22/01/2001

أورخان محمد علي

“وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُون” (سورة الزخرف:11)، هذه الآية الكريمة مهمة جدًّا من زاوية علم فيزياء الجو، والذين قرءوا هذه الآية قبل خمسين عامًا ما كان بإمكانهم أن يجدوا فيها أي شيء غير اعتيادي. فقد عرّف مادِّيو القرن التاسع عشر المطر بأنه عبارة عن تكاثف للماء الموجود بشكل بخار، وذلك نتيجة البرودة، وتحوله إلى سائل مرة أخرى. أي أنهم قاموا بتصوير عملية تحول الغيوم إلى مطر تصويرًا بسيطًا وسطحيًّا وناقصًا؛ ذلك لأن العلم لم يكن يدرك مدى تعقّد هذه العملية. ولما لم يكن في الإمكان توجيه الأسئلة إلى هؤلاء العلماء الملحدين، فإن الأسئلة التي ندرجها أدناه لم توجه لأحد:

1 – كيف تستطيع الغيوم الموجودة في طبقات الجو التي تصل برودتها إلى “- 40م”

(كمثال على ذلك الغيوم الموجودة فوق منطقة سيبيريا) البقاء في حالة غيوم؟ كيف لا تتكاثف وتتجمد، ثم تنزل بشكل قوالب على رؤوس هؤلاء المدعين؟!

2 – كيف تكتسب قطرة المطر حجمًا معينًا؟ وكيف تنزل هذه القطرة في توازن إلى الأرض؟ أي ما هي شروط تكون القطرة التي تنزل بكل لطف ودون إزعاج إلى الأرض؟

3 – كيف يتكون بخار الغيوم؟ ومن أين أتى الملح الموجود في الغيوم ما دامت الأملاح لا تتبخر مع الماء في تلك الدرجات من الحرارة ؟

حاول العلم في السنوات العشرين الأخيرة الإجابة عن أمثال هذه الأسئلة، واستطاع الإجابة عن أكثرها.

والآن لنقرأ الآية الكريمة مرة أخرى لكي نعيِّن النقاط المهمة فيها:

1 – يُعدّ الله تعالى إنزال المطر حادثة فيزيائية مهمة جدًّا بقدر أهمية إحياء الموتى؛ لذا يقول: “وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُون”.

2 – عندما يعرّف القرآن المطر يعرّفه بأنه ماء مُنزّل بقدر وبحساب “ماء بقدر” أي بقياس وبحساب. وهذا تعريف للتخطيط الرياضي.

3- “فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا…”، هذه الجملة موجودة في وسط الآية، وهي ليست جملة بسيطة أو اعتيادية؛ إذ لا تقول الآية بأن المطر يؤدي إلى إنبات النباتات، ولكنها تقول “فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا…”، أي أعطينا الحياة إلى بلدة ميتة، وسنقوم بعد قليل بشرح حكم هذه الآية.

إذن فهذه الآية الكريمة تحتوي على أسرار لها علاقة بمعجزات علمية بمقياس كبير.

والآن لنلخص معجزة المطر من الناحية العلمية:

لقد أوضحت الأبحاث العلمية التي جرت مؤخرًا نقاطًا عديدة كانت مجهولة لنا سابقًا حول الماء والغيم والمطر. وكانت نتائج هذه البحوث إيضاحًا للإعجاز الموجود في الآية المذكورة سابقًا. ونستطيع تلخيص نتائج هذه الأبحاث في النقاط التالية:

1 – صرّح أحد العلماء الأمريكيين وهو العالم “فنسنت جي. شيفر” بأن ذرات الماء إن كانت صافية ونقية تمامًا وصغيرة جدًّا فإنها لا تتجمد حتى درجة “- 40م”. ولكي يتجمد الماء في درجة الصفر المئوي يجب أن تكون كتلته كبيرة وألا تكون نقية تمامًا. والغيمة عبارة عن بخار الماء الذي يتحول بسرعة إلى ذرات صغيرة جدًّا من الماء، أي أن الغيمة لها تركيب فيزيائي خاص جدًّا. وهذا هو السبب في كون الخواص الاعتيادية للماء لا تسري عليها؛ لذا نرى الغيوم الموجودة في الجو لا تتجمد ولا تقع على الأرض كماء متجمد حتى لو انخفضت حرارة الجو إلى “- 30م”.

