محمد أحمد جاد المولي بك-نشر عام 1936م

تبارك الله سبحانه! شرع لنا الدين فرائض وسننًا، وأحَنّ في كل ما فرض وما سنَّ حكمة بالغة، وصلاحًا وجدوى، فهي بجملتها مدارج إسعاد، وموارد نعمى، بيد أن منها ما توضح لنا وجه الحكمة فيه، ومنها ما استتر عنا كنهه، فاستدللنا بما بان لنا على ما لم يبن، وآمنا بما قصرت عن دركه عقولنا لما أدركناه وعقلناه، إذ قد أتم الله علينا نعمة اليقين، بأن هذا الدين القيم هدى للناس ورحمة، وأشرب في قلوبنا الإيمان بأنه ما من مفروض أو مسنون إلا كان الخير ملء وطابه.

ذلك حج البيت الذي كتبه الله على من استطاع السبيل إليه؛ قد حوى من وجوه المصلحة وصنوف الحكمة ما إن بيانه ليكبر أن يستقل به بيان. أجل! فإن فيه حكمًا روحية شتى، وحكمًا معاشية أخرى، فهي فريضة واحدة، ولكن يتخرج بها الإنسان في كثير من الفضائل، ويقضي بها ضروبًا من الحاجات.

وأول ما يبدو من الحج أنه سبيل إلى رابطة إنسانية عامة لا انفصام لها، ووسيلة يتعارف بها الناس في مشارق الأرض ومغاربها: ففي يوم الجمع الحاشد، بل يوم البعث الأصغر، يلتقي الناس أجناسًا مختلفة، وأممًا متباينة، وقبائل متباعدة، فإذا هم قلوب متعارفة، وآمال متواصلة؛ وألسنة متفاهمة، بل إذا هم قلب واحد نابض بتوحيد الله، وأمنية واحدة متجهة إلى الله، ولسان واحد يهتف: لبيك اللهم لبيك! وإن علماء الأخلاق ليفقدون مظهرًا تتمثل لهم فيه مطالبهم الحكيمة، ومثلهم العليا للإنسانية إلا في تلك اللحظة الرهيبة التي يجتمع فيها المسلمون على متن الصحراء في بيت الله، إذ تتجرد الصدور مما ملكها من غل وما ملأها من إحنة، وتخلص القلوب مما ران عليها من الأهواء والشهوات، فلا تبق إلا روح نقية لا تشعر بغير المعاني السامية، وعين صافية تتجلى لها حقائق الحياة، لا زيف فيها ولا بهرج، وأذن واعية يحتجب عنها ما يملأ جوانب الدنيا من ضجيج وعجيج، وما يزحمها من مشاغل ومشاكل! ألا وإن من النفوس نفوسًا أمّارة بالسوء نزاعة إلى البغي، أخذتها العزة بالإثم، وغلت أحناؤها بجراثيم الأثرة والاستطالة والتعالي.

فأبى لها الجبروت إلا احتجازًا وأنفة، وزهاها التعاظم أن تنخرط في سواد الناس. وليس كالحج طهور لتلك النفوس الموبوءة، فالناس في مشاهد الحج صفوف متشابكة، وأمشاج مختلطة، لا فرق بين رب الخورنق ورب الشويهة، ولا فضل لثري ذي حسب على مهمل ذي ضعة، فلقد لفّهم جميعًا زي ساذج يتراءى فيه من يتخطر في الديباج ومن يتعثر في المِزَق ويشتبه فيه من يجد الألوان بمن يفقد الكفاف، فهم في مشاهد الحج إخوه متقاربون، ورفقة متماثلون وهم جميعًا متطامنون متعاطفون؛ طارت عنهم كبرياء الألقاب، وعزة الأنساب، ومخيلة الأثواب!

