** انتصار سليمان
سوق الدم .. بائع ومشتري وسمسار

عرفت مصر مثلها مثل معظم الدول النامية ظاهرة بيع الدم منذ سنوات عديدة، وكانت بعض بنوك الدم تلجأ إلى محترفي بيع الدم لتعويض النقص الحاد بالمخزون لديها، ونتيجة لمخاطر الاتجار في الدم التي بدأت تظهر؛ صدر قرار وزير الصحة المصري عام ‏1999‏ بتجريم الاتجار في الدم وغلق بنوك الدم المخالفة لتجنب الأساليب الخاطئة في تداوله.

كان الدم المباع يشكل نحو ‏18%‏ من إجمالي كمية الدم الموجودة في بنوك الدم‏، أما باقي النسبة كانت تأتي من أهالي المرضى وكانت هي الأخرى بابا خلفيا للاتجار في الدم. وقد أدى قرار حظر بيع الدم ومطاردة بنوك الدم المخالفة إلي تحجيمهذه الأخطاء‏ حتى انخفضت نسبة الدم المباع إلى 5- 10 % حسبما ذكرت جريدة الأهرام في 10/6/2003 وتركزت تلك التجارة بشكل أساسي في المستشفيات الخاصة.‏

وككل سلعة معروضة للبيع لابد من سوق ينظمها ويلزم أطراف البيع بقوانين داخلية لا يحيد عنها طرف، وفي سوق الدم يكون أطراف البيع هم:

البائع: وهم أشخاص (رجال أو نساء) تبدأ أعمارهم من 15 عاما – وأحيانا أقل- حتى 60 عاما، يغلب عليهم الفقر والوضع الاقتصادي والاجتماعي المتدني، 70% منهم مدمنون ومتشردون وأفراد يعملون في مهن هامشية بالمجتمع، أما الـ 30% الباقي ما بين متبرعين مخدوعين أو أفراد اضطرتهم الظروف المادية لبيع دمهم .

المشتري: وهم المرضي وأقاربهم، والمستشفيات الخاصة.

السمسار: وهو حلقة الوصل بين البائع: والمشتري، وهو شخص قريب من المهنة عادة ما يكون ممرض أو تمرجي وأحيانا طبيب أو شخص عادي دخل السوق كبائع وبعد تعلمه قوانين سوق الدم تحول إلى سمسار يطلق عليه البعض “دراكولا” أو “مصاص الدماء” نظرا لطبيعة عمله التي تشم رائحة الدم وتبحث عنه، ويكون السماسرة على علم بفصائل محترفي بيع الدم مما يساعدهم على تلبية احتياجات السوق في الوقت المناسب.

بسوق الدم.. التجارة شطارة!

الفقر وتدني المستوى الاجتماعي سبب لجوء البعض لبيع دمه

وحسبما ذكر عدد من محترفي بيع الدم لمراسل إسلام أون لاين.نت وقد رفضوا ذكر أسمائهم، تختلف أسعار الدم باختلاف الفصيلة، وبائع الدم، والمشتري فعادة أسعار الفصائل السالبة (النادرة) ضعف سعر الفصائل العادية، كما يختلف سعر وحدة الدم (450 مليلتر) من شخص لأخر فالمدمنين ومحترفي البيع قد يصل بهم الأمر إلى بيع دمهم بأقل من عشر جنيهات للوحدة الواحدة، بينما يستطيع البعض أن يتعدى سعر دمه 300 جنيه مصري خاصة لو كان سيتبرع على جهاز فصل مشتقات الدم apheresis .

أما بالنسبة للمشتري فقد يحدد سعر الدم على أساس مدى الربح الذي يعود عليه من بيع الدم للشخص المحتاج إليه، وبالتالي قد يشتري الدم بهدية لا يتعدى ثمنها عشر جنيهات (تي شيرت – ساعة – جوارب …) وقد يصل السعر لأكثر من 500 جنيه مصري خاصة لمشتقات الدم مثل الصفائح الدموية.

احترف بيع دمه.. بالصدفة

يحكي م. ع – موظف- قصة احترافه لبيع دمه فيقول كان ذلك منذ خمس سنوات تقريبا عندما كنت أجلس على إحدى المقاهي الشعبية وجاءني رجل يحكي لي بشكل مؤثر أن زوجته مريضة في أحد المستشفيات وهو غريب عن القاهرة ولا يجد من يتبرع لها بالدم خاصة أن فصيلتها من النوع النادر “O” سالب، فبدافع الشهامة ذهبت معه لأتبرع لزوجته بدمي، وأثناء عملية التبرع وصل إلى أذني بعض كلمات تهامس بها الممرضين حولي فهمت منها أن هذا الشخص سمسار دم يأتي يوميا بعشرات الشباب لأخذ دمهم.

