أ. د/ طه مصطفى أبو كريشة

من آيات الله البينات عن بيت الله الحرام ما ورد في القرآن الكريم عن مناجاة سيدنا إبراهيم -عليه السلام-، ودعائه لربه سبحانه وتعالى: “رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُون” (إبراهيم: 37).

واستجاب الله تعالى لنبيه دعاءه، وأمره أن يؤذن في الناس بالحج: “وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيق” (الحج: 27).

ومنذ ذلك الوقت والقلوب يستبد بها هوى جارف، وحنين طاغ، وشوق لهيف إلى بيت الله الحرام، وفي كل عصر وآن كلما أحست النفوس من ذلك ريًّا، إذا بها يستولي عليها ظمأ شديد، وعطش غلاب، يطالبها بمزيد من الري، وبأضعاف من الارتشاف.

والذين رزقهم الله موهبة التعبير عن مكنون أنفسهم بالشعر، رزقهم مع الموهبة رهافة الإحساس، ورقّة الشعور، وشفافية العاطفة، ومن أجل ذلك فإنهم لم يقفوا جامدين أمام حظهم من ذلك الهوى القلبي والعشق النفسي، وإنما ترجموه بشعرهم، وعبّروا عنه في قصائدهم، فكان من وراء ذلك فيض من الشعر الإسلامي، لو تتبعنا في دواوينهم لوجدنا من وراء هذا رصيدًا كبيرًا جديرًا بالدراسة والنظر إذا ضم بعضه إلى بعض.

ولسنا هنا في مقام الإحصاء والاستقصاء، فإن لهذا مكانًا غير هذا المكان وإنما نكتفي بالنظر في شعر شاعر واحد كانت له خواطر أوحى بها الحج حين أظل الناس زمانه، واستشرفوا مناسكه وشعائره.

هذا الشاعر هو أمير الشعراء أحمد شوقي الذي سجَّل بشعره كثيرًا من خواطره في المناسبات الإسلامية، فكان شعره رقيقًا حانيًا، يمس شغاف القلوب، ويصل منها إلى الأعماق، ويجعلها تحلق في جو عبق من أريج الذكريات، يعيدها إلى الماضي الحبيب، ويجتاز بها الآماد إلى حيث العصر الذي تنزل فيه الوحي من عند الله تعالى على قلب نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم).

ولأحمد شوقي قصيدتان تتصلان بالحج اتصالاً مباشرًا، وهو لم يصغهما من وحي أدائه للفريضة، وإنما قالهما من وحي أداء غيره، فكل منهما قيل في توديع ذاهب إلى بيت الله الحرام، وإذا تجاوزنا عن هذه المناسبة الشخصية الخاصة، فإننا نستطيع أن نعدّ كلاًّ من القصيدتين تعبيرًا عن خواطر الشاعر الذاتية نحو بيت الله الحرام والمشاعر المقدسة.

أما أولى القصيدتين فقد قالها أحمد شوقي حين حج “الخديوي عباس حلمي الثاني”، ويتصدرها هذا الدعاء الضارع الذي لا يملك الإنسان إلا أن يوجهه إلى كل قاصد بيت الله الحرام:

 

عليك سلام الله في عرفات

إلى عرفات الله يا خير زائر

 

فإذا كانت الزيارة انتقالاً من مكان إلى مكان فإن زائر البيت الحرام هو خير زائر إلى خير مكان حقًّا.

وإذا كان للزوار مستقبلون، يترقبون مقدمهم، ويحتفون بهم إذا وصلوا إليهم، فإن أحمد شوقي يصوّر موكب الاستقبال لكل حاج بقوله:

 

وسيم مجال البشر والقسمات

ويوم تولى وجهة البيت ناضرًا

تزف تحايا الله والبركات

على كل أفق بالحجاز ملائك

رسائل رحمانية النفحات

لدى الباب جبريل الأمين براحه

بكعبة قصاد وركن عفاة

وفي الكعبة الغراء ركن مرحب

أفاض عليك الأجر والرحمات

وما سكب الميزاب ماء وإنما

 

والشاعر يصور هنا ما يعلو وجه الحاج من دلائل الفرحة والبهجة، وما يخالط قسماته من البشر والسرور، ثم يرنو ببصره إلى هناك في آفاق الحجاز، فتبدو له هذه الآفاق من خلال رؤاه الروحانية، وقد امتلأت بأفواج الملائكة يلوحون للحجيج، ويزفون إليهم تحيات من عند الله مباركة طيبة، أما عند الوصول إلى بيت الله الحرام، فإن جبريل -عليه السلام- يستقبلهم عند الباب برسائل الرحمة، ونفحات المغفرة والرضوان من رب العالمين، وليس هذا فحسب، بل إن الكعبة نفسها بأركانها ترحّب بقصاد بيت الله الحرام الذين جاءوا من كل فج عميق يبتغون عطاء ربهم، ويمدون أيديهم في ضراعة طالبين عفوه ورضاه.

