محمود النواوي-نشر عام 1958

أما أنت يا من هُديتَ إلى أداء هذه الفريضة العظيمة، التي هي إحدى قواعد الإسلام الخمس، فهنيئًا لك،.. وبشرى لك،.. ولزام عليك. هنيئًا لك أنك ظفرتَ بتلك الرحلة الكريمة التي هي متعة روحية، وثقافة عقلية، وقوة بدنية؛ فهي متعة روحية؛ لأنها يوم تؤدى على وجهها بالنية الصادقة الخالصة، والقلب السليم من الآفات الخاشع عند أداء القربات؛ طهرة للقلب، وصفاء للنفس، وجلاء من الران والإثم، تطهر النفس من الآثام؛ فتخرجها من الذنوب وتحيل الحاج المتثبت من حجه المحتسب لربه كيوم ولدته أمه تقيًّا نقيًّا؛ وبرًا رضيًّا كما أخبر بذلك الصادق المصدوق.

ومن خرج من ذنوبه المُبعِدة عن الله فقد ظفر بكل ما ينشد المؤمن السابق إلى الخيرات بإذن الله، وشعر باللذة والمتعة. لذة ومتعة هيهات أن تعدلها لذة الشهوات عند الماديين مهما بلغت أو تناهت هي متعة روحية؛ لأن الروح تسبح بها في عالم الذكريات منذ عهد إبراهيم وإسماعيل؛ إذ يرفعان القواعد من البيت وهما يقولان: “.. رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ * ” (البقرة: 127-129) إلى عهد ذلك النبي الأمي الذي قذف الله به الحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، وأيده بالآيات ونصره بالخوارق والمعجزات حتى استطاع في ثلاث وعشرين سنة أن يفعل ما لا يفعله المصلحون في الأرض جميعًا في مئات السنين، لولا ذلك التأييد الحق من الله الذي أراد لهذا الدين الخلود والمجد إلى أن يأتي أمر الله.

وهي متعة روحية؛ لأن النفوس فيها تجردت من العوائق وانقطعت لعبادة الخالق؛ فكانت قلوبهم حاضرة، وكل أوقاتهم في صميم العبادة والطاعة ما بين طواف بالبيت العتيق وصدقة على البائس الفقير، وذكر الله بقلب مقبل متفرغ، وما أعذب ذلك المعنى عند عباد الله الذين يدعون ويبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا.

ثم هي ثقافة عقلية؛ لأنها تريك بالحواس عيانًا ما تقرؤه في الكتب بيانًا، وإذا كانت كل رحلة وكل مسير في الأرض ثقافة وأدبًا وتهذيبًا، فجدير ذلك برحلة أمر الله بها وكتبها على الناس فريضة لا يتم الإسلام بدونها، فهي رحلة كلها مواعظ، وكلها عبر، وكلها تهذيب وأدب؛ تسوي بين الغني والفقير، وترفع الفوارق التي تغر بعض المترفين، وتبصر بالحق الكثرة الكاثرة من الغافلين؛ فيفيقون إلى رشدهم، ويعتدلون في سيرهم إذا كان حجهم بالقلب والعقل ولم يكن رياءً ومظهرًا لتحصيل اللقب، أو مجاراة للناس فيما يفعلون، هي رحلة تريك آثار المسلمين، وتعيد إليك ماضيهم لتقارن بينه وبين حاضر المسلمين، وقد تنكبوا عن الجادة وتمسكوا بخرافات زعزعت عقائدهم، وأضعفت نفوسهم وأذلتهم لغير الله، ومن ذل لغير الله فقد فَقَد طعم الإيمان وباء بالخيبة والخسران.

وهي قوة بدنية ككل رحلة تتحرك فيها الأبدان وتنتقل في مختلف البلدان وتسلك مسالك الرياضة، وتتجرد من كثير من العادات المألوفة، وتحس بما تتطلبه الغربة والبعد عن الأهل والأوطان، وبشرى لك أن الله غفر لك، وجعل جزاء حجك إذا كان مبرورا الجنة، كما قال نبي الإسلام -صلى الله عليه وسلم-: “الحج المبرور ليس له ثواب إلا الجنة”.

وإذا كان كذلك فلزام عليك أن تصحح حجك، وأن تبارك شعائره؛ فاجتنب ما نهاك الله عنه من: الرفث، والفسوق، والعصيان، “فمن فرض فيهن الحج فلا رفث، ولا فسوق، ولا جدال في الحج، وما تفعلوا من خير يعلمه الله، وتزودا؛ فإن خير الزاد التقوى، واتقون يا أولى الألباب”.

فلا تلبس المخيط، ولا المحيط، ولا تغط رأسك، ولا بعضه بعد الإحرام، ولا تغط المرأة رأسها، ولا تحج مع غير ذي رحم محرم؛ فإنها لا يحل لها سفر مع غيره، فكيف بهذه الشعيرة العظيمة؟!.

ولا تستعمل الطيب في بدن أو ثوب أو غيرهما، ولا تدهن بشيء من الزيوت، ولا تزل الشعر إلا عند التحلل، ولا تقلم ظفرًا، ولا تقتل صيدًا ولا تدل عليه”، “ومن قتله منكم متعمدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم”، ولا تتعرض لشجر الحرم بقطع أو إتلاف، وإياك أن تقرب المرأة؛ وإلا فسد حجك.

ولزام عليك أيها الحاج أن تؤدي المناسك كما يعلمك العارفون، وإياك والغيبة والنميمة والخلاف والشجار والتشاغل بشئون الدنيا؛ فإنك لم تتقرب إلا لتكون صدّيقًا قدّيسًا لا تضيع لحظة من لحظاتك في غير ذكر الله وعبادته أو عمل أقل ما يوصف به أنه مباح.

أيها الحاج هذه فرصة كريمة تتعرض فيها لنفحات الله فحاول أن تصيبك تلك النفحات بصالح الدعوات؛ حتى يتوب الله عليك، ويقبلك، ويصلح لك كل أمرك، وهو السميع العليم.

وأما أنت يا من حُرمت من هذه الفريضة الكريمة، فاتقِ الله، وعظ نفسك، وأشعرها بما كتب الله عليك من هذه الفريضة، واعلم أن تركها من الكبائر، وأن من مات ولم يحج وهو قادر على ذلك؛ فليمت إن شاء الله يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا، كما صح الخبر عن سيد البشر.

واعتقد أن كثيرًا من الناس يهملون هذه الفريضة وهم قادرون، إما لأنهم من المترفين وأبناء المترفين الذي يؤثرون المتعة، ويفضلون الراحة، وقد يؤثر كثير منهم أن يحج إلى أوروبا، أو بعض المصايف التي ينفق فيها ما لا يقل عما تتطلبه تلك الفريضة العظيمة، وإما لأنهم يغفلون أو يُسوِّفون حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعونِ لعلّي أعمل صالحًا فيما تركتُ.

يا من حُرمت هذه الفريضة الكريمة، استغفر الله، واعزم على أن تحج من قبلك؛ ليكتب الله لك ثواب الحج من الآن، على شرط أن تعده العدة، وتأخذ في الأسباب، وقد تيسرت لكثير من الناس.

استغفر الله، واعزم على أداء هذه الفريضة؛ حتى يجعلك الله من الفائزين المقبولين، وإلا فأنت من المطرودين الخاسرين، حفظني الله وإيَّاكم من الطرد والخسران، وهدانا إلى الحق، وإلى الصراط المستقيم.