أ. د. عمر حسن قاصولي** 21/09/2004 

تجاهل القانون الأوربي العلماني الاعتبارات الأخلاقية المرتبطة بالدين، وبالتالي عجز عن حل قضايا الطب الحديث التي تتطلب الاعتبارات الأخلاقية، وقد أدى هذا إلى ميلاد أخلاقيات طبية غير مطبقة قانونا من قبل الحكومات، وغير مطبقة أخلاقيا تبعا للضمير.

هذا البحث يقترح أن تعتمد نظرية الأخلاقيات الطبية في الإسلام على مقاصد الشريعة الخمس، والتي تعتبر أيضا مقاصد الطب، أي أغراضه.

هذه المقاصد الخمس هي: حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ النسل، حفظ العقل، وحفظ المال. وأيّ عمل طبي يجب أن يحقق هذه المقاصد حتى نعتبره أخلاقيا، ويعتبر أي إجراء طبي يخرق أيّا من هذه المقاصد إجراء غير أخلاقي.

هذا البحث يقترح -أيضا- أن تستمد القواعد الأخلاقية الأساسية في الإسلام المتعلقة بممارسة الطب من قواعد الشريعة الخمس التي هي: القصد، واليقين، والضرر، والمشقات، والعرف.وتعمل المقاصد والقواعد في شكل تعاوني. والغرض الأساسي من القواعد هو إتاحة قواعد قادرة على حل النزاع بين مختلف المقاصد.

إن تحديا كبيرا يواجه الأطباء المسلمين، وهو كيفية تحرير أنفسهم من النظريات الأوربية الأخلاقية المتناقضة التي تربكهم، والتفرغ للعمل الجاد لتطوير لوائح معينة للتداخلات الطبية المختلفة، ووضع ضوابط طبية لها، وذلك بإحياء الاجتهاد. وهذا الاجتهاد سوف يعتمد على المصادر الأساسية للشريعة، أي القرآن والسنة، وعلى المصادر الثانوية للشريعة، والتي تنقسم إلى مصادر نقلية -أي الإجماع والقياس- ومصادر عقلية -أي الاستشهاد والاستحسان. وكذلك سوف يعتمد الاجتهاد على مقاصد الشريعة وقواعد الفقه وضوابطه.

في العهد المبكر من الطب الشرعي، كانت معظم القضايا تُحل بالرجوع مباشرة إلى المصادر الأساسية، وفي العهد الوسيط كانت القضايا تحل بالرجوع إلى الإجماع والقياس والاستشهاد والاستحسان والاستصلاح، أما في العهد الحديث فإن التكنولوجيا الطبية الحديثة خلقت الكثير من القضايا التي يحتاج حلها إلى نظرة أكثر اتساعا لا تتوافر إلا في نظرية مقاصد الشريعة.

مـقـدمـة

الأخلاقيات الطبية تنقسم إلى أخلاقيات قديمة وأخرى حديثة. فنجد بعض الأجزاء من قَسَم أبقراط تتعلق بأخلاقيات مهنية طبية، وكذلك كتب ابن سينا عن الأخلاقيات الطبية. والاهتمام بالأخلاقيات الطبية قديما لم يكن بنفس حدة الاهتمام بها في الوقت الراهن؛ حيث إنه كان من المفترض والطبيعي أن يعمل الطبيب وفقا للأخلاقيات والمبادئ، وقد كان هذا حقيقيا إلى مدى بعيد، وهذا لأن التدين كان دافعا قويا في الماضي.

وفي أواخر القرن الرابع عشر الهجري أصبح الاهتمام بالاعتبارات الأخلاقية كبيرا، وهذا يعود إلى سببين: أولهما التطور الكبير في التكنولوجيا الطبية والذي نتجت عنه مشكلات -مثل التلقيح الصناعي وغيرها- ذات أبعاد أخلاقية، وثاني السببين هو زيادة الانتهاكات الأخلاقية من قبل ممارسي الطب. ومن ثم وجدت مهنة الطب الأوربية نفسها في مأزق؛ لأن القيم الأخلاقية لم تكن جزءا من التقاليد الطبية العلمانية. كل هذا أدى إلى حتمية إعادة الاهتمام بضبط الأخلاقيات.

