26/10/2002

الباب الأول

في التعريف بالمهنة الطبية

* الطبابة مهنة نبيلة شرفها الله فكانت معجزة المسيح.. ووصف هديه القرآني بأنه شفاء لما في الصدور… وعدد إبراهيم نعمة ربه عليه فكان منها “وإذا مرضت فهو يشفين” (الشعراء: 80).

* والعلم بالطب كسائر العلم هو من الله الذي علم الإنسان ما لم يعلم… ودراسته كشف عن آيات الله في خلقه، “وفي أنفسكم أفلا تبصرون” (الذاريات: 22)… ومزاولته إحداث لرحمة الله بعباده.. فهو عبادة وقربى فوق أنه حرفة ومرتزق.

* ورحمة الله كأشعة شمسه ونسمة هوائه وشربة مائه وبلغة رزقه تصيب البر والفاجر والمحسن والمسيء والقريب والغريب والصديق والعدو… وكذلك ينبغي أن تكون المهنة الطبية، فهي تجري في اتجاه واحد من رحمة الله لا تحابي ولا تجافي، ولا تعاقب ولا تقتضي ولا تتغيا العدل، ولكن الإحسان والرحمة مهما كانت الظروف والملابسات.

* ولأن المهنة الطبية في هذا المقام فريدة عن سائر المهن سامية عن الاعتبارات والأعراف التي درج الناس عليها، فليس لها أن تتعامل باعتبارات العداوة أو الخصومة أو العقوبة أو أن تنساق وراءها لدواعٍ شخصية أو سياسية أو حربية… ومن الخير أن يحرص المشرعون والقادة والحكام على أن تبقى الطبابة في مكانها وعلى منهاجها بمعزل عما دونها من شؤون الحياة وشجونها.

* واحتراف الطب في مجتمع من المجتمعات واجب شرعي… وهو فرض كفاية يغني فيه البعض عن البعض ولكن تلتزم الدولة بأن تهيئ للأمة حاجتها من الأطباء في شتى المجالات المطلوبة فهذا في الإسلام واجب الحاكم وحق المحكوم.

* وقد تدعو الحاجة إلى استقدام أهل الخبرة والاختصاص في فروع الطب المطلوبة فعلى الدولة أن تؤمن هذه الحاجة.

كذلك تدعو الحاجة إلى إعداد الأطباء من بين أبناء الأمة فيكون من واجب المجتمع أن يؤسس معاهد التعليم الطبي، ويؤمن ما تحتاج إليه من مدارس ومستشفيات وما يلحق بها من عيادات ومشافٍ ومختبرات ومعدات وطاقات بشرية.

* ولما كان الطب ضرورة شرعية وواجبًا فعلى المشرع أن يكفل ما يقوم به. والقاعدة الشرعية أن ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب. وعلى قدر الضرورة إذن تنحسر بعض القواعد الشرعية العامة تحقيقًا للمصلحة.. ويشرع الاستثناء اللازم في مجال الإعداد لمهنة الطبابة.. كمثل ما يكون من الاطلاع على جسم الإنسان ودراسته ظاهرًا وباطنًا، حيًّا وميتًا، ودون أن يخل ذلك بالاحترام والتكريم الذي يستحقه الإنسان حيًّا وميتًا، وفي نطاق من تقوى الله ومراقبته، وبالقدر والمنهاج الذي يراه أهل الاختصاص من الثقات المسلمين ضروريًّا ووافيًّا يجلب المصلحة.

* ويدخل في المحافظة على حياة الإنسان المحافظة على كرامته وعلى شعوره وحيائه وعورته وأهليته للاهتمام الكامل والرعاية النفسية والطمأنينة الكاملة وهو بين يدي طبيبه. وما يباح للطبيب من استثناء من بعض القواعد العامة ملازم لمزيد من المسئولية والواجب يقدره حق قدره ويؤدي فيه حق الله في تقوى وإحسان. والإحسان “أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”. (البخاري ومسلم).

“اعتبر الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين أن احتراف الطب فرض كفاية… وهو أمر لا يحتاج إلى بيان فإن حاجة الإنسان إلى الطب حاجة أصيلة وليست حاجة لاحقة… يحتاجه الإنسان في صميم ذاته وكيانه فإن الإنسان إذا اشتد به المرض أو الألم لم يعد يلتذ بشيء في الحياة سواء من رزق أو متعة أو طعام أو شراب.

أما أن الطبابة يباح فيها ما لا يباح في غيرها من اطلاع على الأجسام والعورات فلأن الضرورات تبيح المحظورات… ولأنه يجري مجرى من اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم… وقد كانت بعض الصحابيات مع جيش رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يطببن الرجال، ويضمدن الجراح في أي مكان كانت من الجسم، وكان ذلك مقبولاً لا يثير جدالاً ولا غبارًا.

