عبد الباقي إبراهيم-نشر عام 1949م

كم من شبابنا يحجون في كل عام؟ لقد خطر ببالي هذا السؤال، والجواب عنه ليس عسيرًا ولا يستدعي جهدًا، فعدد فتياننا الذين يحجون كل عام قليل جدًّا، وأقل من عدد الفتيان عدد الفتيات.

والسبب في هذا أن البنين والبنات يرون الآباء لا يحجون إلا في سن كبيرة بعد أن يكونوا قد تجاوزوا مرحلة الشباب بمسافة طويلة؛ فاستقر في نفوس الناشئين أن الحج فريضة أحسن أوقاتها إذا المرء على عتبة الموت، وقد خلَّف وراءه الحياة بنشاطها الزاخر، واستقبل القبر بسكونه الرهيب؛ فهو يؤديها لتكون زكاة وطهرًا مما عسى أن يكون قد اقترف من ذنب واجترح من إثم؛ يؤديها بعد أن كادت تهدأ فيه كل حركة، ويفتر كل نشاط، وتقل رغباته، ويضعف طموحه؛ فليس الحج إذن وسيلة من وسائل تهذيب النفس وتدريبها على أعمال البر والخير في الحياة، وليس وسيلة عملية لكي يسلك الفتى والفتاة سلوكا حسنًا مع الناس.

هكذا استقر في أذهانهم، وانبث في نفوسهم أنها فريضة تعبَّدَنا الله بها؛ ليبلونا أنعصي أم نطيع، أنخضع لما أمر به أم نخالف عن أمره؟!

لقد فرض الإسلام الحج مرة في العمر كله، ولكنه لم يعين له طورًا من أطوار هذا العمر، فيجزئ المرء أن يؤديه وهو في فجر الشباب أو صحوته، كما يجزئه أن يؤديه وقد أصبح كهلاً، أو عاد شيخًا كبيرًا يتثاقل إلى الأرض من ضعف.

ولم يطالب الإسلام بتكرارها؛ لأنها تتطلب ممن يؤديها الانتقال إلى مكة، وقد يكون هذا الانتقال من مكان بعيد يتطلب سفرًا طويلاً، ونفقةً كبيرةً.

فالإسلام يطالب المسلمين بها في أي أرض كانوا، وفي كثير من أعمال الحج نفسها مشقة؛ فالمطالبة بها مرة واحدة تخفيفًا من الله ورحمةً فقط؛ ولا يعني ذلك أن تكرارها غير محبوب ولا مرغوب فيه، كما لا يعني أنها فريضة للتعبد فقط وابتلاء الطاعة، وليست للتهذيب والتأديب.

والواقع أن الحج فريضة أمر الله بها المسلمين لرياضة النفس وتهذيبها؛ فإن الله –تعالى- يقول: “لن ينالَ اللهَ لحومها ولا دماؤها ولكن ينالُهُ التقوى منكم”.

وهى آية صريحة في أن الغرض من الحج هو تقوى الله- تعالى- وليست تقواه إلا شعورًا بالخوف منه يصاحب المرء في كل أعماله، وهذا الشعور إنما تولده في النفس وتنميه رياضة مستمرة، وتهذيب متصل. ومن ثم كان تكرار الحج للقادر عليه مرغوبًا فيه، تدعو إليه الحكمة منه والغرض الذي من أجله فُرِضَ.

وفي الحق أنه من الممكن أن يتولد شعور الخوف من الله- تعالى- بأداء هذه الفريضة مرةً واحدةً في العمر، ولكن هذا الشعور لن يكون في قوة ذلك الذي يتولد في نفس من يقوم بها عدة مرات، شأنها في ذلك شأن كل عبادة يُرَاد بها تهذيب النفس وتقويمها. فنحن نصلي في اليوم خمس مرات، ونصوم رمضان كل سنة، وقد حبب إلينا الصيام في غير رمضان.