لم يواجه المسلمون هذه الورطة، ويرجع الفضل في ذلك إلى الشريعة الإسلامية التي -على خلاف القانون الأوربي العلماني- تعتمد على نظام كامل من الأخلاقيات؛ مما جعلها قادرة على التعامل مع كل المشكلات الطبية الأخلاقية من وجهة نظر قانونية وشرعية. وفي نفس الوقت تتميز الشريعة الإسلامية بمرونة جعلتها تتكيف مع المشكلات الحديثة. وعلى وجه الدقة يمكننا القول: إن المسلمين لا يتعاملون مع الانضباط منفصلا؛ لأنه بالفعل جزء من الشريعة.

وقد عمد الأطباء المسلمون الذين تدربوا على التقاليد الأوربية في الماضي إلى تطبيق النظريات والقواعد الأخلاقية الأوربية عند التعامل مع المشكلات الأخلاقية في الطب.

هذا البحث يقترح وجوب عودة المسلمين إلى ميراثهم العقلي والتشريعي كمصدر للقواعد الأخلاقية. وينتقد الأخلاقيات الأوربية، مشيرا للعيوب المفهومية العملية التي تعاني منها. ثم يقدم النظام الأخلاقي الإسلامي كدليل ومرشد قوي ومتماسك للمشكلات الأخلاقية في الطب.

نقد الأخلاقيات الأوربية

– المبادئ الأخلاقية الأوربية:

يستخدم البحث كلمة “أوربي” هنا من الناحية الثقافية، وليس الجغرافية، ليشير إلى الأفراد ذوي الأصل الأوربي الذين يعيشون في قارة أوربا، وقارة أمريكا الشمالية، وأمريكا الجنوبية، وأستراليا والأجزاء الأخرى من العالم التي كانت مستعمرة من قبل الأوروبيين على مدى الخمسمائة عام الماضية. والحضارة الأوربية لها جذورها الإغريقية الرومانية وعاداتها اليهودية المسيحية.

ولقد واجه الأوربيون مشكلة في التعامل مع القضايا الأخلاقية بعد إبعاد الدين عن الحياة العامة على مدى القرون الخمس الماضية من العلمانية التي تلت النهضة الأوربية، فأصبحت الفضيلة بالنسبة إليهم هي إجماع العامة على ما هو صحيح وقويم وعلى ما هو باطل.

على سبيل المثال، فإن مجموعة المبادئ والقواعد لسلوكيات المهن المختلفة (أي الدستور لكل مهنة) يتم تحديدها بالإجماع داخل كل مهنة، وتوضع الخطوط المرشدة أخلاقيا من خلال الاستنتاج من الوقائع في المشكلات الأخلاقية العملية. هذا الاستنتاج من الممكن أن يكون ضعيفا وغير متماسك لو لم يكن مبنيا على نظام تحتي مترابط من القيم الأخلاقية.

والقانون الأوربي ليس دائما متماسكا في التعامل مع القضايا ذات الطبيعة الأخلاقية، وبناء على ذلك فإن القانون الأوربي لا يجيز دائما كل الممارسات المقبولة أخلاقيا، وكذلك لا يحظر كل الأنشطة غير الأخلاقية، بل أحيانا يحظر بعض الممارسات المقبولة أخلاقيا.

وأيضا يتعامل مع بعض المواقف بطريقة متناقضة؛ فمثلا يعاقب القانون الأوربي الرجل المتزوج من امرأتين عقابا شديدا من أجل جريمة تعدد الزوجات، في حين أن الرجل الذي يعاشر أربعة نساء كصديقات (لا زوجات) وينجب منهن لا يعاقب قانونيا، بل ويقر القانون أبوته ويقر الحقوق المادية الخاصة بالميراث والإعالة لهؤلاء السيدات وأولادهن.

ومن هنا نجد أن النظرية الأخلاقية الأوربية توفر فقط إطار العمل الذي يجري بداخله الاستنتاج والحكم الأخلاقي، لكن لا توجد نظرية أوربية أخلاقية واحدة مترابطة، وهذا يعود لأسباب تاريخية، حيث إن الإمبراطورية الرومانية حينما اختارت المسيحية أصبح نظام القيم الأخلاقية المتبع حلا وسطا بين الديانة الإغريقية الرومانية الأوربية الوثنية المشتركة من جهة، واليهودية المسيحية من جهة أخرى.

وخلال النهضة الأوربية تم تهميش دور الكنيسة المسيحية نسبيا، وحدثت عودة جزئية إلى الأفكار الإغريقية الرومانية، وهذا أدى إلى ظهور التركيبة المعقدة من المفاهيم الأخلاقية والفلسفية الخاصة بأوربا العلمانية. وفي ظل هذه الظروف أصبح من الصعب تحديد أو اتباع نظرية أخلاقية واحدة مترابطة.