أما أن استقدام الأطباء الإخصائيين من البلاد الأخرى وعلاج غير المسلم للمسلم فأمر تحدده الحاجة من المرضى والكفاءة لدى الطبيب… وقد استعانت دولة الإسلام من قديم بأطباء مدرسة جنديسابور من النصارى وأولتهم الرعاية والتكريم… ولا يغيبن عن الأذهان أن دليل النبي عليه السلام وأبي بكر في رحلة الهجرة كان عبد الله بن أريقط، ولم يكن من المسلمين وإنما اختاره النبي عليه السلام لما آنس فيه أنه أهل للثقة وأنه خبير بمسالك الطريق.

الباب الثاني

صفة الطبيب

* ينبغي أن يكون الطبيب من بين المؤمنين بالله، القائمين بحقه، العارفين لقدره، العاملين بأوامره، المنتهين عن نواهيه، المراقبين له في السر والعلن.

* وينبغي أن يكون من أهل الحكمة والموعظة الحسنة، مبشرًا لا منفرًا، باسمًا لا عابسًا، حليمًا لا غضوبًا، محبا لا كارهًا، لا تغلبه ضغينة، ولا تفارقه سماحة، يعتبر أنه من وسائل رحمة الله لا عدله، ومغفرته لا عقوبته، وستره لا فضحه، وحبه لا مقته.

* وينبغي أن يكون وقورًا لا يطيش ولو لحقٍ… عفُّ الحديث ولو في فكاهة، غضيض الصوت غير منكره، سوي الهندام غير أشعثه ولا أغبره، يوحي بالثقة، ويبعث على الاحترام، مهذبًا مع الغني والفقير، والكبير والصغير، لا يقبل ولا يعرض إلا بحساب، ويصون كرامته ولو خفض جناح الرحمة.

* وينبغي أن يعلم أن الحياة من الله لا يعطيها إلا هو ولا يسلبها إلا هو.. وأن الموت خاتمة حياة دنيا وبداية حياة أخرى… وأن الموت حق… وأنه نهاية كل حي إلا الله… وأن الطبيب في مهنته من جند الحياة فقط، الذائدين عنها، العاملين على استبقائها صحيحة سوية ما وسعه الجهد.

* وينبغي أن يكون قدوة في رعاية صحته والقيام بحق بدنه، فلا يأمر الناس بما لا يأتمر به، ولا ينهى عما لا ينتهي عنه، ولا يتنكر لمعطيات علمه الطبي، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ولأن الله يقول: “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة” (البقرة: 195)، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: “إن لجسدك عليك حقًا” (البخاري ومسلم)… ولأنه يقول أيضًا: “لا ضرر ولا ضرار”. (أحمد: حديث حسن).

* والطبيب صادق إن قال أو كتب أو شهد… حريص ألا تدفعه نوازع القربى أو المودة أو الرغب أو الرهب إلى أن يدلي بشهادة أو بتقرير أو بحديث يعلم أنه مغاير للحقيقة. بل يقدر حق الشهادة في الإسلام، ويعمل بهدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ألا أنبئكم بأكبر الكبائر”؟ قال صحابته: بلى يا رسول الله، قال: “الإشراك بالله، وعقوق الوالدين..” ثم صمت مليا وقال: “ألا وقول الزور، ألا وقول الزور”. (البخاري ومسلم)… فما زال يكررها حتى حسبوه لا يسكت.

* وينبغي أن يتوفر له حد أدنى من الدراية بعلوم الفقه وأحكام العبادات لأن الناس تستفتيه في أمورهم الصحية ذات الصلة بالعبادات… كأمثال ما يعرض من أمراض أو أعراض لدى الرجال والنساء وأثرها على صحة الصلاة أو رخصة الفطر أو مناسك الحج والعمرة أو التحكم في الحمل أو غير ذلك. والتبصير بالرخص والمستباحات بالأعذار حتى يستمر المرضى على أداء العبادات ولا يتعودوا تركها.

* والطبيب إذ يعلم أن الضرورات تبيح المحظورات، عليه كذلك أن يجتهد فلا يعالج الناس بما حرمه الله عليهم ما كان له إلى ذلك من سبيل.. سواء أكان ذلك عن طريق الدواء أو الجراحة أو السلوك العام أو النصح والإرشاد.

* والطبيب ناظم الحياة بين الخالق والمخلوق ووسيلة الله في شفاء المرضى من عباده… فعليه أن يكون متواضعًا ذاكرًا نعمة الله عليه، شاكرًا له، ملتمسًا توفيقه، وألا ينسب لنفسه الفضل أو يطاله شيء من الزهو أو يلتمس التفاخر سواء بالقول أو الكتابة أو الإعلان المباشر أو غير المباشر.

* وينبغي أن يصل نفسه بركب العلم فيواكب تقدمه، ويعد ما استطاع من قوة علمية في دفعه للمرض، لأن صحة الناس تتأثر باجتهاده أو تقاعسه، وعلمه أو جهله، فمسئوليته عن غيره تجعل وقته ليس خالصًا له ينفقه كيف يشاء، وكما أن في المال حقًا معلومًا للسائل والمحروم ففي الوقت كذلك حتى للمرضى يرتاد لهم الطبيب الجديد والنافع والناجع ليعود به عليهم وهو يطببهم.

* ويدرك الطبيب أن الاستزادة من العلم بجانب قيمتها التطبيقية هي في ذاتها عبادة، وامتثال بهدي القرآن في قوله: “وقل رب زدني علمًا” (طه: 114) وفي قوله: “إنما يخشى الله من عباده العلماء” (فاطر: 28) وفي قوله: “يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات” (المجادلة: 11).

الباب الثالث

علاقة الطبيب بالطبيب

* الطبيب أخ لكل طبيب وزميل في رسالة نبيلة وعمل مجيد هو تطبيق مباشر لقول الله تعالى: “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان” (المائدة: 2).

* والأطباء متكافلون فيما بينهم على رعاية صحة الأمة، يتكاملون بتنوع اختصاصاتهم الطبية في شتى فروع الطب، ويعمل فريق في الوقاية وآخر في العلاج، ويعمل البعض في مرافق الدولة والبعض في القطاع الخاص، ملتزمين جميعًا بآداب المهنة الطبية وتكاليفها.

* والأطباء فرقة من الأمة عليها أن تتخذ فيما بينها من النظم والوسائل والأسباب والأعراف ما يمكن لأفرادها جماعة وعلى انفراد أن يقوموا برسالتهم في الأمة على خير وجه.

* والطبيب أخو الطبيب يوقر حضرته ويحفظ غيبته، ويقدم له العون والنصح والمشورة كلما دعت الحاجة، ولا يأكل لحمه، ولا يتتبع عورته، ولا يكشف سوأته، ولا يمسه منه ما يكره إلا حيثما يقضي شرع الله بأداء الشهادة أو منع الجريمة في حدود ما نص عليه الشارع.

* والطبيب إلى الطبيب جمع وإضافة وتعاون على صالح المريض… وليس منافسة وانتقاصًا…

* فإذا تداول المريض أكثر من طبيب:

وجب أن يؤدي كل ما عنده من معلومات وآراء…

ووجب أن تؤدي هذه المعلومات أداء واضحًا لا إبهام فيه.. بالخط الواضح إن كانت مكتوبة لا بالطلسم المبهم، وبالشرح المبين إن كانت منطوقة لا ناقصة ولا غامضة…

ووجب أن تصان هذه المعلومات فتظل في الدائرة الطبية ولا تعدوها إلى ما سواها..

* وعلى الطبيب إن احتار أن يستشير… فإن دعت الحاجة أحال إلى المختص… فهذا من حق المريض… ثم إنه من حق الله لقوله: “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون”. (النحل: 43).

* وعلى المختص أن يؤدي واجبه ومن واجبه أن يرد على الطبيب الأول بما كان وما يكون من أمر مريضه.

* ومن واجب الطبيب أن يكون سخيًّا بحصيلة علمه وخبرته وتجربته على من هم دونه في ذلك من زملائه، فلا يضن بتعليم أو تدريب، لأن كاتم العلم ملعون… ولأن في ذلك وفاء بحق الزميل وحق المريض على السواء، وإثراء للمهنة على تعاقب الأجيال.

“من أبلغ الهدى قوله عليه الصلاة والسلام: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية. أو علم ينتفع به. أو ولد صالح يدعو له”. (مسلم).

* والأطباء فيما بينهم متكافلون كذلك على رعاية بعضهم البعض إذا مرض أحدهم أو أي من أفراد أسرته أو إذا اعترته شدة أو محنة أو عجز أو وفاة.

* وليس الطبيب في الزمن الحاضر عنصرًا فردًا في العلاج ولكنه عضو في فريق من المشتغلين بالتمريض أو المختبرات أو العلاج الطبيعي أو الأشعة أو البحث الاجتماعي… فعليه أن يؤكد صلة التعاون ورباط الزمالة بهذه الطوائف جميعًا بما يحقق تجميع الجهود وإيتاءها أفضل الثمرات.

* ويكون هذا الميثاق الطبي كذلك ملزمًا لكافة العاملين والعاملات على رعاية صحة الإنسان في كل هذه المجالات.

الباب الرابع

صلة الطبيب بالمريض

* من أجل المريض كان الطبيب وليس بالعكس.. فالشفاء غاية والطب وسيلة. والمريض مخدوم والطب خادم… فأقدر القوم بأضعفهم كما قال الرسول الكريم (الترمذي وغيره)… فينبغي أن تطوع الأنظمة والأوقات والخدمات والجهود بوحي من صالح المريض وراحته وما يعود عليه بالشفاء وليس لغير ذلك من الاعتبارات.

* للمريض هذه الأهمية والمكانة بوصفه مريضًا وما دام في حمى مرضه، لا من أجل جاه أو سلطان أو قربى أو منفعة.. وسلوك الطبيب مع مرضاه دليل على أخلاقه وشخصيته.

* وتتسع دائرة البر والرحمة والسماحة وسعة الصدر وطول الأناة من الطبيب لتشمل مع المريض أهله وذويه في اهتمامهم له وخوفهم عليه وجزعهم من أجله وسؤالهم عنه في غير إخلال بقدسية سر المهنة.

* والصحة ضرورة إنسانية وحاجة أساسية وليست ترفًا أو كمالاً… لهذا كانت مهنة العلاج هي المهنة الوحيدة التي لا يرد قاصدها ولو لم يملك الأجر.. وعلى التشريع الطبي أن يكفل الرعاية الطبية لكل من يحتاجها عن طريق أية تنظيمات أو تشريعات تفي بذلك.

* ورزق الطبيب في القطاع الخاص حلال وأجره حق وعمله أمانة. ورقيبه الأكبر ربه الذي لا يغفو وضميره الذي لا يتهاون… ولكن إن ألجأت الحاجة إليه فقيرًا أو ضعيفًا فعليه أن يقدر الحاجة وأن يأكل بالمعروف وأن يكون على المحنة لا معها وأن يعطي لله بغية أن يتزكى وأن يتطهر… فكما تجب الزكاة على المال تجب على العلم وعلى الوقت وعلى الجهد… ومهنة الطب في أساسها هي صناعة غوث الإنسان في شدته لا استغلال حاجته.

* والطبيب في التماسه الرزق الحلال يصون كرامته وشرف مهنته ويترفع عما يخدش ذلك من دعاية أو سمسرة أو ترويج أو غير ذلك مما يجافي شرف المهنة.

الباب الخامس

المحافظة على سر المهنة

* حفظ أسرار الناس وستر عوراتهم واجب على كل مؤمن وهو على الأطباء أوجب… لأن الناس يكشفون لهم عن خباياهم ويودعونهم أسرارهم طواعية مستندين على ركاز متين من قدسية حفظ السر اعتنقته المهنة من أقدم العصور. وقال رسول الله: “آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذ أؤتمن خان”. (البخاري ومسلم). وواجب الطبيب أن يصون أية معلومات وصلت إليه خلال مزاولة مهنته عن طريق السمع أو البصر أو الفؤاد أو الاستنتاج وأن يحيطها بسياج كامل من الكتمان. وإن روح الإسلام توجب أن تتضمن القوانين تأكيد حماية حق المريض في أن يصون الطبيب سره الذي ائتمنه عليه. إذ أنه ما لم يأمن المريض على ذلك فلن يفضي للطبيب بدقائق قد تحدد سير العلاج. فضلاً عن أن طوائف من المرضى ستضطر لعدم اللجوء إلى الأطباء.

الباب السادس

واجب الطبيب في الحرب

* شرع الإسلام أن الجريح في حمى جرحه وأن الأسير في حمى أسره وذلك منذ كان يقاتل الكفار في صدر الإسلام وقد استحسن الله تعالى من صفات المؤمنين “ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا” (الإنسان: 8) وأوصى النبي عليه السلام أصحابه فقال: “استوصوا بالأسارى خيرًا” (الطبراني وحسنه الهيثمي) فكانوا يؤثرونهم على أنفسهم بأطيب الطعام. وقد سبق الإسلام في ذلك ما نشهده اليوم في جمعيات الصليب الأحمر واتفاقيات جنيف بثلاثة عشر قرنًا من الزمان.

* وعلى الطبيب إذن مهما كانت عواطفه أن يحافظ على مهمته الوحيدة وهي الدفاع عن الحياة وعلاج المرض أو الإصابة.

* ومهما كان من تصرف العدو فليس للطبيب المسلم أن يغير أسلوبه… فكل إناء بما فيه ينضح، وقول الله تعالى واضح “لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا” (المائدة: 8).

* وعلى الأطباء في المجتمع الإسلامي بصفتهم أعضاء في المجتمع الطبي الدولي أن يتكاتفوا على الصعيد العالمي في الدفاع عن هذا الموقف الإنساني النبيل للمهنة الطبية… فمن الخير للجنس البشري أن تؤدي المهنة الطبية هذا الواجب بنفس الأسلوب على جانبي جبهة القتال.

* ولا يجوز للمهنة الطبية أن تطوع إمكاناتها لتكون في خدمة أي نوع من الأذى أو التدمير أو إلحاق الضرر الجسمي أو النفسي أو الأدبي بالإنسان أيًّا كان مهما كانت الاعتبارات السياسية أو العسكرية.

* وينبغي أن يكون عمل الطبيب في اتجاه واحد فقط هو تقديم العلاج والشفاء للصديق والعدو على النطاق الشخصي أو النطاق العام.

الباب السابع

في حرمة الحياة الإنسانية

* “من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا” (المائدة: 8).

* لحياة الإنسان حرمتها ولا يجوز إهدارها إلا في المواطن التي حددتها الشريعة الإسلامية وهذه خارج نطاق المهنة الطبية تمامًا.

* ويحرم على الطبيب أن يهدر الحياة ولو بدافع الشفقة… فهذا حرام لأنه خارج ما نص عليه الشرع من موجبات القتل، بجانب ما يستدل عليه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كان فيمن قبلكم رجل به جرح فجزع، فأخذ سكينًا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات. فقال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه… حرمت عليه الجنة” (البخاري ومسلم).

“التخلص من الحياة أو التخليص منها بدعوى الألم الشديد في الأمراض الميئوس من شفائها دعوة لا تجد سندًا إلا في المنطق الإلحادي الذي يرى: “إن هي إلا حياتنا الدنيا” (الأنعام: 29). ويفوته أن الدنيا مرحلة تتلوها الأخرى… ولو صح هذا المنطق لربما كان أغلب الناس يفضلون الانتحار تخلصًا من آلام الحياة ومتاعبها. وأي حياة تخلو من الألم! أما التخلص من الألم، فلا يوجد حتى في أقسى الأمراض ألم لا يمكن التغلب عليه إما بالدواء وإما بالجراحة العصبية.

وأما قتل المشوهين أو غيرهم فهذا إن أبيح فهو أول الغيث وسيتلوه حتمًا قتل العجزة والمسنين الذين لا ينتجون، وإنما يستهلكون طعامًا وشرابًا في عالم عمت الشكوى أنه يضيق بسكانه. وإن القيام برعايتهم هو ابتلاء لأهلهم وللمجتمع عامة “أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون”! (العنكبوت: 2).

* وحياة الإنسان محترمة في كافة أدوارها… وتنسدل هذه الحرمة على الحياة الجنينية في رحم الأم… فلا يجوز للطبيب أن يهدر حياة الجنين إلا عند الضرورة الطبية القصوى التي تعتبرها الشريعة الإسلامية.

“يعد ذلك منسجمًا مع الاتجاه العلمي الطبي الحديث إذ استحدث فيه اختصاص طبي جديد هو الطب الجنيني لتشخيص وعلاج أمراض الجنين وتدور الأبحاث حول تركيبه حاضنة تقوم مقام المشيمة في محاولة لإنقاذ الجنين الذي يخرج حيًّا، ولكن قبل أوانه بكثير”.

أما الدعوة الحديثة بالترخيص في إباحة الإجهاض فلا يقرها الإسلام. فعلى إسقاط الجنين في إسلام عقوبة مالية هي الغرة. وللجنين حقوق في تركة أبيه أو أحد مورثيه. كما أنه إذا حكم على الحامل بالإعدام أجل التنفيذ حتى تضع. إقرارًا بحق الجنين في الحياة حتى لو كان جنين سفاح. وكل ذلك يؤكد الحق الأصيل وهو حق الحياة.

* والطبيب في دفاعه عن الحياة مطالب بأن يعرف حده ويقف عنده… فإذا تأكد لديه أن المحال –حسب المعطيات العلمية- السلوك بالمريض إلى الحياة استحالة بينة، فإن مما لا طائل وراءه الإغراق في المحافظة على الكيان النباتي للمريض بوسائل الإنعاش الصناعية أو بحفظه مجمدًا أو غير ذلك من وسائل… لأن المطلوب هو بقاء الحياة لا إطالة عملية الموت، ولأن الموت حق، ولكن ليس للطبيب ن يقوم بخطوة إيجابية من أجل إماتة المريض.

* وعلى الطبيب أن يبذل جهده في أن يجتاز المرض ما بقي له من العمر في حسن رعاية وفي غير ألم ولا عذاب، بما تهيأ له من وسائل الرعاية والعلاج.

* والطبيب وهو صاحب الكلمة في أن مريضه مات أو لا يزال حيًا، يقدر مسئولية هذه الكلمة ولا تصدر عنه إلا بعد اليقين العلمي الممكن وفي أمانة كاملة لا تشوبها شائبة. وله أن يستشير إن غم عليه ويستعين بالمتاح له من وسائل العلم.

* وعلى الطبيب أن يصارح المريض بعلته إن طلب المريض ذلك… وعليه أن يختار طريقة التعبير المناسبة فيخاطب كلاً على قدر شخصيته، ويدرس لذلك مريضه دراسة تدله على التعبير المطلوب، وليتلطف، وليعمل على إذكاء إيمان المريض وإنزال السكينة في نفسه، وتوثيق رباطه بالله ثقة يهون بها ما سواه.

الباب الثامن

في مسئولية الطبيب

* لا ينبغي أن يتصدى للطبابة إلا الطبيب المعتبر بحكم الأنظمة الموضوعة، استهداء بقول النبي عليه الصلاة والسلام: “من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن” (أبو داود والنسائي والحاكم).

* وحيث تتعدد الاختصاصات الطبية يجب أن تحال المشكلات الطبية المعقدة إلى أهل التخصص فيها… عملاً بالآية: “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون” (النحل: 43).

* والطبيب مطالب بالاجتهاد في علاج مريضه فإن اجتهد وأدى ما يرتقب من مثله وخلا عمله من الإهمال الواضح عمدًا أو سهوًا وأخذ بالأسباب التي ينبغي أن يأخذ بها أمثاله ثم جاءت النتيجة على غير المطلوب فلا إثم على الطبيب ولا عقوبة.

* والطبيب وكيل المريض في جسمه، ويعتبر قبول المريض له طبيبًا معالجًا إقراراً مبدئيًّا بقبول العلاج الذي يصفه.

* فإذا استدعى هذا العلاج إجراء جراحيًّا وجب توثيق هذا القبول كتابيًّا وقاية للطبيب مما قد يجره المستقبل.

* وينبغي أن يكون هذا التوثيق بعد شرح الأمر للمريض بالأسلوب الذي يناسب مستواه.

* فإذا رفض المريض العلاج كان على الطبيب أن ينصح له ثم أن يثبت هذا الرفض بالكتابة أو بالإشهاد أو بتوقيع المريض حسبما يدعو الموقف أو يسمح.

* وفي الأحوال التي يكون الخوف أو الرعب فيها سببًا في الرفض، للطبيب أن يستعين بدواء يهدئ نفس المريض ويزيل رعبه ويحرره منه، ولكن دون إذهاب وعيه، ليكون المريض أقدر على الاختيار الهادئ… ولعل أنجح هذه الأدوية هي الكلمة الهادئة والشخصية الصابرة المحبة التي تبعث على الثقة وتشيع الأمان.

* وفي الأحوال التي يكون فيها التدخل الطبي أو الجراحي ضروريًّا لإنقاذ حياة ولا يسمح الوقت بالتأجيل فالضرورات تبيح المحظورات. وعلى الطبيب أن يتدخل ولا عليه مهما كانت النتائج ما دام قد أجرى ما توجبه أصول المهنة وبأسلوب سليم. فإن المفسدة في إهدار حياة تجب المصلحة في ترك المريض لرأيه المهلك ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح. والتوجيه النبوي واضح: “انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا”… قيل أنصره مظلومًا فكيف أنصره ظالمًا… قال “تحجزه عن الظلم فإن ذلك نصره”. (البخاري)…

والخلاصة فإن “الشريعة الإسلامية الغراء تشترط لانتفاء المسئولية عن الطبيب أمورًا أساسية هي:

1 –  إذن الشارع بمزاولة المهنة.

2 –  رضاء المريض بالعلاج.

3 –  قصد الشفاء عند الطبيب.

4 –  عدم وقوع الخطأ الفاحش من الطبيب… والخطأ الفاحش هو الذي لا تقره الأصول الطبية ولا يقره أهل الفن والعلم”.

الباب التاسع

الطبيب والمجتمع

* الطبيب عضو حي في مجتمع يتفاعل معه ويؤثر فيه ويهتم بأموره. إعمالاً للحديث الشريف: “الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم” (البخاري).

* واجب الطبيب لا يقتصر على علاج المرض فحسب وإنما اتخاذ أسباب الوقاية لدرئه. استجابة للآية الكريمة “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة” (البقرة: 195). كما أن التوجيه الوقائي واضح في حديث الرسول: “إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها فرارًا منه” (البخاري ومسلم).

* وعلى المهنة إذن أن تهتم بمكافحة العادات التي تؤدي إلى الضرر كالخمر والتدخين وعدم النظافة وأن تطالب بالتشريعات اللازمة لذلك بجانب الدعوة على أوسع نطاق. ويدخل في ذلك نظافة البيئة ومنع تلوثها.

* وتجد كثير من الأمراض الفتاكة التي استشرت في بعض المجتمعات كالأمراض الجنسية أسباب الوقاية منها في شيوع الفضيلة، ويقظة الوعي الديني، فعلى المهنة أن تقوم بدورها في ذلك وأن تدعو إليه.

“بلغ السيلان والزهري في بعض البلاد الغربية أبعادًا وبائية أدت إلى أن تطلب السلطات الصحية إعلان حالة الطوارئ القومية. ومع ذلك فكل الإرشادات الطبية هناك –مع الأسف- تتجه إلى مخاطبة الشباب ألا بأس من الحرية الجنسية والمهم أن تقصد الطبيب إذا اشتبهت في الإصابة بمرض… ولم نر أيًّا منها يدعو إلى العفة كوسيلة للوقاية من العدوى، بل شاعت الدعوى بأن واجب الطبيب أن يعالج لا أن يعظ”.

* وعلى المهنة الطبية في الإسلام أن تكون أولاً على وعي بالإسلام والتزام به، وثانيًا على دراسة وبينة من مجتمعاتنا لتقرير ما تأخذ وما تدع من السياسات الطبية ولا تكتفي بالنقل عن الآخرين مما يعرض لمجافاة الإسلام والإضرار بالمجتمع.

* وللطبيب على المجتمع حق الثقة الوطيدة والعيش الكريم والرزق الوافي والكرامة المصونة.

* وعلى الطبيب أن يكون أهلاً لهذه الحقوق وإلا كان عرضة للمساءلة التأديبية.

“في كل مجتمع عناصر يدفعها الجهل أو البطر أو سوء الخلق أو الالتذاذ بالإثارة إلى تقويض صورة الطبيب في أعين الناس. هذه أمور في غاية القسوة لا نقول على الطبيب وإنما بالقدر الأكبر على المريض الذي حتمًا سيحتاج إلى أن يسلم أمره للطبيب ليقوم بعلاجه وإجراء الجراحة له. ومن الخير للمريض والبر به أن تشيع عن الطبيب الصورة المثالية. وعلى الصحافة بالذات أن تتحرى قبل أن تحكم. وأن ترفع شكواها للسلطات قبل أن تنشر. وعلى السلطات أن ثبت أن ما نشر غير صحيح أن تتخذ الإجراءات القضائية وتطالب بالتعويض والعقوبة… لأن اهتزاز صورة الطبيب في أذهان الناس مما يقوض أمن المجتمع وطمأنينته.

أما الطبيب الذي يثبت أنه مدان فيما يتعلق بالسلوك الواجب أو الإهمال الجسيم فلا دفاع عنه لأن سقطة الطبيب أفدح من سقطة غيره. ولا يمكن أن يؤدي الطب على وجهه الصحيح إلا والطبيب في أمان كامل وصفاء نفس وعدالة تمتعه أن يظلمه الناس أو أن يظلم نفسه.

الباب العاشر

الطبيب إزاء البحث العلمي

ومعطياته الحديثة

* لا حجر في الإسلام على حرية البحث العلمي بل هو مندوب سواء أكان مجردًا للكشف عن سنن الله في خلقه أم تطبيقيًا يهدف إلى حل مشكلة بعينها.

* لا يجوز أن تشتمل حرية البحث العلمي على قهر الإنسان أو قتله أو الإضرار به أو تعريضه لضرر محتمل أو منع حاجاته العلاجية عنه أو التدليس عليه أو استغلال حاجته المادية.

* لا يجوز أن تشتمل حرية البحث العلمي على القسوة على الحيوان أو تعذيبه وإنما يوضع المنهاج المناسب للتداول الرفيق بالحيوان خلال التجارب العلمية.

* لا يجوز أن تشتمل خطوات البحث العلمي أو تطبيقاته على الكبائر التي يحرمها الإسلام كالزنى أو اختلاط الأنساب أو التشويه أو العبث بمقومات الشخصية الإنسانية وحريتها وأهليتها للمسئولية.

* الهيئة الطبية صاحبة حق.. وعليها واجب.. في المشاركة في إصدار الفتاوى بالحل والحرمة والجواز والبطلان فيما يصل إليه التقدم العلمي في المجال الطبي. وتكون الفتوى جهدًا مشتركًا بين المسلمين من أهل التخصص في الفقه. ولا يجوز أن تصدر الفتوى من جانب واحد، وذلك لضمان صدورها عن بينة تامة وتوضيح دقيق للمسألة المطروحة.

* ويكون المدار في المستحدث مما لا نص فيه على المصلحة عملاً بالقاعدة الشرعية التي تقول حيثما كانت المصلحة فثم شرع الله، شريطة ألا تخالف المصلحة نصوص الشريعة أو روحها.

* والمريض الفرد في كفالة الجماعة… فعليها أن تؤمن أسباب شفائه بما لا يضر الغير… ويدخل في ذلك الاستعانة من الغير ببعض مفرزاته أو أعضائه كنقل الدم للنازف والتبرع بإحدى الكليتين الصحيحتين للمريض ذي الكليتين الخربتين استبقاء لحياته. فهذه وأمثالها فرض كفاية يغني فيها البعض عن الكل. وعلى المهنة الطبية مهمة نشر الوعي وتصحيح المفاهيم واستنهاض دواعي العطاء. كما أن عليها رسم الأمور الفنية والإجرائية ورسم الأفضليات الطبية والسياسة التنفيذية اللازمة.

* ولا يجوز أن يكون العطاء في هذه المناشط نتيجة إرغام أو إحراج أو استغلال للحاجة المادية.

* كما لا يجوز أن ينطوي العطاء على تعويض المعطي للخطر.

* وعلى الهيئة الطبية أن تساهم مضطلعة بالعبء الأكبر في وضع التنظيمات التي ترتب هبة الأعضاء أثناء الحياة أو بعد الموت عن طريق الوصية أو بموافقة الورثة. وإقامة بنوك الأنسجة لحفظ ما يصلح منها للبقاء لحين الحاجة.

وذلك في نطاق المجتمع أو بالتعاون مع الهيئات المعنية الخارجية بطريق المعاملة بالمثل.

“سن عمر بن الخطاب أنه إن هلك رجل في قرية من الجوع لزمت أهلها ديته كأنهم قتلوه. والتطبيق هنا سهل المنال في الأحوال التي يهلك فيها إنسان لأنه لم يجد ما يقيم حياته من دم أو كلية أو غير ذلك.

وحديث الرسول: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد..” (البخاري).

كذلك حديثه “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا” (البخاري) دلالة واضحة على وجوب هذا التكافل.