والحج بعد مجلًى رائع تتجلى فيه عزة الحنيفية السمحة في أرجاء المعمورة، وآيات مفصلات تصف نفوذ دعوة محمد -صلوات الله وسلامه عليه- في شعاب الأرض، فهذه الرحاب الفساح المقدسات تموج بالجمهرة الكبرى من خلق الله، بينهم الهندي والصيني، والعراقي واليمني، والشامي، والمصري، وبينهم مما وراء البحار طوائف تناهى إليها داعي الله، فأجابت الله!.

والحق- أن الحج مؤتمر شامل، هو أروع ما نظمته الحضارة من أشتات المؤتمرات حتى اليوم، فهذا مؤتمر يتباعث الناس فيه استجابة لوحي العقيدة النازلة منهم منزل الشغاف، السارية فيهم مسرى الدماء، لا يبتغون من وراء ذلك فضل مال، أو وجاهة منصب، أو بعد صيت وسمعة، فما أنبل وما أشرف، وما أجل وما أعظم!

والحج فوق ذلك – معرض أي معرض لحضارة الدنيا، وشئون الخلق، ففي هذا المؤتمر الحافل تتزاحم أمم مختلفة، وأناس أشتات ، بينهم العلماء في كل علم، والأطباء في كل جانب، والصناع في كل صنعة؛ والتجار في كل سلعة؛ ورجال الفن في كل فن، وكل أولئك يحملون إلى الحجيج تجاربهم المبتدعة في العلوم والفنون، وأجلابهم الخاصة في التجارب والصناعات، فيتدارسون جميعًا ما درسوا جميعًا؛ ويطلع بعضهم بعضًا على شئون حضارتهم، ووسائل رقيهم، وأساليبهم الحسنى في الأحوال والعادات والأخلاق فترجع طوائف الحجيج إلي أممهم بجر الحقائب مما وقعت عليه الأعين، حاملة إليهم من أسباب العيش ما ينفع الناس، ناقلة إليهم من الأخبار والسير ما تجمل به القدوة، وتحسن فيه الأسوة، وبذلك يتدانى العالم من مراحل التدابير والتنافر والاختلاف، فتأخذ الألفة سبيلها إلى الأمم، ويقرب التشابه بين الخلق فتتجمع الجهة الإنسانية المتحدة التي هي أنبل أحلام الفلاسفة، وأعلى درجة في مراقي الإصلاح.

ومعاني الحج آهلة بذكريات قدسية تطيب بها نفس الحج المسلم، وتروي قلبه من كوثر الإيمان، وناهيك ببلاد هي منبعث عقيدته الشاملة التي تتأصل في نفسه لتصرفها حيث تهوى، فالرغبة حيث تأمر، والرهبة حيث تنهى، فليس بدعًا أن تنحني الأضالع لتلك البلاد على حب، وتنطوي على تجلة.

أجل – فتلك بقاع مطهرة، هي معاهد صبا الإسلام، ومناجم جوهره، وفي أرجائها بثت الدعوة المحمدية واهتزت وربت، ولا تزال أجواؤها تحفظ صوت محمد – صلوات الله وسلامه عليه – وهو يقول: ربي الله! فما أجدر أن يتمثل للحاج المسلم حين يطوف بالبيت العتيق كل ما أثره التاريخ في انبعاث الإسلام عن هذه التربة وبزوغ شمسه في فلك هذه الجزيرة، ثم ما كان وراء ذلك لهم من جهاد وجلاد، وغزو وفتح، وإن في تمثل تلك الذكريات له لما يملأ بالعبرة خاطره ويشغل بالتدبر فكره، ويشب فيه عاطفة الهداية والتقاة، ولو مضينا نتقصى معاني الحج، ونفصل أسراره – لما وسعنا الوقت، بل لانفسح مجال القول، وتشعبت مذاهب الكلام، وانقطع بنا الجهد دون الغاية. فنحن نجتزئ بهذه الكلمة العجلى، ومسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.

على أننا إلى العمل أحوج منا إلى القول، وما منا إلا مؤمن بالحج وخطره، فالله المسئول أن يوفقنا جميعًا إلى النهوض بهذه الشعيرة السامية، إنه أكرم مسئول.