وتمتد بالشاعر رؤاه الروحانية، فيلتفت إلى الميزاب الذي يمتد من سقف الكعبة إلى خارجها، فلا يراه وسيلة ينسكب الماء من خلالها، وإنما يراه مجرى يفيض منه الأجر، وتناسب منه الرحمات على من استغاثوا بالله رب العالمين الرحمن الرحيم.

ثم يتأمل الشاعر ذلك الجمع المحشود من البشر، الذي أقبل من كل صوب، ومثل كل جنس ولغة، وحوى من كل طبقة ولون، ويخرج من تأملاته بأن الله وحده هو القادر على جمع هذا الحشد في هذا المكان الذي ليس له حدود:

 

لبيت طهور الساح والعرصات

لك الدين يا رب الحجيج جمعتهم

إليك انتهوا من غربة وشتات

أرى الناس أصنافًا ومن كل بقعة

 

إنه الدين الواحد الذي أظل الجميع، فأقبلوا تحت لوائه، ناسين كل وجه من وجوه الاختلاف في الأنساب والأقدار.

ويعود الشاعر إلى ذاته، مستحضرًا ما تقدم من ذنوبه، وما حفلت به صحيفته من هفوات، فيناجي ربه متسائلاً، ليس تساؤل المستبعد، وإنما تساؤل الخائف المرتعد من حجم ذنوبه، الذي يطمع في رحمة الله الواسعة.

 

وفي العمر ما فيه من الهفوات

ويا رب هل تغني عن العبد حجة

 

ثم يتابع النجوى ذاكرًا جانبه الآخر من الحسنات التي يرجو أن تكون له شفيعًا في محو ما تقدم من هفوات:

 

ولم أبغ في جهري ولا خطراتي

وتشهد ما آذيت نفسًا ولم أضر

على حكمة آتيتني وأناة

ولا غلبتني شقوة أو سعادة

لدى سدة خيرية الرغبات

ولا جال إلا الخير بين سرائري

على حسدي مستغفرًا لعداتي

ولا بت إلا كابن مريم مشفقًا

كنفسي في فعلي وفي نفثاتي

ولا حملت نفس هوى لبلادها

أجل وأغلى في الفروض زكاتي

وإني ولا من عليك بطاعة

ويتركها النساك في الخلوات

أبالغ فيها وهي عدل ورحمة

من الصفح ما سودت من صفحاتي

وأنت ولي العفو فاعف بناصع

 

إن الشاعر في مناجاته يستنجد بنصيبه من الطاعة، من غير أن يمن بذلك فإن الفضل لله تعالى فيما وفقه إليه من طاعة، إنها صيحة من يرى أنه قد أحكم من حوله الخناق، ولم يبق أمامه إلا طلب العفو الذي يمحو ما سطر في صحيفته من سيئ الأعمال، وهو عفو يتعلق به حتى في ظل ما يظن من عمل صالح قدمه في سالف عمره.

ثم ينتقل الشاعر بنجواه من المشاعر المقدسة في مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، حيث المسجد النبوي الذي يضم مثوى النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويستحضر الشاعر جموع المسلمين، وهي تقف هناك خاشعة مستلهمة، تذرف دموع الحب، والتوقير، والهيبة لخاتم الأنبياء والمرسلين، الذي أرسله ربه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وليخرج الناس من الظلمات إلى النور.

وفي هذا الاستحضار يحمل كل زائر رسالة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يبلغه فيها ما آل إليه المسلمون في حاضرهم، كيف تفرقوا بعد توحّد، وكيف ناموا بعد يقظة، وكيف أحاطت بهم الظلمات بعد أن فرطوا في النور الذي بين أيديهم، نور القرآن الكريم، ونور السنة النبوية المطهرة:

 

وقبلت مثوى الأعظم العطرات

إذا زرت (يا مولاي) قبر محمد

لأحمد بين الستر والحجرات

وفاضت مع الدمع العيون مهابة

وضاع أريج تحت كل حصاة

وأشرق نور تحت كل ثنية

وباني صروح المجد فوق فلاة

لمُظهر دين الله فوق تنوفة

أبثك ما تدري من الحسرات

فقل لرسول الله يا خير مُرسَل

كأصحاب كهف في عميق سبات

شعوبك في شرق البلاد وغربها

فما بالُهُم في حالك الظلمات

بأيمانهم نوران: ذكر وسنة

 

ثم يتوجه الشاعر في نهاية هذه المناجاة إلى المسلمين، يستنهض فيهم الهمم، ويستثير منهم العزائم، مذكرًا لهم بماضي المجد والفخار الذي يجب عليهم أن يعملوا على إحيائه في حاضرهم من أجل مستقبلهم؛ ذلك لأن الزمان الذي نحن فيه هو زمان العاملين لا الخاملين، زمان الأحياء حقًّا لا الذين يعدون في عداد الأموات:

 

فما ضرهم لو يعملون لآتي

وذلك ماضي مجدهم وفخارهم

مجال لمقدام كبير حياة

وهذا زمان أرضه وسماؤه

بوارج في الأبراج ممتنعات

مشى فيه قوم في السماء وأنشئوا

وزين لها الأفعال والعزمات

فقل رب وفق للعظائم أمتي

 

وهكذا كان الختام إشارة إلى الغاية التي ينبغي أن يحرص على تحقيقها المسلمون حين يلتقون كل عام في هذا المؤتمر السنوي الكبير.