كذلك وصف الله المؤمنين بقوله: “ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة” (الحشر: 9). علمًا بأن التبرع بالأعضاء هو إيثار ولكن في غير خصاصة، لأن من شروطه أن يتأكد الأطباء من قبل أن المعطي فعلاً يستطيع الاستغناء عما يؤخذ منه ولا يصيبه ضرر إن تبرع به.

وإذا كان الحي مستغنيًا عما يعطي فالميت أشد غناء إن أخذت منه كليتاه أو قلبه أو عيناه أو شرايينه.

وهذا الأمر من أعظم القربات إلى الله وأولاها بالمؤمنين… ففيها التطبيق المباشر لقول الله “ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا” (المائدة: 32).

على أن العطاء هنا ينبغي ولا بد أن يكون عن طواعية واختيار… وإلا تسلط الجبارون على الناس يسلبونهم بعض أجسامهم مصادرين حق الحرية وحق الملك وهما حقان أصيلان في الإسلام. بل على مجتمع المؤمنين أن يؤمن هذه الحاجة ثمرة للإيمان الحي والتراحم والتكافل والمحبة لله وبعادته في معاملة خلقه.

وأي مؤمن لا يستجيب لقوله الله: “من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا…”. (البقرة: 245). ولا ينبغي أن تكون المجتمعات الأخرى أسبق منا في هذا المجال.

الباب الحادي عشر

في التعليم الطبي

* التعليم الطبي تخصص بذاته ضمن إطار شامل أساسه الإيمان بالله ووحدة الخالق وقدرته وأنه وحده واهب الحياة وواهب العلم وواهب الموت ورب المعاش والمعاد.

* وينبغي عند النظر في إعداد الطبيب أن يكون أنموذجًا متحليًّا بما يحبه الله خاليًا مما يكرهه الله، مشبعًا بحب الله وحب الناس وحب العلم.

* والتعليم الطبي ينهل من أي مورد دون تعصب أو انغلاق ومع ذلك فتجب حمايته وتنقيته من أي نشاط إيجابي يدعو إلى الإلحاد أو الكفر.

* ويدرك المعلم أن عليه لطلابه واجب القدوة وواجب التعليم وواجب الهداية والرعاية المتصلة داخل قاعات الدراسة وخارجها وفي أثناء وفيما بعدها. وللمعلم على طلابه حق المحبة والتوقير والعرفان داخل قاعات الدراسة وخارجها وفي أثناء الدراسة وفيما بعدها.

* والتعليم الطبي ليس تلقينًا أو إملاء أو سيطرة، وإنما من غاياته تنمية القدرة على قدح الذهن والملاحظة والاستنباط وتفجير المزيد من الأسئلة وتكوين الرأي المستقل… وقد عاب القرآن قومًا قالوا: “إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون” (الزخرف: 23)… وإلا أسِن العلم ووقف التقدم.

* الإيمان دواء وعلاج ومعين على المرض وجلاب للشفاء. ويجب في إعداد الطبيب تدريبه على تزكية الإيمان والاستعانة به فيما يسمى برفع الحالة النفسية للمريض وإنزال السكينة في نفسه.

* لا بد لبرامج كليات الطب أن تحتوي على القدر اللازم من البصر بأحكام الفقه والعبادات المتصلة بالمسائل ذات الصبغة الطبية أو الصحية.

* لا بد لبرامج كليات الطب أن تصل الطالب بالتراث الطبي الإسلامي وبالأسباب التي أدت إلى إقامة صرح الحضارة الإسلامية وعلو شأنها.

* تركز البرامج على أن الطب عبادة سواء من جهة العقيدة في جلاء أسرار الله في الخلق وحكمته فيه أو من جهة المعاملات برعاية المرضى وعلاجهم والبر بهم.

* تشمل المقررات الدراسية في المعاهد الطبية على دراسة هذا الدستور.

الباب الثاني عشر

قسم الطبيب

بسم الله الرحمن الرحيم

قسم الطبيب

أقسم بالله العظيم.

* أنا أراقب الله في مهنتي..

* وأن أصون حياة الإنسان في كافة أدوارها. في كل الظروف والأحوال باذلاً وسعي في استنقاذها من الهلاك والمرض والألم والقلق.

* وأن أحفظ للناس كرامتهم. وأستر عورتهم. وأكتم سرهم.

* وأن أكون على الدوام من وسائل رحمة الله، باذلاً رعايتي الطبية للقريب والبعيد، والصالح والخاطئ، والصديق والعدو.

* وأن أثابر على طلب العلم، أسخره لنفع الإنسان.. لا لأذاه.

* وأن أوقر من علمني، وأعلم من يصغرني، وأكون أخًا لكل زميل في المهنة الطبية متعاونين على البر والتقوى..

* وأن تكون حياتي مصداق إيماني في سري وعلانيتي، نقية مما يشينها تجاه الله ورسوله والمؤمنين.

والله على ما أقول شهيد.

المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية

المؤتمر العالمي الأول للطب الإسلامي

الكويت 6-10 ربيع الأول 1401ه

12-16 يناير 1981م