ومع بداية النهضة تعدت العلمانية تدريجيا على الحياة الحضارية، ومع بداية القرن العشرين أصبحت كل أوجه الحياة الأوروبية -بما فيها الطب- علمانية. ولقد كان التجلي العملي لهذه العلمانية في تهميش دور الدين والقيم الأخلاقية وتحديد دورها فيما يخص المعتقدات الخاصة لكل فرد. فالقانون الأوربي العلماني هو جوهر إنكار الاعتبارات الأخلاقية؛ لأن الأخلاقيات مرتبطة بالدين. وعند تطبيق القوانين العلمانية في المجال الطبي أظهرت عجزا، وذلك لظهور قضايا طبية تتطلب اعتبارات أخلاقية للتعامل معها.

وأصبحت المهنة الطبية والمجتمع ككل غير قادر على مواجهة التحديات الجديدة، وأصبح من الضروري تطوير أخلاقيات طبية علمانية جديدة لمواجهة هذه التحديات. ولقد كان من المؤسف أن المسلمين بما لديهم من ميراث عقلي متمثل في أصول الفقه يتبعون الأوربيين.

ويعتبر الأوربيون قَسَم أبقراط هو نقطة البداية للاستنتاج الأخلاقي الذي تكامل بآراء الفلاسفة والمفكرين الأوربيين، بهدف تطوير نظريات أخلاقية تستخدم لحل المشكلات العملية. فبداية من عام 1976م أصبحBeauchamp و Childress روادا في وضع النظريات والمبادئ للأخلاقيات الطبية الأوربية.

– النظرية الأخلاقية الأوربية:

وفقا لمفهوم Beauchamp وChildress [1] فهناك ثماني نظريات(؟؟ذكر6نظريات فقط؟؟) أخلاقية لا يمكن استخدام إحداها منفردة لحل كل المشكلات الطبية الأخلاقية، ولا تتوافر لإحداها منفردة خواص النظرية الأخلاقية الجيدة من حيث الوضوح والترابط والكمال والفهم والبساطة والعملية والقدرة على الإيضاح والإثبات. وبالتالي لا بد من استخدام أكثر من نظرية معا لحل قضية أخلاقية معينة، وبالطبع هذا مرهق ومربك.

1- نظرية المنفعة: تعتمد هذه النظرية على النتيجة المنفعية، وهنا يتم الحكم على جودة أي عمل (أي أنه جيد أم سيئ) تبعا للموازنة بين نتائجه الجيدة والسيئة. ومذهب المنفعة هنا يهدف إلى تحقيق أعظم إيجابيات بأقل سلبيات، وعيوب هذا المذهب أنه يسمح بأعمال غير أخلاقية بوضوح على أساس المنفعة.

2- نظرية الإلزام: وتقول هذه النظرية: إن الأخلاقيات تعتمد على الاستنتاج الخالص، وقد رفضImmanuel Kan فيلسوف هذه النظرية: التقاليد، والحدس، والبديهة، والضمير والعواطف كمصدر للحكم الأخلاقي. وقال: إن وجود مبرر أخلاقي شرعي يبرر الأفعال، وقال: إن الأفعال يكون أساسها الإلزام الأخلاقي. المشكلة في هذه النظرية أنها لا توجِد حلا للتضارب في الالتزامات؛ لأنها تعتبر القواعد الأخلاقية مطلقة.

3- نظرية الحقوق: وتعتمد هذه النظرية على احترام حقوق الإنسان للملكية والحياة والحرية والتعبير، ومشكلة هذه النظرية أن التشديد على الحقوق الفردية يخلق مناخا معاديا؛ حيث إن الحقوق الفردية من الممكن أن تتعارض مع حقوق الجماعة، ومن الممكن أن تتعارض حقوق فرد مع حقوق الآخر.

4- نظرية الجماعة: وتقول هذه النظرية: إن التحكم في الأحكام الأخلاقية يكون بمراعاة اعتبارات الصالح العام والأهداف الاجتماعية والتقاليد، وهذه النظرية تنكر نظرية الحقوق التي ترتكز على الفردية، إلا أن المشكلة في هذه النظرية أنه من الصعب الوصول إلى إجماع على ما تتكون منه قيم الجماعة في ظل المجتمع المعقد المتنوع.

