداثية الغربية.

إن أسلمة المعرفة ليست إلا مغالطة إبستملوجية أظهرت الإسلام وكأنه دين يحتاج إلى الارتباط بالمعرفة الحديثة متغافلة عن حقيقته كدين صالح لكل زمان ومكان (وهو مفهوم مركزي في المنظومة المعرفية الإسلامية)، فحاجة الأمة إلى التقدم الحضاري يجب ألا تتجاوز أبعاد هذا الدين وحقيقته.

كما يجب علينا كأمة أن نعترف بأن أبستومولوجيا العلم الغربي هي التي صاغت العلم الحديث. «إن أبستملوجيا العلم الحديث هي التي تحدد الطريقة التي تمكن الأفراد في المجتمعات المصنعة من تصور «عالمهم» ومحاولة معرفته وفهمه والسيطرة عليه. وتركز هذه الإبستملوجيا أساسًا على التمييز بين الذاتية والموضوعية… إن هذه الثنائية بين الوقائع والقيم، الحقيقة الموضوعية والإحساس الذاتي تمثل الميزة الرئيسية لإبستملوجيا العلم الحديث، إنها طريقة معرفية تناقض تلك التي تسود في كثير من المجتمعات التي تتصور الحكمة والمعرفة في حالتها الشعورية الذاتية»12.

إن الغرب وعبر فلاسفة كثر بدأ يبحث عن أبستومولوجيا بديلة. لتلك التي ارتبطت بالمغامرة الأستدمارية (Colosation) الأوروبية وبظهور العقلانية العلمية كوسيلة شرعية وحيدة لفهم الطبيعة والسيطرة عليها. فلماذا لا نبدأ نحن محاولاتنا التجديدية بالبحث عن صيغة لتصور ذاتي للمعرفة ؟ مستند إلى مفهوم العلم، المصطلح الأقرب إلى الرؤية الإسلامية. بل هو المفهوم الوحيد والمركزي لما قد نسميه بإبستملوجيا إسلامية. فقد ظل العلم عبر تاريخ أمتنا الطويل يربط المجتمع الإسلامي بمحيطه ويعطي للإسلام حركته وحيويته .

إنه في ظل هذه الدعوة ـ صناعة إبستومولوجيا إسلامية ـ يجب على الحركة التجديدية أن توظف طاقاتها وقدراتها في طرح خطاب تجديدي متماسك يستند إلى الذات بعيداً عن فتنة النمط الحداثي الغربي، فالأسلمة أشبه ما تكون كما يرى ضياء الدين سردار بعملية إعطاء روح من القيم الإسلامية في حقول معرفية تشكلت بالرؤى الكلية والمفاهيم واللغة والنماذج المعرفية الغربية، وهي كما يخشى سردار أقرب إلى تغريب الإسلام منها إلى أسلمة المعارف الغربية.

طالع بقية محاور الورقة:

1– ضياء الدين سردار ـ مجلة الفكر العربي / العدد 75 / شتاء 1994، ص 106.

2- نفس المصدر ص 108.

3- نقلاً عن ـ ضياء الدين سردار ـ مجلة الفكر العربي / عدد 75 /شتاء 1994. ص 109.

4- ضياء الدين سردار ـ مجلة الفكر العربي / عدد 75 / شتاء 1994. ص 109.

5- ضياء الدين سردار ـ مجلة الكفر العربي / عدد 75 / شتاء 1994. ص 109.

6- نفس المصدر ـ ص 109.

7- نفس المرجع ـ ص 109.

8- نفس المرجع ـ ص 110.

9- نفس المرجع ـ ص 113.

10- نفس المرجع ـ ص 113.

11- ضياء الدين سرداد،مجلة الفكر العربي، العدد 75، شتاء 1994، ص 104.

12- سردار، الفكر العربي، عدد 75، شتاء 1991، ص 105..