د. محمد أحمد المسير 

الإيمان والإسلام يبدآن بكلمة التوحيد الخالص: لا إله إلا الله، تلك الكلمة الراقية التي جاهد في سبيلها الأنبياء جميعًا، فقد قالوا لأقوامهم: “اعبدوا الله ما لكم من إله غيره”، ثم تتوالى أركان الإسلام، وهي: الصلاة، والصيام، والزكاة، ثم يأتي الحج ليمثل قمة هذا الإيمان والإسلام تشريعيًا وواقعيًا، فهو فريضة العمر لمن استطاع إليه سبيلاً، وهو يأتي بعد الأركان الأربعة، فالصلاة في بدء الإسلام فرضت صلاتين: واحدة بالغداة وأخرى بالعشي، ثم فرضت خمسًا في الفعل وخمسين في الثواب ليلة الإسراء والمعراج قبيل الهجرة.

وعندما يستقيم المسلم على صلاته اليومية يأتي الصيام في شهر رمضان من كل عام ليهذب النفس ويزرع فيها وازع المراقبة والخوف والإخلاص والتجرد لله تعالى، وقد فرض في العام الثاني من الهجرة. وإذا كان المسلم يملك نصابًا فإنه يخرج الزكاة كلما حال على ماله الحول.. وقد فرضت الزكاة في العام الثاني أيضًا بعد الصيام.. وهكذا تتكامل أركان الإسلام ليصل المسلم إلى قمتها بأداء فريضة الحج التي فرضت في العام السادس على الراجح.. ومن هنا، فإن المسلم الحاج يُفترض فيه أنه التزم بأركان الإسلام جميعها وأدى واجبات الدين كلها، وعاد من حجه ليواصل مسيرة النقاء والطهر والصفاء.

وقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: “العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما .. والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة” وقال ـ صلى الله عليه وسلم-: “مَن حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه”.

ولحكمة ما فإن مناسك الحج وشعائره تتضمن مناسك الصلاة والصيام والصدقة، فمن المشروع أداء ركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم؛ استجابة لقوله تعالى: “واتخذوا من مقام إبراهيم مُصلّى”، ومن كفارات الحج الصيام والهدي، فقد قال الله جل وعلا: “فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك”. وعلى هذا، فإن الحج عبادة قائمة على ألوان العبادة جمعيها، والتي تشغل القلب والقالب وتتمكن من الظاهر والباطن.. ولعل التعبير الصحيح لهذا الخضوع ذلك النداء الضارع الذي يردده الحاج في حركاته وسكناته، وحله وترحاله “لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك”.

إن الذين يريدون الحج مظاهر، ويتخذون هذه الفريضة تجارة، ويذهبون إليها سياحة، يفقدون أغلى ما يحرص عليه العاقل، ويضيّعون أثمن ما في الحياة وأعمق ما في الوجود.

ولعل من علامات قبول الحج أن يعود الحاج وقد ازداد زهدًا في الدنيا، وإقبالاً على الآخرة، ويعود أرقّ فؤادًا وأزكى نفسًا، وأخشى قلبًا، يعود وقد أدرك أنه هاجر بحجة إلى الله تبارك وتعالى، وضحّى بجهده ووقته وماله، وترك أهله وأولاده، فلا ينبغي أن يضيع ثمرة ذلك، بل حَرِيٌ به أن يحرص على ثمرات هذا الحج العظيم، “وفي ذلك فليتنافس المتنافسون”.