5- نظرية العلاقة: وتؤكد هذه النظرية على العلاقات الأسرية والعائلية، والعلاقة الخاصة بين الطبيب والمريض. وهنا تراعي الأحكام الأخلاقية عدم فعل أي شيء يعطل أو يمزق الحياة الطبيعية للأسرة. ومشكلة هذه النظرية أنه من الصعب التعامل وتحليل العوامل النفسية والعاطفية في هذه العلاقات.

6- نظرية الحالة: وهي نظرية عملية في إصدار القرارات وفقا لكل حالة على حدة كما هي، وهذه النظرية قد تعطي نتائج متناقضة لحالات ذات طبيعة متشابهة، وهي أيضا عرضة للانحياز.

قواعد الأخلاقيات الأوربية

قواعد الأخلاقيات هي البديهيات أو الحقائق المقررة التي تبسط الاستنتاج الأخلاقي وفقا لـ Beauchamp وChildress، وهناك أربعة قواعد أخلاقية أوربية أساسية، وهذه القواعد هي:

1- قاعدة الاستقلال: وهي خاصة بقدرة المريض على اتخاذ القرارات الخاصة بالإجراءات الطبية.

2- قاعدة عدم الإيذاء: وهي خاصة بعدم التسبب في أي ضرر.

3- قاعدة النفع: وهي الإفادة والموازنة بينها وبين المخاطرة والتكاليف.

4- قاعدة العدل: أي العدل في توزيع المنافع والتكاليف والمخاطر.

وعند مقارنة القواعد الأخلاقية الأوربية بالمقاصد الشرعية الإسلامية نجد أن القواعد الأوربية غير مبنية على نظرية مفهومة.. نعم قد نجد بعض التشابه بينهما لكن القواعد الأوربية محدودة في مجال التغطية.

قوانين الأخلاقيات الأوربية

وفقا لـ Beauchamp وChildress فإن تطبيق القواعد الأربعة السابقة يتطلب قوانين أخلاقية. هذه القوانين قد تكون قوانين أساسية، وقوانين السلطة، وقوانين إجرائية.

أ‌- القوانين الأساسية: تتعلق بالحق، الصدق، الخصوصية، السرية والإخلاص.

ب‌- وقوانين السلطة: تتعلق بالوكالة، السلطة المهنية، والعدالة في التوزيع.

ت‌- القوانين الإجرائية: وكل منها خاص بالإجراءات التي تطبق.

من الممكن أن نجد علاقة بين القوانين الأخلاقية الأوربية وبين ضوابط الفقه، لكن القوانين الأوربية ذات مجال ضيق عند مقارنتها بضوابط الفقه.

الأخلاقيات الإسلامية وخصائصها العامة

الأخلاقيات الإسلامية مطلقة وذات أصل مقدس، ولا يمكن أن يتخذ الإجماع البشري غير المستنبط من التشريع المقدس مصدرا للخطوط الإرشادية للأخلاقيات. ويقتصر دور العنصر البشري على تطبيق التعاليم الشرعية والأخلاقية للإسلام على المواقف العملية.

والشريعة الإسلامية تحظر تلقائيا كل الأفعال غير الأخلاقية فيما يطلق عليه الحرام، وتجيز تلقائيا كل ما هو أخلاقي فيما يطلق عليه المباح. والخطوط الإرشادية للأخلاقيات في الإسلام ثابتة ومتغيرة في الوقت نفسه، فالقواعد الأخلاقية والشرعية ثابتة وواسعة المدى لتشمل احتياجات كل الأزمنة والأمكنة، والتطبيقات التفصيلية متغيرة وتتغير بالتطور في العلم والتكنولنوجيا.

والإسلام يقر بأن الأخلاقيات لا يمكن فصلها عن الشريعة؛ فالشريعة الإسلامية هي خلاصة وافية من الأخلاقيات والقواعد الشرعية. وبالتالي فإن مقاصد الشريعة [2] وقواعد الفقه وضوابطه [3] هي أساس الأخلاقيات. والإسلام يقر أن العقل البشري قادر على الاستنباط العقلي لكل ما هو صحيح وكل ما هو خطأ في معظم مشكلات الحياة، إلا إذا كان العقل فاسدا متبعا للشيطان. إلى جانب ذلك توجد عدة مساحات رمادية للاستنتاج الأخلاقي تحت إرشاد الوحي للوصول إلى نتائج صحيحة.

ويعتبر الإسلام الأخلاقيات الطبية نفس الأخلاقيات في مجالات الحياة الأخرى، وبالتالي فإنه لا يوجد دستور مخصوص للأطباء. ومن ثم فما نطلق عليه الأخلاقيات الطبية ما هو إلا القواعد الأخلاقية العامة باستخدام المصطلحات والتطبيقات الطبية. فقوانين الأخلاقيات الطبية يمكن استخلاصها من الشريعة الأساسية لكن التطبيقات التفصيلية تتطلب اجتهاد الأطباء. ومما يثير العجب أن بعض المشكلات الأخلاقية يمكن حلها باجتنابها؛ حيث إنه من التعاليم الإسلامية اجتناب كل ما يثير الشك، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك” [4].

والنظرية الأخلاقية في الإسلام متمثلة في المقاصد الشرعية الخمس التي هي: حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ النسل، وحفظ المال. فأي عمل طبي يجب أن يحقق هذه المقاصد حتى نعتبره أخلاقيا. والقواعد الأخلاقية الأساسية للإسلام المتعلقة بممارسة الطب تستخلص من قواعد الشريعة الخمس التي هي القصد، اليقين، الضرر، المشقات، والعرف.

مقاصد الشريعة في الطب

المقصد الأول: حفظ الدين: وهذا المقصد يخص الصحة الجسدية والعقلية؛ فحفظ الدين يتضمن حفظ العبادات، وبالتالي فإن العلاج الطبي يسهم مباشرة في حفظ العبادات عن طريق الحفاظ على الصحة الجيدة، مما يعطي العابد الطاقة الجسدية والعقلية اللازمة للقيام بمسئوليات العبادات. والعبادات الأساسية التي تعتمد على الطاقة الجسدية هي الصلاة، والصوم، والحج. فالجسد الضعيف لا يتمكن من أداء هذه العبادات على أكمل وجه. وكذلك الصحة المتوازنة ضرورية لفهم العقائد ودرء الفهم الخاطئ للقواعد.

المقصد الثاني: حفظ النفس: وهذا هو المقصد الأساسي للطب، والطب لا يمنع أو يؤجل الموت؛ لأن الموت بيد الله وحده، لكن الطب يحاول المحافظة على جودة عالية للحياة حتى ميقات الموت، وهذا بالحفاظ على الوظائف الجسدية.

المقصد الثالث: حفظ النسل:ويساهم الطب في حفظ النسل عن طريق التأكد من العناية الجيدة بالأطفال حتى يصبحوا أفرادا أصحاء في المجتمع يمكنهم تقديم نسل جديد ذي صحة جيدة، وعلاج عقم الذكور والإناث يضمن تكاثرا ناجحا، والعناية بالسيدات الحوامل والعناية بالأطفال في مرحلة ما قبل الولادة كل هذا يضمن أطفالا أصحاء يكبرون في صحة جيدة.

المقصد الرابع: حفظ العقل: يلعب الطب دورا في حفظ العقل عن طريق علاج الأمراض الجسدية حيث إن علاج الجسد من آلامه يزيح الضغط العصبي الذي يؤثر على الحالة العقلية. وكذلك علاج الحالات النفسية لحفظ الوظائف العقلية، وأيضا علاج إدمان الكحوليات والمخدرات لمنع تدهور الحالة العقلية للإنسان.

المقصد الخامس: حفظ المال:يساهم الطب في حفظ المال، حيث إن أموال أي مجتمع تعتمد على الأنشطة المنتجة التي يقوم بها المواطنون الأصحاء، وبالتالي فإن المحافظة على صحة الأجيال وعلاج أي أمراض يضمن الحفاظ على الأموال. ونجد المجتمعات ذات الصحة العامة المتدنية أقل إنتاجا من المجتمعات ذات الصحة العامة الجيدة.

قد يحدث تضارب بين مبادئ حفظ النفس وحفظ المال في علاج الحالات التي تعاني من أمراض مميتة، حيث إن الأموال التي تنفق على علاج هذه الحالات يمكن استخدامها لعلاج حالات أخرى من المتوقع شفاؤها. وحل مثل هذا التناقض يكون بالرجوع إلى قواعد الشريعة.

قواعد الشريعة

قاعدة القصد: يندرج تحت هذه القاعدة العديد من القواعد الفرعية التي تطبق على ممارسة الطب، مثل القاعدة الفرعية القائلة: الأمور بمقاصدها، وهي تدعو لأن يرجع الطبيب إلى ضميره، حيث إن هناك الكثير من الإجراءات والقرارات الطبية التي لا تظهر للجمهور، فمن الممكن أن يقوم الطبيب بإجراء يكون مقبولا ظاهريا، لكنه له مقصد مختلف لا يظهر لنا، ومثال ذلك استخدام المورفين لتسكين الألم في المراحل النهائية للمرض في حين أن المقصد الحقيقي من الممكن أن يكون إحداث هبوط في التنفس يؤدي إلى الموت.

ومثل القاعدة الفرعية القائلة: مقاصد ومعانٍ لا ألفاظ ومبانٍ، وتستخدم هذه القاعدة لدحض استخدام الخلافات الشرعية التي تحدث بسبب الترجمة الحرفية لتبرير الأفعال غير الأخلاقية، ومثال ذلك التفسير الخاطئ لبعض الأحاديث عن علم الأجنة لتبرير الإجهاض قبل أن تنفخ الروح في الجنين. وهذه القواعد التي لها حكم المقاصد تقول أيضا: إنه يجب عدم إنجاز أي مقصد طبي بطرق غير أخلاقية.

قاعدة اليقين: لم يصل الطب بعد في مجالي التشخيص وتحديد العلاج المناسب إلى درجة اليقين التام التي يطلبها الشرع، فالطب يعمل الآن عند مستوى (الظن الغالب). ولا يمكن أن يسير العمل في المجال الطبي عند مستوى الظن أو الشك. وفي نفس الوقت لا يوجد في الطب مواقف لا يوجد بها شك أو تردد، أي أن اليقين التام غير موجود في الطب. وفي حالة (الظن الغالب) يكون هناك دليل لأحد الاحتمالات ولا يوجد دليل للآخر، لكن في حالة الظن يكون هناك ميل لأحد الاحتمالات لكن دون أي دليل كافٍ، أما في حالة الشك فالدليل للاحتمالين متساو.

ومن هنا فإن العلاجات التجريبية تستخدم دون التأكد من النتيجة، وكذلك يتم علاج الأعراض دون معرفة ودون علاج السبب المرضي، فكل شيء في الطب احتمالي ونسبي، وطبقا لقاعدة اليقين فإن كل الإجراءات الطبية مسموح بها إلا إذا وجد دليل وإثبات على ضرورة منعها، أي أن الأصل في الأشياء الإباحة، والاستثناء لهذه القاعدة يكون في الحالات الجنسية والتناسلية؛ حيث إن المسائل المتعلقة بالوظائف الجنسية: الأصل فيها التحريم إلا إذا وجد دليل لإباحتها.

قاعدة الضرر: تقول هذه القاعدة: إن الضرر يُزال، علما بأنه يجب على الطبيب أصلا ألا يسبب ضررا خلال عمله طبقا للقاعدة القائلة: لا ضرر ولا ضرار، والضرر يدفع بقدر الإمكان، والضرر لا يكون قديما إلا إذا وجد دليل على ذلك، وبالتالي تجب إزالته، وكذلك الضرر لا يزال بمثله، وبالتالي فإنه لا يُستخدم علاج لإزالة ضرر ويكون لهذا العلاج أثر جانبي في نفس حجم الضرر المستخدم لإزالته. وكذلك قاعدة درء المفاسد أولى من جلب المنافع تستخدم عندما يكون التدخل الطبي المقترح له آثار جانبية، لكنه ضروري لدرء مفسدة لها نفس قيمة المنفعة، لكن إذا كانت المنفعة أهم بكثير من المفسدة فهنا يرجح السعي وراء المنفعة.

وعندما يواجه الأطباء تداخلات طبية ذات وجهين: وجه مسموح ووجه ممنوع، فإن الشريعة هنا تقول: إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام الحلال، أي يرجح التحريم على الإباحة.

وإذا واجه الأطباء موقفين ضارين؛ فالشريعة هنا تقول باختيار أهون الشرين. وكذلك الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، وأيضا المصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة.

وكذلك يُحتمل الضرر الأخص من أجل دفع الضرر الأعم. فعند وجود أمراض معدية تنتقل بالاتصال فمن حق الحكومات أن تحد من حركة المواطنين أو حتى تدمر أملاكهم التي قد تؤدي إلى نقل المرض. وفي الكثير من المواقف التي تكون فيها المفاضلة بين المنفعة والضرر صعبة نحتاج إلى صلاة استخارة.

قاعدة المشقات: وهذه القاعدة تقول: إن الضرورات تبيح المحظورات، وتعرّف المشقات بأنها: أي حالة تتلف جديا الصحة الجسدية أو العقلية إذا لم يتم حلها فورا، وهنا فإن المشقات تجلب التيسير، وهذا متوافق مع المبادئ العامة للإسلام من حيث كونه دين يسر، فالدين يسر ولن يشادّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه. وفيما يخص تطبيق قاعدة المشقات فإنها محدودة بمقصد الشريعة، فالضرورات تقدر بقدرها، وكذلك فإن تطبيق قاعدة المشقات يكون لفترة محدودة، أي فترة مؤقتة وليست دائمة، وذلك للحفاظ على حق المريض، أي أن الاضطرار لا يبطل حق الغير.

وينتهي العمل بقاعدة المشقات بانتهاء الضرورة التي دعت إلى اللجوء إليها، أي أن ما جاز بعذر يبطل بزواله، ويمكن التعبير عن ذلك أيضا بالقول: إذا زال المانع عاد الممنوع. وأيضا لا يجوز طلب فعل أي شيء حرام من شخص آخر، أي أن ما حرُم فعله حرُم طلبه.

قاعدة العرف: وهذه القاعدة تقول إن العادات محكمات، وما يمكن اعتباره من العرف هو ما يغلب، تبعا للقول: (إنما تعتبر العادات إذا اطردت وغَلبت)، وكذلك العبرة بالغالب الشائع لا النادر. وكذلك يجب أن يكون العرف قديما وليس ظاهرة حديثة حتى يعطي الفرصة للإجماع الطبي للحكم عليه.

ضوابط الفقه في الطب

الضابط الفقهي هو قاعدة عامة تطبق على مواقف محددة في فصل ما من الشريعة، ومجال الضابط الفقهي أضيق من مجال القاعدة الفقهية حيث إن الضابط الفقهي يتعامل مع فصل واحد، لكن القاعدة تتعامل مع أكثر من فصل في الشريعة. وكذلك الاستثناءات في حالة الضوابط أقل منها في حالة القواعد.

ويجب أن يتصف الطبيب بالإتقان والإحسان بحيث يهدف إلى إحسان العمل، ويجب أن يكون لديه توازن في الأفعال والأساليب. كما يجب أن يدرك الطبيب حجم الأمانة الملقاة على عاتقه ويحاسب نفسه دائما. وقد سجل الإمام النووي في كتابه “الأذكار”[5] ثلاثين حديثا تغطي القيم التي يدور حولها الإسلام أي التي عليها “مدار الإسلام”.

هذه القيم هي الخطوط الإرشادية للعمل الطبي وهي: كل عمل يعرف بالنية من ورائه[6]، من الأفضل ترك ما يريب[7]، اترك ما لا يعنيك[8]، أحبّ لغيرك ما تحب لنفسك[9]، لا تسبب ضررا[10]، أعط النصح المخلص[11]، ابتعد عن كل ما هو محرم، افعل كل ما يمكن فعله مما هو فرض، ابتعد عن المناقشات والمجادلات العقيمة[12]، تخلَّ عن شهوتك لامتلاك أغراض الدنيا والنظر لما في يد غيرك[13]، لا تقتل إلا بأحكام قضائية[14]، الادعاءات يجب أن تكون مدعمة بالدلائل[15]، في مسألة الصواب والخطأ يجب أن يتبع الضمير حتى يرتاح القلب[16]، التميز والجودة أي الإحسان في العمل[17]، حفظ اللسان[18]، الصمت أفضل من الحديث بالشر[19]، املك نفسك عند الغضب[20]، لا تنتهك حدود الله[21]، اجعل لديك وعيا وشعورا بالله في جميع الأحوال[22]، الحسنات يذهبن السيئات[23]، التواضع[24]، حافظ على الموضوعية[25]، اطلب العون من الله[26]، وابتعد عن الظلم والانتهاكات[27].

* واجب الطبيب: عند وجود طبيب واحد في مجتمع ما، ففرض عليه تقديم المنفعة الطبية، وفي حالة وجود أكثر من طبيب فإنه يكون فرض كفاية. وفي حالة بدء العلاج مع طبيب معين فإن المسئولية الفردية تبقى حتى بوجود أطباء آخرين.

* احترام استقلالية المريض:الاستقلال هنا مأخوذ من قاعدة القصد، فالمريض هو الشخص ذو النوايا الأصدق والأنقى في السيناريو الطبي، وبالتالي فهو أفضل شخص قادر على اتخاذ القرارات لمصلحته الشخصية حيث إن الأشخاص الآخرين من الممكن أن تكون لهم اعتبارات شخصية تؤدي إلى انحيازهم عند صنع القرار، ولهذا فكل القرارات يجب أن تترك للمريض، فلا يمكن اتخاذ أي إجراء طلب دون موافقة المريض، إلا في حالة عدم صلاحيته شرعيا، ففي هذه الحالة يتخذ الآخرون القرارات للمريض غير المؤهل لذلك.

* الصدق والمكاشفة: يجب على الطبيب أن يكاشف المريض بالحقيقة الكاملة حتى يتمكن من اتخاذ القرار الصحيح لحالته الصحية، ويجب على الطبيب أن يتكلم مع الأشخاص حسب عقولهم، أي أن يميز حجم المعلومات وطريقة المكاشفة التي يتعامل بها مع مريض دون الآخر.

* الخصوصية: إفشاء أسرار المريض يعارض الإخلاص في العلاقة الخاصة بين المريض والطبيب، فإفشاء أسرار المريض يدخل تحت قاعدة الضرر. وفي حالة الضرورات يندرج إفشاء الأسرار الخاصة بالمريض تحت قاعدة المشقات. ومسئولية حفظ الأسرار تقع على عاتق كلٍّ من المريض والطبيب حيث إن ستر المؤمن على نفسه واجب[28]، ويباح للطبيب إفشاء السر في حالة الشهادة في القضايا الإجرامية التي قد تنطوي على ظلم[29]، حيث لا يمكن أن يشهد الطبيب زورا وهذا لدفع الظلم[30].

* الإخلاص: وهذا الضابط يحتم على الطبيب أن يكون مخلصا، يحقق الاتفاقات، ويحافظ على العلاقات ويتصرف بثقة. فمثلا ترك المريض في أي مرحلة من مراحل العلاج دون ترتيبات بديلة يعتبر انتهاكا للإخلاص. وقد يجد الطبيب نفسه في موقف يتطلب وفاءه تجاه: إما المريض أو مكان العمل، أو بين مريضين مثل الأم والجنين وهنا يرجع الأطباء إلى المقاصد والقواعد.

اقرأ أيضا:

[*] وكيل كلية الطب لشئون الدراسات العليا والأبحاث في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا. دكتوراه في الصحة العامة من جامعة هارفرد في أمريكا.

والورقة قدمت للمؤتمر الطبي الإسلامي الدولي، تحت عنوان (الطب والمجتمع والدين)، الذي نظمه الاتحاد العالمي للجمعيات الطبية الإسلامية، بالتعاون مع جمعية العلوم الطبية الإسلامية، في الأردن، 16-19/يوليو/2004م.
وترجمته لإسلام أون لاين.نت: سارة مدحت.  

[1] Beauchamp و Childressالأخلاقيات الطبية، – الناشر: جامعة أكسفورد 1979، 1994

 [2]لمزيد من التفاصيل يمكنك الرجوع إلى: أبو إسحاق الشاطبي “الموافقات في أصول الشريعة”، الناشر: دار الكتاب العالمية – بيروت 

[3] لمزيد من التفاصيل يمكنك الرجوع إلى: علي أحمد الندوي ( القواعد الفقهية) دمشق 1414هـ.

[4] البخاري، كتاب البيوع، باب 2

[5] النووي، الأذكار، الناشر: دار ابن كثير – بيروت

[6] البخاري، كتاب بدء الوحي، حديث 1

[7] الترمذي، حديث رقم 2520

[8] الترمذي، حديث رقم 2318

[9] البخاري، كتاب الإيمان، حديث رقم 13

[10] الموطأ، 2:745

[11] مسلم، حديث رقم 55، أبو داود، حديث رقم 4944، النسائي، 7:152، أحمد 4:102

[12] البخاري، حديث رقم 7288، مسلم، حديث رقم 137، النسائي، 5:110

[13] ابن ماجه، حديث رقم 4102

[14] البخاري، حديث رقم 6878

[15] البخاري، حديث رقم 4552

[16] الدارمي، حديث رقم 2536

[17] مسلم، حديث رقم 1955

[18] الترمذي، حديث رقم 2619

[19] البخاري، حديث رقم 6018

[20] البخاري، 6:16

[21] الدارقطني، رقم 4:184

[22] الترمذي، حديث رقم 1988

[23] الترمذي، حديث رقم 1988

[24] البخاري، حديث رقم 3483

[25] مسلم

[26] الترمذي، حديث رقم 2518

[27] مسلم، حديث رقم 2577

[28] البخاري، كتاب الأدب، باب 60

[29] القرآن، سورة 4 آية 148 وسورة 24 آية 19

[30] مختصر البخاري حديث رقم1176