2 – تتكون الغيمة من ذرات صغيرة جدًّا من الماء، متجمعة حول ذرات ملحية أو ذرات كونية. والأساس في المطر هو هذه الذرات من الملح أو من الغبار الكوني الذي يشكل النواة في كل ذرة صغيرة من الماء. ولا أحد يعرف حتى الآن منشأ هذا الغبار الكوني، كما لا يعرف أحد كيف تصل ذرات الملح إلى الغيوم، وإن كان يُعتقد ويُخمّن أن نتيجة للتبخر الحاصل قرب سطح البحار، فإن الماء المالح يحمل ذرات من الملح معه عند التبخر.

3 – يُخمّن بأن المليمتر المكعب الواحد من الغيمة يحتوي على مليار من الذرات المائية الصغيرة، وأنه يتكون “50 – 5000” قطيرة من ماء المطر في كل سنتيمتر مكعب من الغيمة. وأن هذه القطيرة تتحول إلى قطرات ماء المطر بحساب دقيق جدًّا. وحتى سنة 1950 كانت نظرية “بيرغرون فيندس” في الغيوم تُعدّ كافية لشرح تكوّن قطرات الماء، وكانت هذه النظرية تقول بأن قطيرات الماء تشكّل في بادئ الأمر مركزًا متجمدًا، ونتيجة لاجتماع القطيرات الأخرى حول هذه المراكز المتجمدة يحدث المطر.

4 – دلت الأبحاث العلمية الأخيرة أن تزايد حجم قطيرة الماء في الغيوم يتعلق بعوامل وبشروط عديدة، وأن حجم أي قطيرة من الماء يزداد بشكل تدريجي وحسب عوامل عديدة ومعقدة ومتداخلة، وأن هذه القطيرة تستطيع التغلب حتى على الظروف الجوية التي تهبط فيها درجة الحرارة إلى “- 40م”.

5 – أما كيفية تكون المطر فهي كما يأتي:

تتجمع الذرات المائية الصغيرة حول النواة “المذكورة سابقا” ويزداد حجمها. وعندما تسقط قطرة الماء فإن مساحتها السطحية تزداد كلما اقتربت من الأرض، وتكتسب توازنًا متلائمًا مع القوة الحاملة للهواء، فتنزل بلطف إلى الأرض. وعملية التوازن هذه معجزة إلهية أخرى؛ ذلك لأن قطرة ماء المطر تكتسب مع مرور الزمن “أثناء سقوطها” سرعة ملائمة ومناسبة بحيث إنها عندما تسقط على الأرض تسقط وكأن معها مظلّة.

وعلى ضوء هذه الحقائق العلمية دعنا نقرأ الجملة الأولى من الآية رقم (11)

“وَالَّذِي نَزَّل مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ”

إذن فإن نزول المطر موضوع دقيق جدًّا، ومسألة حساب معقد. وإذا قسنا ذلك بالجملة الثالثة من هذه الآية نراه “أي موضوع المطر” معجزة إلهية كمعجزة إحياء الموتى.

والعلم الحديث أيضًا، ولا سيما علم “فيزياء الجو” يَعُدّ موضوع تشكل المطر وسقوطه ونزوله إلى الأرض معجزة علمية؛ لذا تمت كتابة المجلدات العديدة حوله. وأنا أوصي القراء الذين يرغبون في توسيع معلوماتهم في هذا الخصوص مراجعة كتاب العالم “بيرس روبرت”

وعنوانه: (Element of cloud physics)، وكتاب العالم “لويس.جي.نين”

وعنوانه:(Cloud physics and cloud seeding)

والآن لننتقل إلى أسرار الجملة الثانية من الآية:

“فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُون”

أ – هناك بلدة ميتة وسرية تحت التربة عندما تكون هذه التربة جافة؛ ذلك لأن التربة حية في الحقيقة، إلا أن حيويتها تتحرك وتنبض بنزول المطر. فماذا يقول العلم يا تُرى في هذا الموضوع؟

توجد أعداد كبيرة من البكتيريا في التربة؛ إذ يبلغ عددها “مليون مليون” بكتيريا في الجرام الواحد من التربة. وعندما ينحبس المطر لمدة طويلة تفقد البكتيريا فعالياتها تمامًا، وتنقلب إلى ما يشبه شفرة جينية ميتة. وعندما يسقط المطر تستعيد هذه البكتيريا حيويتها، فتبدأ بحملة للإنتاج، وفي مقدمتها إنتاج النتروجين. وهذه الفعالية تؤدي إلى إعطاء الحياة إلى الآلاف من الأحياء الصغيرة.. وهكذا تدب الحياة في البلدة الميتة تحت التراب؛ إذ يتكون السماد، ويحيى العديد من بذور النباتات الصغيرة التي لا تخطر على البال. وتبدأ الجذور بشق قنوات تحت التراب، هذه القنوات التي تشكل ما يشبه الطرق في المدن. ثم تبدأ الحشرات الصغيرة والنمل بعمل مساكنها هناك. إذن فهذه مدينة تشكلت تحت التربة. وهكذا تنقلب البلدة الميتة إلى بلدة تنبض بالحياة وبالحركة.