* * *

أما القصيدة الثانية فقد قالها أحمد شوقي حين حج أحد أصدقائه المقربين إليه، وفي بدايتها يتوجه إلى هذا الصديق بالحديث ذاكرًا له ذلك المكان، الذي له الوقع الحسن على أذن كل حاج يقصد بيت الله الحرام وهو الحجاز:

 

ز وفي جوانحك الهوى له

“محجوب” إن جئت الحجا

ل، وآله أزكى سلاله

شوقًا وحبًا بالرسو

وشممت كالريحان (ضاله)

فلمحت نضرة “بانه”

 

وهنا يشير الشاعر إلى الهوى، والشوق، والحب الذي يملأ جوانح كل متجه إلى حج بيت الله الحرام، وإلى زيارة النبي -صلى الله عليه وسلم-، تلك المشاعر القلبية التي تجعل العيون ترى كل شيء حولها بهيجًا ناضرًا ذا عبق طيب ورائحة زكية.

ثم يتابع الشاعر المسير مع هذا الحاج متنقلاً معه إلى حيث الأماكن المقدسة فيقول:

 

ـظر فيه دمعك وانهماله

وعلى العتيق مشيت تنـ

الروح يسري والرسالة

ومضى السرى بك حيث كان

ز يبارك الباري حياله

وبلغت بيتًا بالحجا

لخلقه وجلا حلاله

الله فيه جلا الحرام

العالمين من الجهالة

فهناك طب الروح طب

 

إنه يتنقل معه إلى البيت العتيق، وإلى كل مكان سرى فيه الروح الأمين بالرسالة القرآنية التي أحلت الحلال، وحرمت الحرام في جلاء ووضوح لا مجال فيه لشك أو ريب، وهنا يأتي التذكر بالنفع والثمرة المنتظرة بعد أداء الفريضة، إنها الثمرة التي تشفى بها الأرواح من مرض، وتهدى بها العقول من بعد ضلالة، إنه الطب الناجع في الشفاء؛ لأنه طب رب العالمين، الذي خلق فسوى، والذي قدَّر فهدى.

ويتابع الشاعر التذكير بكل شيء يجده الحاج من كل ما يتصل بماضيه مكانًا وثقافة وذكريات غالية:

 

حة والبلاغة والنبالة

وهناك أطلال الفصا

أزكى البرية قد مشى له

وهناك أزكى مسجد

وحديث (قيس) والغزالة

وهناك عذري الهوى

في أعنتها خياله

وهناك مجرى الخيل يجري

حة والرجاحة والبسالة

وهناك من جمع السما

والعلم قد ألقى رحاله

وهناك خيمت النهى

الله فيأنا ظلاله

وهناك سرح حضارة

 

إنها دعوة إلى استحضار الماضي بكل أمجاده ومفاخره؛ إذ لا انفصال للحاضر عن الماضي في تاريخ كل أمة تعتز بنفسها وتريد أن يكون لها شأن بين الأمم.

إن هذا الماضي هو الذي يوقد عزائم الحاضر؛ لكي تشعر في داخلها أنها جديرة حقًّا بأن تصنع شيئًا، من هنا كانت هذه الإشارة المكررة في أبيات الشاعر (وهناك) تلك الإشارة التي تعني التذكير، والتعظيم، والإعلاء، والإكبار لكل ما هو مرصود مذخور في تاريخ هذه الأمة.

إن كل ذلك يمثل حضارة أنعم الله تعالى بها عليها، وجعلها تتفيأ ظلالها، ومن ثَم فهي نعمة يجب أن تشكر، وأول دلائل الشكر أن يحافظ عليها، وحفظها بإحيائها، والتمسك بها، والعمل على منوالها في تجديد موصول، لا تنفصم فيه العرى، ولا تنقطع بين أطرافه الأسباب.

* * *

وبعد:

فذلك مثل من أمثلة الخواطر التي تجيش بها قرائح الشعراء حول فريضة الحج وما توجيه إليهم من قول، إنها خواطر مبعثها هذا الهوى المستكن في الأفئدة، إجابة لدعاء أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم -عليه السلام-.

وهي خواطر مهما كانت لن تبلغ من وصف البحر الزاخر إلا ما تبلغه من وصف قطرة ماء تنفصل من الموج الخضم المتلاطم، ومن ثَم يبقى الحج دائمًا مجالاً يتسع للمزيد من القول أمام هتاف الشعراء، حين يرون بأعينهم أمواج الحجيج في كل عام، تتجه في بعث ونشور قاصدة بيت الله الحرام، تؤدي ما افترض عليها، وتبغي ميلادًا جديدًا في حياتها، ميلادًا بعد ميلادها الأول، ميلادًا يعود فيه الذاهبون من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم.