للأستاذ/ جابر حمزة فرّاج

إن الناظر إلى أداء فريضة الحج يرى عجبًا.. والرائي لا يشاهد إلا ما يدعو إلى الدهشة فإذا رأيت ثم رأيت موكبًا من مواكب الله، وقافلة من قوافل الإيمان.. وجيشًا من جيوش الحق.. وجندًا من جنود اليقين.. هديرهم تكبير.. وهتافهم تسبيح.. ونداؤهم تلبية.. ودعاؤهم تهليل.. مشيهم عبادة.. وزحفهم صلاة.. وسفرهم هجرة إلى ربهم.. وغايتهم مغفرة ورضوان.. تراهم في حشدهم صورة متكاملة متناسقة في إطار نوراني على اختلاف أجناسهم.. وتباين اللغات وتغاير الأوطان..

اجتمعوا على كلمة الله تعالى.. والْتأموا في بيت الله.. والتحموا أمام الله في رحمة وعطف وحنان، شعار كل فرد منهم “وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِين”.. مظهرهم كأنهم بنيان مرصوص.. تركوا البلاد، والديار، والأهل، والأولاد.. والتجارة والأعمال.. لم تسُقهم قوة قاهرة.. ولم تجبرهم قوانين دنيوية، بل جاءوا مندفعين بدافع من أعماقهم، منبثق من وجدانهم، نابع من فيض إيمانهم ومعين يقينهم.. قطعوا الفيافي والقفار.. واجتازوا الجبال والوديان.. وعبروا البحار والأنهار.. وطاروا على متن الهواء.. قاصدين بيت الله الحرام.. يعيشون في رحابه.. وينعمون بقدسيته.. مستشرفين بضيافته.. متلمسين لرحمته.. مستهدفين المغفرة.. مستمطرين الرضوان، كما قال ربهم: “وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا”..

البيت الحرام:

هو بيت العز والشرف، بيت المجد والكرم، بيت الرجاء والأمل.. واحة الضال.. وهداية التائه.. وملجأ القاصد.. وملاذ الخائف.. ومقام الطائف والعاكف.. من دخله كان آمنًا.. في جنباته الطهر والنقاء.. وعلى أبوابه البذل والعطاء.. وبين أركانه الجود والسخاء.. فالأجر مضاعف.. والجزاء موفور.. والذنب مغفور.. والسعي مشكور.. عند رب لا تُغلق رحابه.. ولا تُسد أبوابه.. لا يخيب سائلاً.. ولا يرد طالبًا.. فهو الحليم الذي لا يعجل.. والكريم الذي لا يبخل.. وفي ميدان هذا البيت يتجلى الدين في أروع صورة وأبدع مظهر.. جموع تطوف وتطوف.. وفئات تصعد وتنحدر بين الصفا والمروة.

فمن خلال الطواف نتعلم النظام، ونتدرب على التعاون وإنكار الذات، ونتلقى دروسًا عملية في الآداب، والمروءة، والحب، والعطف، والحنان، ونؤمن بأن التوجيه الديني أسمى من أي توجيه؛ فأي توجيه تكون له مثل هذه الفعالية؟ إن الجيوش تحتاج إلى ربط وإحكام، وضبط ودقة.. بعد تدريب متواصل.. وإشراف حازم.. إلا أننا نرى الحجيج –على كثرتهم واختلاف أجناسهم وتباين لغاتهم- يسيرون في اتجاه واحد.. وارتباط وتآزر، ووحدة وتكاتف.. ووسط التلبية الهادرة، والأصوات العالية.. إذا أذن المؤذن سمعوا الأذان.. ولبوا النداء.. فإذا بالجميع وقوف وكأن على رؤوسهم الطير.. لا تسمع حينئذ إلا همسًا.. ولا تحس إلا أنفاسًا، ولا ترى إلا أجسامًا منظومة، وأقدامًا مصفوفة.. إذا ركع إمامهم ركعوا، وإذا سجد سجدوا، وإذا قرأ أنصتوا، وإذا دعا أمّنوا.. إنها صورة من صور الجمال.. من الحسن والجلال.. ومشهد من مشاهد الكمال.. ولتأتِ الدنيا.. الدنيا كلها لتطل على هذا المنظر البديع المتناسق.. وليشهد الوجود كل الوجود. بأن الإسلام هو دين النظام.. ودين التضامن.. ودين الألفة.. ودين الحياة..

“وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ” (الحج: 27، 28).

نعم يا إبراهيم -عليك السلام-.. أذِّن.. أذِّن.. أذِّن.. فالدنيا تسمعك.. والكون يصغي إليك.. والجود يلبي.. فنداؤك عبر الزمان ينشر على الأرض السلام.. ودعاؤك يبعث في الآفاق رونق الحياة.. وعجبت يا إبراهيم عندما قال لك ربك: أذن يا إبراهيم.. فقلت وقتئذ: وما يبلغ صوتي؟! فقال لك مولاك: يا إبراهيم عليك الأذان.. وعلينا البلاغ.. فناديت في الأجواء والآفاق: يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا.. فلبى نداءك أهل الأرض وأهل السماء.. حتى النطف في أصلاب الرجال.. والأجنّة في أرحام الأمهات..

السعي بين الصفا والمروة:

ومن خلال السعي بين الصفا والمروة يستشعر الحجاج معنى التضحية والجهد.. هذا الجهد الذي قاسته السيدة هاجر من أجل شربة ماء تروي غلة طفل، رضيع أنهكه الجوع وأرهقه الظمأ.. امرأة وحيدة وسط الجبال الشاهقة وبطون الوديان السحيقة تهرول هنا وهناك.. في صعود وانحدار.. وحيرة واضطراب.. يمزق أحشاءها أنين ولد عليل.. جف ريقه.. وجمد لسانه اللاهث من شدة العطش.. فإذا ما اشتد الخطب.. وادلهمّ الأمر.. تجلت رحمة الله كالنور الظلمة.. كالأمل الباسم وسط اليأس الحالك.. فتفجر الماء سلسًا.. وانساب عذبًا دافقًا.. إنه بئر زمزم.. زمزم الميمون.. زمزم المبارك.. النبع الطاهر.. الرحيق الحلو.. الدواء الشافي؛ ليعرف الناس أن الله تعالى لا ينسى مخلوقاته.. وأن الفرج بعد الضيق.. وأن مع العسر يسرًا. “وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا”..

الوقوف بعرفات:

وفي الموكب الإلهي.. وفي الركب الروحاني.. وفي مسيرة الإيمان.. يتوجه الحجاج بين الزحام المتكاثف.. وسط الجموع الصاخبة.. وخلال الكتل الزاحفة قاصدين عرفات.. متجردين من ملابسهم، اللهم إلا من إزار ورداء أبيضين يتساوى فيهما الغني ذو المال الوافر والجاه العريض.. بالفقير والمسكين ليتذكروا جميعًا ذلك الكفن الذي يلُفّهم عند وداعهم الأخير.. وكما قال عيسى -عليه السلام-: “يا أيها الناس لقد جئتم إلى الدنيا وأنتم عراة، وستخرجون منها وأنتم عراة”.

إن هذا الزحام المائج يذكرهم كذلك بيوم الحشر وما فيه.. يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.. في عرفات تذوب الطبقية.. وتتلاشى التفرقة.. وتتجسد المساواة الحقة.. المساواة الصادقة.. المساواة الخالية من كل تكلف أو خداع.. المساواة التي فقدت في العالم المتحضر.. وضاعت في دنيا المدنية الزائفة..

عند الصعود إلى عرفات.. يتسابق الحجاج ويتنافسون.. يتسابقون إلى ربهم.. ويتنافسون في كسب رضاه.. لله درك يا عرفات.. فيك ينسى المؤمن الدنيا وما فيها من متاع.. ويهجر الحياة بما تحويه من ترف وملذات.. لا يهمه لفح الهجير.. أو وهج الشمس.. ولا يمنعه شدة برد.. أو هطول مطر؛ لأنه خرج من نطاق البشرية إلى رحاب الروحانية؛ لأنه انسلخ من المادية إلى عالم المعنويات؛ لأنه تجرد من تربيته ليصعد إلى الملأ الأعلى.. الملائكة.. وينتظم في صفوف الأبرار.. أي سحر فيك يا عرفات؟ إن البصر لا يقع عليك إلا ويرى عابدًا يتبتل.. ومذنبًا يتوجع.. ومؤمنًا يخشع.. ومصليًا يركع.. وعاصيًا ذات عين تدمع.. فكأني بك بحيرة قدسية تغسل الآثام.. وتمسح الخطايا.. وتمحو السيئات.. يومك يوم نور.. ويوم رحمة.. يوم بركة.. ويوم عطاء.. يوم يباهي به الله ملائكة السماء.. فتبتسم الآفاق.. وتشرق الأكوان.. ويعم الغفران.. فيندحر الشيطان..

كأني بالحجاج يسألون عرفات عن هذه الأمجاد التي اعتلت ذروته.. وتلك الكتائب الأولى التي عاشت على سطحه فترة من الزمن.. وكأني بالجبل الرحيب يقول: كانوا أبطالاً أفذاذًا جنودًا بواسل.. كانوا أنقياء أطهارًا.. صدقوا ما عاهدوا الله عليه.. أشداء على الكفار رحماء بينهم، تراهم ركعًا سجدًا، يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا، تعرفهم بسيماهم من أثر السجود.. فرضي الله عنهم ورضوا عنه، وذلك هو الفوز المبين..

كأني بالجبل الأشم يذكّرنا بالقائد الأعظم.. بالزعيم الأكبر.. بالمرشد الملهم.. محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يلقي أسمى خطاب في الوجود.. وأخلد حديث على صفحات الزمان.. وأظهر دستور عرفه التاريخ في حجة الوداع.. يرسم للبشرية طريق خلاصها.. وسبيل مجدها.. ودروب سعادتها.. وسكب في أذن الدنيا أصدق قانون.. فيه صلاح المجتمع.. وتقويم للخلق أجمعين.. صان فيه حقوق الناس وكرامة الإنسان “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا”.

زيارة الحبيب:

زيارة تختلف عن كل زيارة.. زيارة فيها السعادة والهناء.. زيارة فيها الصدق والوفاء.. زيارة فيها الفوز والفلاح؛ لأنها نزهة القلب.. لأنها فرحة الفؤاد.. لأنها فسحة الروح.. لأنها متعة الخاطر.. لأنها فرصة الحياة.. زيارة فواحة بالعطر.. شذية العبير.. دافعة بالطهر.. وهَّاجة بالنور.. فياضة بالأمل الوضاء.

إنها زيارة محمد -عليه الصلاة السلام- أفضل العابدين.. درة الخاشعين.. سيد المرسلين.. إنه أعظم مخلوق في الوجود.. إنه تاج الشرف على رؤوس البشر.. إنه وشاح الحق على كتف الزمن..

وعبر هذه الزيارة الخاشعة تنهمر الدموع.. ويشتد النحيب.. وينتفض الوجدان.. فالكل أتى يدفعه شوق جارف وحنين عارم.. وشغف متحفز.. لزيارة رائد الإنسانية، ومعلم البشرية، وباعث المحبة.. ليكحل العين برؤياه.. ويضمخ النفس بلقياه.. متنسمًا ريح الجنة.. وأريج الفردوس.. في صمت وخشوع.. ورهبة ورغبة.. وروعة وجلال.. فهنا مهابط الوحي.. ومنابع الطهر.. ومنزل الرحمة.. وشاطئ الأمان.. ومشرق الحضارة.. ومحراب القداسة.. ومن خلال تلك الرحاب.. يتفجر الإيمان.. وينطلق اليقين.. وينبثق الدين.. وتذوب النفس في كؤوس الصفاء.. فيبدو الحاج وقتئذ مجلوًّا بنور الله سبحانه.. وضَّاء بشعاع التقوى.. ومزودًا بخير زاد، مغتسلاً من الخطايا والآثام.. متوجًا بتاج العز والكرامة.. عليه فيض من رضى.. وغمرة من حنان.. ولمسة من رحمة.. وهكذا يعود الحجاج من رحلتهم الميمونة، ودراستهم المباركة، إلى بلادهم في تألق وإشراق، ونقاء وانطلاق، يمنحون الحياة الخير والرجاء، وينشرون البر والسلام.