ب – ما سر إعطاء المطر الحياة؟ أي كيف يقوم المطر بإحياء التفاعلات البيولوجية وكيف يعيد الحياة؟

تقوم الآية في هذا المقطع بتوجيه أنظارنا إلى علاقة المطر – وبالتالي علاقة الماء بالحياة، وتدعونا إلى معرفة هذه العلاقة وفهمها. إن المادة الكيميائية الأساسية للأحياء هي جزيئات دنا، فهذه الجزيئات تحتوي على ذرات عديدة، ومن بين هذه الذرات توجد ذرات معينة هي التي تساعد على تواصل الحياة وإدامتها وهي ذرات “كليسانت الهيدروجين” التي نطلق عليها اسم “جسر الهيدروجين” أو “وصلة الهيدروجين”. وذرات الهيدروجين هذه تتغير باستمرار مشكلة ارتباطات واتحادات جديدة، فتساعد بذلك على نقل الحياة وإدامتها. وذرات الهيدروجين هذه لا يمكن أن تقوم بالتبادل إلا مع ذرات الهيدروجين التي ظهر عند تأين (1) الماء وتحلله إلى ذرات الأوكسجين والهيدروجين.

وهذه القاعدة تسري على الأحياء جميعًا دون استثناء، فإن بقي أي حيّ من الأحياء دون ماء فإنه يحتفظ بجزيئات D.N.A وبشفراته الوراثية، ولكن هذه الجزيئات وهذه الشفرات تكون بشكل قالب متجرد ومتصلب، فلا تستطيع أن تنمو ولا تستطيع أن تتحرك. فإذا أعطي الماء، وأعطى الماء ذرات الهيدروجين عند تأينه، بدأت الشفرة الحية بالحركة.

ويلاحظ سريان هذا القانون على الجراثيم خاصة بكل سهولة، أما في الأحياء النامية والمعقدة التركيب، فإن فقدان الماء لمدة طويلة يسبب ضمورًا في الأنسجة وخرابًا فيها؛ لذا فإن توفر الماء بعد ذلك فلا تعود الحياة إلى ذلك الحي، أي يستمر موته.

وهكذا، فإن إحياء البلدة الميتة يستند على مثل هذا القانون البيولوجي الدقيق والعميق. ولو كنا نفهم ما نقرأ من القرآن الكريم… في العصور الثلاثة الأخيرة خاصة.. لسبقنا غيرنا في الوصول إلى حقائق علمية عديدة.

والآن لنقرأ الجملة التالية من هذه الآية: “كَذلِكَ تُخْرَجُون”.

تلتفت الآية الكريمة هذه المرة إلى الإنسان وتقول له: إن خروجكم من حالة الموت وإحياءكم مرة أخرى ليست إلا عبارة عن عودة الفعالية إلى شفراتكم الوراثية الموجودة في التربة، وذلك بأمر إلهي.

فكما يقوم الماء بإعادة الفعالية إلى الشفرات الجينية “الوراثية” الموجودة في التربة، وكما تولد الحياة فجأة فيها، فإنه ما إن يصدر الأمر الإلهي بالحياة وبالقيام حتى تقوم هذه الشفرات بالحركة بسرعة نظم الكومبيوتر، وتعود الحياة مرة أحرى. إن الله تعالى يعطي إحياء الماء لما تحتويه التربة مثلاً، أي كما يرسل الله تعالى أيونات الهيدروجين إلى التربة فيحييها، فإنه يستطيع إن أراد أن يعيد إليكم الحياة أيضًا.

إن عدد الناس الذين عاشوا منذ آدم عليه السلام وحتى الآن يبلغ عشرة مليارات تقريبًا. (1) وحجم شفرات كل إنسان يبلغ حجم ميكرون واحد تقريبًا، (2) ولو جمعت شفرات هؤلاء الناس (أي شفرات عشرة مليارات من الناس) لملأت قدحًا واحدًا فقط. ولو نثر الله تعالى هذا القدح المملوء بالشفرات على التراب، وقال: “احيوا” لرجع جميع الناس إلى الحياة في أقل من ثانية واحدة.

وهكذا يخاطب الله أصحاب العقول من الناس بهذا المثال، ويقول لهم: “وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُون”.. صدق الله العظيم.