مصطفى عاشور
الأميرة فاطمة

تملك المرأة عاطفة قوية وجياشة ورحمة بذوي الحاجة من الفقراء والمحتاجين والأيتام، وتظهر المرأة هذه العواطف من خلال الفعل الإيجابي لا التأثر الخارجي فقط، ولذلك كان نصيب المرأة من العمل الخيري والأهلي منذ القدم النصيب الأوفر.

وإذا كان للحركة النسائية ورائداتها الحاليات من درس فيما مضى من الأدوار الاجتماعية التي لعبتها المرأة فهو أن هذا الدور هو الأرض الحقيقية والثابتة التي من الواجب أن تقف عليها المرأة، وهو مَعلم بارز من الواجب يوضح أن المرأة عطاء، وأنها فاعلة في محيطها قبل أن تكون ناقمة على كل من حولها، وأن المرأة في تاريخنا القديم والحديث ليست فصولا من نضال سياسي للحصول على حق التصويت أو الترشيح في الانتخابات أو تولي منصب فحسب، وإنما هناك فصول حقيقية للمرأة في تاريخنا، وهي قيادة العمل الاجتماعي والخيري وتخفيف معاناة المجتمع.

أميرات فاعلات

لعبت بعض أميرات مصر دورا في العمل الخيري ففي (جمادى الآخرة 1332 هـ= مايو 1914م) أسست هدى شعراوي بمعاونة الأميرتين عين الحياة وأمينة حليم جمعية الرقي الأدبي للسيدات المصريات وجمعية المرأة الجديدة للمساعدة في أعمال البر والإحسان وتوعية النساء، كما أقام عدد من سيدات الطبقة الراقية في مصر جمعية أمهات المستقبل بغرض مساعدة فتيات الطبقة الفقيرة، وتزعمت هذه الجمعية ابنة حسين فهمي باشا التي استعانت بوالدة الخديوي عباس، وحصلت منها على مساعدات مالية، وهو ما أدى إلى ذيوع هذه الجمعية في الأوساط الراقية، فشارك فيها عدد من الأميرات مثل الأميرة رقية حليم زوجة الأمير عمر طوسون، وزوجة واصف غالي باشا وزوجة يوسف بطرس غالي وقمن بإنشاء معهد علمي سنة (1341 هـ=1923م) يضم الفتيات الفقيرات وغير القادرات على الإنفاق على تعليمهن، وكان من فطنة القائمات على ذلك المعهد أن خصصن جزءا كبيرا من مواد الدراسة للأنشطة النسائية والمنزلية.

وتم إنشاء عدد من المدارس التابعة لجمعية أمهات المستقبل لمساعدة الفقيرات واليتيمات على التعلم. ولعبت هذه الجمعية دورا بارزا في تعليم الفقيرات؛ حيث أتاح التعليم لهؤلاء أن يكن من البارزات في العمل الاجتماعي بعد ذلك.

وتأتي الأميرة عين الحياة والسيدة هدى شعراوي ضمن النساء اللاتي لعبن دورا بارزا في العمل الخيري، حيث سعت تلك الفاضلة إلى تكاتف الأميرات المصريات في إنشاء مبرة محمد علي سنة (1327 هـ=1909م) بقصد معالجة الأطفال من مرض الكوليرا، وبدأت فكرة المبرة كجمعية خيرية لتعليم الفتيات الحياكة ومستوصف طبي لرعاية الأطفال صحيا ومركز للتوعية الصحية للأمهات.

وتأتي الأميرة فاطمة بنت إسماعيل في مقدمة النساء اللاتي بذلن الكثير من المال في تدعيم وإنشاء العمل الخيري في مجال التعليم والثقافة، حيث كان لجهود تلك السيدة الفاضلة أثرها البالغ في إنشاء الجامعة المصرية (جامعة القاهرة الآن) بعدما كاد مشروع الجامعة يتوقف، فعندما علمت بأن مشروع الجامعة يعاني من أزمة مالية كبيرة تهدده بالتوقف، أعلنت أنها على استعداد لبذل كل ما لديها في سبيل إتمام ذلك المشروع الحضاري، وأوقفت 6 أفدنة من أراضيها ليقام عليها المشروع، وأوقفت كذلك 661 فدانا من أجود أراضيها في محافظة الدقهلية على هذا الأمر من ضمن 3357 فدانا كانت تخصصها للبر والإحسان، وجعلت للجامعة من صافي ريع تلك الأرض حوالي 40% كل عام.

وعندما تعذر على الجامعة إقامة حفل وضع حجر الأساس الذي كان سيحضره كبار رجال الدولة في مصر تكفلت تلك السيدة بالتكاليف جميعها، وتم الاحتفال في يوم (3 من جمادى الأولى 1322هـ=31 من مارس 1914م)، ثم ما لبثت الأميرة فاطمة أن أعلنت أنها ستتحمل تكاليف بناء الجامعة من نفقاتها الخاصة؛ ولذا عرضت مجوهراتها للبيع، وعندما لم تنجح محاولة بيعها في مصر تم عرضها للبيع خارج البلاد وتم بيعها بحوالي 70 ألف جنيه.

ومن الأشياء التي تحسب للأميرة فاطمة أن مقر المتحف الزراعي في القاهرة والذي يقع على مساحة 30 فدانا ويعد أول متحف زراعي في العالم كان في الأساس هو القصر الذي تعيش فيه فاطمة ثم تبرعت به للجامعة والذي أنشئ عليه بعد ذلك المتحف الزراعي.

وكان عطاء الأميرة فاطمة يتجاوز حدود الإقليم المصري؛ فقد وهبت تلك الفاضلة في (6 من ربيع الأول 1339هـ=18 من نوفمبر 1920م) ثروتها البالغة مليوني ليرة ذهبية إلى جامعة إستانبول لتؤكد أن للمرأة القدرة على أن تكون المنقذ لعقل الأمة ووعيها، وأنها تستطيع أن تقوم بما يقوم به أولو العزم من الرجال.

وقد سبقتها إلى هذا الباب الخير من أسرتها زينب بنت محمد علي باشا المتوفاة سنة (1224هـ= 1809م) التي أوقفت على الأزهر الكثير من الأراضي بلغ ريعها سنويا حوالي 20 ألف جنيه، كما أوقفت أملاكا للإنفاق على 14 مسجدا في مصر، وشيدت عددا من التكايا في الآستانة، وكانت تعول فيها ما يقرب من أربعمائة أسرة.

وفي مصر تأتي السيدة الفاضلة قوت القلوب الدمرداشية كإحدى العلامات البارزة في عمل الخير، فقد كانت تلك السيدة الفاضلة التي ساهمت هي ووالدها عبد الرحيم الدمرداش في التبرع بالمال اللازم لبناء مستشفى الدمرداش الشهير في مصر، كما كانت الأرض التي تقع عليها جامعة عين شمس الحالية جزءا من أوقاف تلك السيدة الفاضلة، ومما يحسب لوالدها الفاضل أنه رفض دعوات كثيرة من الأهرام والمؤسسات في مصر لتكريمه على تبرعه الضخم، وأصر أن يكون عمله خالصا لله بعيدا عن أي شبهة من رياء، ومما يحسب له أن المائدة التي أعدت للضيوف في حفل وضع حجر الأساس للمستشفى لم يوضع عليها طعام أو شراب ولكن وضع عليها الطوب ومواد البناء، كما أن المستشفى -كما نصت وصيته- كانت مفتوحة للجميع بغض النظر عن الدين أو الجنس.

أما قوت القلوب فكانت تسير على منوال أبيها الذي كان شيخ الطريقة الدمرداشية فقد تبرعت لذلك المستشفى بما يعادل 50 ألف جنيه ذهبا، أما ثروتها فكانت تزيد على النصف مليون، ومما يحسب لها أنها كانت تطبع بعض الكتب على نفقتها وأنها كانت تخصص جوائز للمبدعين من شباب الأدباء؛ حتى إن أول جائزة يحصل عليها الأديب الكبير نجيب محفوظ في حياته كانت جائزة قوت القلوب الدمرداشية عن روايته رادوبيس. ونشير هنا فيما يتعلق بإنفاق المرأة على إنشاء دور العبادة أنه لم يكن مقتصرا على السيدات المسلمات فقط، ولكن شاركتها بعض السيدات المسيحيات الفاضلات مثل هيلانة سياج المتوفاة سنة (1347 هـ= 1929م) والتي أنشأت في الإسكندرية مدرسة خيرية وأنفقت عليها أموالا طائلة، كما بنت كنيسة فخمة في الإسكندرية، كما أنها تبرعت بمبلغ مالي ضخم آخر لبناء كنيسة أخرى للطائفة الأرثوذكسية، ويقال إن جملة ما تبرعت به كان حوالي (30 ألف جنيه) (كان قيمة الجنية المصري آنذاك تفوق قيمة الجنيه الذهب) وأوقفت ما يقرب من (120) ألف جنيه لأعمال الخير.

لقطات من العمل الخيري النسائي:

1- أمهات المؤمنين

2- رفيدة والصحابيات

3- زبيدة زوجة هارون الرشيد

4- الحاضنة وعصمت وخديجة..

5- الفاضلة ومسكة ومؤنسة..

6- الأميرة عزيزة..

7- أم البنين وأختها..

8- السلطانة الوالدة..

أمهات المؤمنين..

من البدايات التي سجلها التاريخ للعمل الخيري النسائي ما قامت به أم المؤمنين زينب بنت خزيمة رضي الله عنها، والتي كانت تلقب بـأم المساكين والتي تذكر كتب التاريخ والسير عنها أنها كانت ترعى من كانت به ضيعة من المسلمين، وأنها كانت تعطف على الفقراء حتى قبل الإسلام وترعاهم.

وكذلك أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها، وكانت امرأة تجيد بعض الصناعات اليدوية فكانت تعمل حتى تتصدق على الفقراء والمساكين. وتشير الروايات الصحيحة في السنة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن أول نسائه لحوقا به بعد موته أطولهن يدا؛ فلما ماتت زينب بنت جحش علمت زوجات النبي كثرة صدقتها وبرها وأدركن أنها أطولهن يدا. وهنا يظهر أن النساء وعلى رأسهن زوجات النبي كن فاعلات في مجتمعهن، وأنهن كن يبادرن بحكم معرفتهن بما يدور في البيوت ومعرفتهن بأحوال الناس إلى القيام بواجب الرعاية الحقة للمحتاجين في المجتمع.

رفيدة والصحابيات..

أما السيدة رفيدة الأنصارية فقد سجل لها التاريخ دورها الاجتماعي في جانب رعاية المرضى والجرحى، وهو من الأوسمة التي يجب أن تفخر بها المرأة؛ والرواية الوحيدة التي وردت عن حياة تلك السيدة الفاضلة والتي تداولتها كتب التاريخ والتراجم، تقول -والنص هنا من تاريخ الطبري- إنها كانت تحتسب نفسها على خدمة من كانت به فاقة وحاجة من المسلمين، وإنها كانت لها خيمة في المسجد النبوي الشريف تداوي فيها الجرحى، وإنها مرّضت فيها الصحابي الجليل سعد بن معاذ رضي الله عنه، وإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزوره في خيمتها.

وتحليل النص يؤكد أن خيمة رفيدة كانت مشهورة بين المسلمين وأنها كانت محل اعتبار وتقدير من النبي صلى الله عليه وسلم باعتبارها أول مستشفى ميداني في الإسلام.

ولم تكن رفيدة وحيدة في طريق البر والتفاعل المجتمعي، بل شاركها فيه أخريات ممن آثرن أن يلعبن الدور المنوط بهن في الدفاع عن مجتمعهن ما دامت الواحدة منهن تستطيع ذلك؛ فقد خرجت بعض أمهات المؤمنين لمداواة الجرحى وسقاية العطشى في ميدان المعركة، مثل نسيبة بنت كعب، والرُّبَيِّع بنت معوذ الأنصارية، وكن يحملن الماء على ظهورهن، بل أشارت بعض الروايات إلى أنهن كن يجرين بقِرَب حتى تظهر الخلاخيل التي كن يلبسنها في أرجلهن، وهي رواية تشير إلى الجدية في القيام بالدور الاجتماعي أمام الخطر الذي يقترب من كيان الأمة.

زبيدة زوجة هارون الرشيد

وتأتي زبيدة بنت جعفر زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد من طلائع النساء اللاتي قمن بأعمال خيرية عملاقة، وذلك من نفقتها الخاصة؛ ففي رحلتها للحج سنة (186هـ= 802م) رأت ما يعانيه أهل مكة المكرمة من جهد في سبيل الحصول على الماء الصالح للشرب، فبادرت باستدعاء خازن مالها وأمرته أن يجمع المهندسين والعمال من أنحاء البلاد لإيجاد حل سريع وفعال لهذه المشكلة، فأخبرها الخازن أن هناك صعوبات كبيرة في حل هذه المشكلة، وأن إيجاد الماء العذب لمكة سيكلفها أموالا طائلة، فما كان من زبيدة إلا أن أمرته بتنفيذ المشروع حتى لو كانت ضربة المعول بدينار (أي أن تكون ضربة المعول بما يعادل 40 دولارا حاليا) وهو ما يؤكد صدق عزيمتها للقيام بهذا المشروع.

وقد قام المهندسون والعمال بوصل منابع المياه من الجبال حتى أوصلوها بعين حنين بمكة، وتم تمهيد الطريق للماء في كل منخفض وسهل وجبل، وعرفت العين بعين زبيدة، وكان طولها حوالي 10 أميال، كما أقامت الكثير من الآبار والمنازل والمساجد على الطريق بين بغداد ومكة، وهذه الأعمال لا تقوم بها إلا الدول، فإذا قامت به سيدة فاضلة فهو دليل على قلبها العامر بالخير، وقدرتها على تنفيذ العمل الاجتماعي الخيري.

ويذكر أن زبيدة أنفقت في رحلة الحج تلك التي استمرت حوالي 60 يوما ما يقرب من 54 مليون درهم، وهو ما يشير إلى حجم ثرائها الواسع وإنفاقها الكبير في وجوه الخير.

ويُذكر لزبيدة أيضا أنه كان لها مائة جارية يحفظن القرآن الكريم، وأنهن كن يقرأنه بالليل فكان يُسمع من قصرها دوي كدوي النحل من هذه القراءة، فقصرها كان أشبه بمدرسة أو معهد راق لتعليم القرآن الكريم تتعلم فيه مائة فتاة من حافظات القرآن القارئات له والمتعبدات به آناء الليل.

الحاضنة وعصمت وخديجة..

كان بناء المساجد والوقف عليها من أبرز أوجه الخير التي قامت بها النساء في العمل الخيري، وكانت المساجد لا تبنى للصلاة فقط بل كانت أشبه بالمؤسسات الخيرية الشاملة التي تقام فيها العبادات ويدرس فيها العلم.

ومن الأوقاف النسائية النادرة على المساجد ما قامت به سيدة فاضلة تُسمى فاطمة الحاضنة المتوفاة سنة (420هـ= 1029 م) والتي أوقفت على جامع عقبة بن نافع بالقيروان عددا من الكتب النفيسة والمؤلفات النادرة التي ما زال بعضها موجودا حتى الآن في الخزانة العتيقة بجامع عقبة، ومنها مصحف مخطوط بماء الذهب ومكتوب بالخط الكوفي.

وكذلك فعلت عصمة الدين بنت معين الدين أنر زوجة الملك العادل نور الدين محمود التي بنت مدرسة للفقهاء في دمشق وأوقفت عليها المال الكثير.

وبالمثل فعلت خديجة بنت الملك المعظم عيسى التي أنشأت المدرسة المرشدية في دمشق سنة (654هـ= 1256 م)، وأم شمس الملوك التي أنشأت المدرسة الخاتونية البرانية في دمشق في القرن السادس الهجري واهتمت بتزينها بأنواع نادرة من الرخام.

الفاضلة ومسكة ومؤنسة..

ومن ذلك ما قامت به الفاضلة مريم بنت الشمس العفيف المتوفاة سنة (713هـ= 1313م) زوجة الملك اليمني المظفر من حكام اليمن الرسوليين، حيث إنها كانت كثيرة البر والإحسان، فأنشأت مدرسة في زبيد عرفت باسم المدرسة السابقية ورتبت فيها إماما ومؤذنا ومعلما للأيتام، وأوقفت عليها أموالا كثيرة للإنفاق عليها، كما أنشأت مدرسة أخرى في تعز عرفت بـالمدرسة المعزية، ودُفنت في إحدى المدارس التي أنشأتها.

وقد قامت عدد من النساء ببناء عدد من المدارس والمساجد وأوقفن عليها الكثير من الأموال والضياع مثل: مُسكة جارية الناصر محمد بن قلاوون التي أنشأت مسجدا عظيما في مصر ودفنت فيه سنة (746هـ= 1345 م)، ومؤنسة بنت الملك المظفر محمد بن عبد الملك المتوفاة سنة (703هـ= 1303 م) والتي أنشأت مدرسة كبيرة بحماة عرفت باسم المدرسة الخاتونية، وأم حسام الدين بنت أيوب التي أنشأت المدرسة الجوانية التي كانت تدرس الفقه الشافعي في القرن السابع الهجري.