ومن هذا يتضح لنا أن الغرض من فرض الحج مرة واحدة هو التخفيف عن المسلمين فقط، وأن تكراره ومعاودته أمر مرغوب فيه؛ لأنه هو الذي يحقق الغرض كاملاً. ونحن نجد في تاريخ الإسلام ما يؤيد هذا الذي نقول؛ فهذا التاريخ حافل بذكر الذين حجوا عدة مرات، وبينهم من لا يُشَك في صلاحهم وتقواهم؛ نعم حتى هؤلاء كانوا يحجون كثيرًا.

وإذ كان الغرض من الحج تهذيب النفس وتقويمها، كانت فترة الشباب أصلح الفترات لأدائه؛ ففي الشباب تكثر نزوات النفس ويشتد جماحها، والحج من خير الوسائل لاستئصال هذه الأدواء أو تخفيفها، وإصلاح طبيعة الشباب وتقويمها أسهل من إصلاح طبيعة الشيخ؛ وهو أكثر جدوى، وأتم نفعًا للفرد وللجماعة، حين ندخل في حسابنا نشاط الشباب ومقدار ما يؤديه من عمل ويقوم به من جهد، وحين ننظر إلى فرص العمل المتاحة للشباب بالنسبة إلى هذه الفرص أمام الشيخ؛ والحج كما نعرف عبادة مركبة ذات أعمال كثيرة؛ فهي تنطوي على كثير من المشقة التي تحتاج إلى جهد وجلادة يتوافران في الشباب أكثر مما يتوافران في الشيوخ.

ومن ثم كان علينا أن نبدل نظرة الشباب إلى الحج، وأن نشجعهم على أدائه، وأن نسهل لهم سبل ذلك، حتى ينقلب الحال؛ فيصبح الحجاج من الفتيان والفتيات هم الكثرة الغالبة؛ وفي عبارة أوضح: يجب أن نجعل الحج وسيلة من وسائل ديننا للشباب رجالاً ونساءً..

ما أكثر نواحي الضعف في هؤلاء الذين نعدهم لأهداف الإسلام النبيلة وأغراضه الكبيرة!.. فنحن نشكو جدب أرواحهم، وقسوة قلوبهم، وإقفارها من الإيمان الكامل الذي يملأ النفس نورًا ويورثها خشيةً من الله تجعل كل خطوة يخطوها المرء في الحياة موزونة ومقدرة برضا الله وبسخطه فقط. ونحن نشكو انكبابهم على متاع الجسد، وانصرافهم عن كل لذة روحية؛ ونحزن لأنهم أصبحوا مستعبدين لكل زخرف وبهرج حتى عموا عن حقيقة الحياة وعما في بساطة العيش من جمال. وكذلك نشكو أنهم لا يجدون في أعمال الخير ما يستميلهم أو يستهديهم. ولعل بعضهم يشكون أيضًا ما يحسون من جفاف أنفسهم وجمودها؛ ولعل بعضهم يشعرون أحيانًا بحيرة أليمة، وبشدة الحاجة إلى بصيص من النور يتسرب إلى قلوبهم المظلمة!.

فأي علاج لهؤلاء خير من أن يحجوا فيعيشوا فترة ينبغي أن تكون أطول ما يمكن في جو كله ضراعة وخشوع وذكر لله، حيث تخر جباههم في مقام إبراهيم وإسماعيل، ويُمسون ويُصبحون مدة في أماكن الوحي ومنازل الرسالة الخالدة، في هذه الفترة يروضون أنفسهم على بساطة العيش وخشونته؛ إذ يتجردون من الملبس والزينة، ويبدون عراةً حفاةً كما ولدتهم أمهاتهم، كما يروضون ألسنتهم على العفة والطهر، إذ لا رفث، ولا فسوق، ولا جدال في الحج.