وعندما ثرت عليه أقنعني بأن ثوابي عند الله كبير وفوق الثواب 50 جنيه مصري لأشتري فاكهة وعصير تعوضني ما فقدته من دم، بعدها عرفت الكثير عن بيع الدم وأسعاره وتعودت على بيع دمي كل فترة خاصة عندما أكون محتاج لمال في بعض المناسبات مثل بداية الدراسة والأعياد أو الظروف الطارئة وقد وصل سعر دمي إلي 250 جنيه مصري للوحدة.

البنوك تتحايل على الواقع

تقول د/ شيرين أحمد – طبيبة بالمركز القومي المصري لنقل الدم – تلجأ بنوك الدم إلى طرق مختلفة لتوفير احتياطي الدم لديها، ومن تلك الطرق عملية الإحلال والتبديل أي صرف وحدة الدم للمريض بعد تبرع اثنين من أقاربه ويطبق هذا الأسلوب بصفة خاصة في بنوك الأقاليم التي تعاني من انخفاض شديد في احتياطي الدم لديها.

طريقة أخرى وهي التبرع الاختياري بدون مقابل مادي من قبل المتبرعين الشرفيين منتظمين أو غير منتظمين، أيضاً هناك التبرع مقابل هدايا رمزية لايتعدى ثمنها عشر جنيهات مثل بنوك الدم التابعة للمستشفيات الجامعية والهلال الأحمر أو بعض المستشفيات الخاصة التي تقوم بحملة للتبرع بالدم في أحد الأحياء الشعبية أو القرى. إلا أن بعض المستشفيات الخاصة قد تلجأ إلى شراء الدم من محترفي بيعه بمقابل مادي يبدأ من 10– 300 جنية مصري.

وتضيف د. شيرين أن هناك ثلاثة طرق لصرف الدم ومشتقاته للمرضى من بنوك الدم التابعة لوزارة الصحة والمستشفيات الجامعية الأولى عبر استمارة يتقدم بها مريض المستشفيات الحكومية – القسم المجاني – فيصرف بها الدم المطلوب بأي كمية يحتاجها مجاناً، والثانية في حالة المريض الحاصل على قرار بالعلاج على نفقة الدولة حيث يصرف له أيضاً الدم المطلوب بالمجان، وأخيرا يتم بيع الدم للمستشفيات والعيادات الخاصة بسعر 110 جنية مصري للوحدة شاملة اختبارات التوافق.

وتؤكد د. شيرين أن هذا لا يعتبر بيع لدم المتبرعين ومتاجرة فيه – كما يعتقد البعض – فوحدة الدم التي تباع 110 جنية مصري تكلف الدولة أكثر من 500 جنية مصري ما بين تحاليل، ومواد كيميائية، وأجهزة ومعدات، وأطباء وفنيين، وحملات إعلانية… ولك أن تتخيل أن القربة الفارغة التي يجمع بها الدم يتراوح ثمنها من 35 إلى 200 جنيه مصري حسب نوعها.

دم المتبرع .. الأفضل

المتبرع المتطوع هو صاحب الدم الأفضل

ويؤكد الدكتور محمد نبيل أحمد – طبيب بالمركز القومي المصري لنقل الدم – أن محترفي التبرع بالدم أو من تسميهم المصطلحات العلمية الطبية بـ (Chronic blood donor) أو المتبرعين المزمنين غير صالحين للتبرع، حيث لا تتمتع أجسامهم بشروط التبرع.

وفي مقارنة سريعة بين المتبرع الشرفي والمتبرع بالمقابل المادي نجد أن الدم المأخوذ من المتبرع الشرفي أفضل بكثير نظرا لأن المتبرع الشرفي يكون صادق في بياناته الشخصية، وتاريخه المرضي الذي يدلي به للطبيب قبل قبوله كمتبرع، بعكس الشخص الذي يتبرع بدمه مقابل هدية أو مال؛ فغالبا ما يكون شخص غير سوي يكذب في بياناته الشخصية وتاريخه المرضي حتى يستطيع أن يتبرع أكثر من مرة. وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليه حيث عادة ما يتسبب في الإضرار بصحة المريض الذي ينقل له هذا الدم ويصيبه بأمراض كثيرة.

وأخيرا، لا يمكن القضاء على ظاهرة محترفي بيع الدم‏،‏‏ وما يسببونه من نقل العدوى لأخطر الأمراض‏ بغير إقدام الجميع علي التبرع بالدم وبشكل منتظم لسد حاجات المرضى، فالمتبرع الشرفي المنتظم هو البوابة للدم‏ الآمن.

اقرأ أيضا:

**صحفية مصرية مهتمة بالشأن العلمي، ويمكنك التواصل معها عبر البريد الإلكتروني الخاص بالصفحة: [email protected]