الأميرة عزيزة..

ومن السيدات الرائدات في تاريخ تونس في العمل الخيري الأميرة عزيزة بنت أحمد المتوفاة (1080هـ= 1669م) والتي أوقفت كل ما تملك على وجوه البر والإحسان؛ فأقامت بيمارستانا (مستشفى) لمعالجة شتى الأمراض عرفت بالبيمارستان الصادقي، كما أنها قامت بوقف بعض ممتلكاتها على وجوه من أعمال الخير التي يطلق عليها في عصرنا “أعمال إنسانية”، فأوقفت أملاكا على عتق الرقاب وفك العاني وإنقاذ الأسير، وعلى ختان الذكور يوم عاشوراء من كل عام، وعلى تجهيز الفتيات الأبكار الفقيرات للزواج حتى ترغّب الشباب في الزواج منهن وحتى لا يثقلهن الفقر عن الزواج.

أم البنبن وأختها..

ومن النماذج النسائية الرائعة في العمل الخيري ما قامت به السيدة الفاضلة أم البنين فاطمة بنت محمد الفهري في القرن الثالث الهجري، وكانت سيدة أندلسية الأصل هاجرت إلى مدينة فاس مع أسرتها، وكان والدها ذا مال واسع وتوفي وترك ابنتين إحداهما فاطمة والأخرى مريم، فأما فاطمة فقامت بإعادة بناء جامع القرويين الشهير في فاس والذي يعد من أوائل الجامعات في العالم الإسلامي، وكان ذلك سنة (1245هـ= 1829م) وبذلت في بناء ذلك المسجد المال الكثير.

ويذكر أنها صامت منذ الشروع في بناء المسجد حتى تم الانتهاء من العمل في المسجد والصلاة فيه، وأنها تحرت الحلال في مواد البناء التي تدخل في البناء، وبالغت في ذلك حتى إنها اشترت أرضا قرب مسجد القرويين واستخرجت منها مواد البناء من طين ورمال وأحجار فكانت تلك الأرض كثيرة الكهوف والحفر نظرا لما أخذ منها في بناء ذلك المسجد العتيق الذي ما يزال قائما حتى يومنا الحاضر، ولكن بعد إعادة بنائه وتحويله إلى جامعة ضخمة.

أما أختها مريم فاعتنت ببناء جامع آخر في فاس وهو جامع الأندلس الذي كان من المساجد الشهيرة في فاس والذي لعب دورا علميا في تاريخ تلك المدينة العتيقة.

ويذكر الدكتور عبد الهادي التازي في كتابه المرأة في تاريخ الغرب الإسلامي أن العديد من مدارس البنات التي كانت تعرف بـ “دور الفقيهات” كانت منتشرة في الكثير من أحياء المغرب، وأن بعض الوجيهات كن يشرفن عليها انطلاقا من رغبتهن في تعميم المعرفة ونشر الخير والفضيلة في المجتمع.

السلطانة الوالدة..

قامت الكثير من نساء الحكام والطبقة الراقية والمتعلمات في المنطقة العربية والإسلامية بالكثير من العمل الخيري والاجتماعي، فعلى سبيل المثال: نساء الخلفاء العثمانيين كن يقمن بالكثير من الأنشطة الخيرية، فقد كانت السلطانة الوالدة (وهو لقب لمن يجلس ابنها على العرش العثماني) لها إيرادات واسعة تأتيها من شتى الإمبراطورية فكن يمتلكن ثروة طائلة، وكن ينفقنها على الأوقاف المختلفة التي أقمنها في إستانبول والحرمين الشريفين والقدس، مثل السلطانة نوربانو والسلطانة صفية، إلا أن السلطانة كوسم مهبيكر كانت من أشهر النساء العثمانيات في العمل الخيري هي والسلطانة خديجة تارخان حيث تركن عددا كبيرا من المؤسسات الخيرية، وأوقافا ينتفع بها الفقراء وطلبة العلم.

اقرأ أيضا:

من المراجع:

  • عمر رضا كحالة: أعلام النساء – مؤسسة الرسالة – بيروت.
  • آمال السبكي: الحركة النسائية في مصر ما بين الثورتين 1919 و1952 – الهيئة العامة للكتاب – 1986م.
  • أكمل الدين إحسان أوغلي: الدولة العثمانية تاريخ وحضارة – ترجمة صالح سعداوي – مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية – إستانبول – 1999م.