نعم يقضون فترة ينبغي أن تكون أطول ما تكون، قريبين من الله، بعيدين عن هذه الحياة التي باعدت بينهم وبينه، بعبثها ولهوها، وبسحرها وفتنتها.

حق إن هذه الفترة التي يقضونها في مناسك الحج فيها تطهير كامل لهم يردهم كأول عهدهم للحياة برًّا وطهرًا.

فأي وحي يوحيه تجردهم من ملابسهم وزينتهم؟! إن هذا التجرد يوحي بأن الله لا ينظر إلى صورهم ولا إلى زينتهم، لا يحفل بكل ذلك، ولا يعبأ به، وأنه يحب أن يراهم في بساطتهم الأولى.

وإن فيه لَإلهامًا يشبه ما يشعر به الناسك في معبده؛ إلهامًا بالقناعة والزهد، واحتقارَ ما يتكالب عليه الناس، ويثير فيهم الحسد والبغي، ويوقع بينهم البغضاء.

إنه يفتح بصائرهم على الحقيقة التي أضلوها، وهي: أن ما تسخرهم به الحياة غرور في غرور.

إننا نعلم أي غرور وأي كبر يثيرهما الملبس والزينة في الرجل والمرأة، وأي اعتقاد خاطئ يولدانه فيهما فينسيان به الحقيقة الخالدة، وهي أن بني الإنسان جميعًا لآدم، وآدم من تراب.

فما أعظم التبدل الذي يعتري الفتى أو الفتاة وقد نظر كلاهما إلى نفسه مجردًا عن زينته، ونظر إلى مَن حوله مِن المسلمين متجردين مثله، وتدافعت في نفسه الخواطر التي يلهمها الموقف تهتف في أعماق نفسه هتافًا تكاد تسمعه الأذنان بأنه لا قيمة هنا لكل ما كان يقوِّمه قبل ذلك ويعتد به، وأن الحقيقة التي لا حقيقة وراءها هي ما يراه في موقفه هذا ويعيش فيه، دون ما كان به مخدوعًا.

وأعمال الحج ليست إلا سلسلة متصلة من الصلوات في حقيقتها وجوهرها، وإن لم تكن ذات ركوع وسجود؛ فإن الحاج يحيا في جو من ذِكْر الله من وقت إحرامه إلى أن يحل. وإذا كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر بما تولده من خشية الله، لم يكن ثمة ريب في أن أعمال الحج تخلق أيضًا هذا الشعور في نفس الشاب؛ فإذا أداه مرارًا يظل فيه هذا الشعور ناميًا يوجه كل تصرفاته، ويضبط كل أعماله في الحياة.

ليس الحج إذن فريضة لمجرد التعبد؛ ولكنها رياضة رُوحية عظيمة الأثر في النفس، ومن الخير أن تتكرر ككل رياضة رُوحية أخرى؛ كما أن خير أوقاتها فترة الشباب. إلى هذه الحقيقة يجب أن يتنبه المشرفون على تربية شباب المسلمين. يجب أن تتنبه إليها وزارة المعارف والجامعتان والهيئات الأخرى التي تعنى بتربية الشباب في مصر، وفي بلاد الإسلام جميعًا.

إننا نشجع جماعات الشباب على الرحلات الثقافية في داخل بلادنا، ونشجعهم على هذه الرحلات في خارجها، لتنمية ثقافتهم بمشاهدة المدنيات القديمة والحديثة؛ فما أجدرنا أن نشجعهم على أداء هذه الفريضة؛ لتزكية أخلاقهم، وتطهير أرواحهم؛ ولمشاهدة كثير من الأماكن التي كان فيها مواقف حاسمة في تاريخ دينهم؛ فإن امتلاء عيونهم بها يجعل ماضي أسلافهم المجيد حيًّا مشرقًا في أذهانهم؛ فيستلهمون منها من ضروب العبر والعظات ما لم تمنحهم ألف خطبة وألف كتاب.