حمدي الحسيني- وسام كمال**

26/02/2006

الرياضة وسيلة لنصرة الرسول

ربط الفيلسوف أرسطو بين خصائص الإنسان الجسمية وبين أخلاقياته وسلوكه وسماته النفسية. ويحث الإسلام على التقوّي بالرياضة، ويؤكد الرسول صلى الله عليه وسلم على أن “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير”. فالجسم القوي أقدر على أداء التكاليف الدينية والدنيوية من الجسم الضعيف.

وقد ذكر ابن القيّم في كتابه “زاد المعاد” أن الحركة هي عماد الرياضة؛ إذ تخلِّص الجسم من رواسب وفضلات الطعام بشكل طبيعي، وتعوِّد البدن الخِفّة والنشاط، وتجعله قابلا للغذاء وتُصلِّب المفاصل، وتؤمن جميع الأمراض المادية وأكثر الأمراض المزاجية إذا استُعمل القَدْر المعتدِل منها في دقة.

وتُعَدّ الرياضة من الأمور التي يثاب عليها المسلم إذا استحضر نيته، يقول الإمام النووي في أهمية النية في ممارسة الرياضة: إن الأمر المباح إذا قصد به وجه الله تعالى صار طاعة، ويثاب عليه، وقد نبّه النبي -صلى الله عليه وسلم- على هذا بقوله: “حتى اللقمة تجعلها في فيّ امرأتك صدقة”؛ لأن زوجة الإنسان هي من أخص حظوظه الدنيوية، وشهواته وملاذه المباحة، وإذا وضع اللقمة في فيها فهذه الحالة أبعد الأشياء عن الطاعة وأمور الآخرة، ورغم ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا بأن اللقمة إذا قصد بها وجه الله تعالى نال الأجر(1).

الرياضة والرقي

وقد اتسعت رقعة الاهتمام العالمي بالرياضة، وبات من الضروري الحديث عن أهمية “الأخلاق” في العمل الرياضي؛ إذ لم تَعُد الرياضة مجرد ترفيه ولياقة بدنية، ولكن هناك عوامل تحدث عنها د. أمين أنور الخولي(2) في مؤلفه “الرياضة والمجتمع” أثرت في النمو الاجتماعي للرياضة على النحو التالي:

  • تزايد عدد المشتركين في الرياضة.

  • تزايد الاهتمام بتحطيم الأرقام القياسية.

  • تزايد عدد المشاهدين للمسابقات الرياضية.

  • فاعلية الأنظمة والمؤسسات الرياضية.

  • اهتمام الأنظمة السياسية بالإنجازات الرياضية.

  • تأثير وسائل الإعلام في نشر الرياضة.

  • تزايد وقت الفراغ.

  • ارتفاع مستوى المعيشة.

  • تزايد فاعلية التربية البدنية المدرسية.

  • دخول الأعمال والمصالح التجارية في مجالات الاستثمار الرياضي.

وفي مقابل أهمية الرياضة في الرقي بالمجتمع؛ قد يفسد خطر الشهرة على المهام النبيلة التي تؤديها الرياضة؛ إذ سمعنا كثيرًا عن لاعبين ورياضيين أُخرجوا من “الملعب”؛ لسوء سلوكهم، وخسروا رصيدهم في قلوب الناس؛ لأنهم تصوروا أن المهارة والموهبة وحدها كافية للنجاح في الرياضة؛ وكأن اللياقة البدنية يمكن أن تكون بمعزل عن اللياقة الروحية، والأخلاقية.

وبين يدينا واقعة شهيرة، تؤكد نجاح الرياضة التي يلتزم ممارسوها بالخلق القويم، ويسعون في التقرب إلى الله بما حباهم من موهبة وشهرة.

وهذه الحالة التي نَعُدّها بمثابة “دراسة حالة” للعلاقة الطردية بين الأخلاق والتفوق الرياضي؛ هي تزامن فوز المنتخب المصري بكأس الأمم الإفريقية مع بعض المظاهر الأخلاقية والدينية التي تصاعدت بين نجوم المنتخب، كما ارتدوا “فانلة” موحدة مكتوبا عليها: “فداك يا رسول الله”. وكأنهم يحملون على كاهلهم نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما حباهم الله من الشهرة وحب الجماهير.

ولم يكن هذا الموقف مجرد حدث عابر، بل من الملاحظ تصاعد الالتزام الأخلاقي والديني لدى لاعبي الكرة في مصر، والدليل حرص أغلبهم على صيام التطوع بانتظام، ولم يستنكف أحدهم من إعلان التزامه بأداء الصلاة وباقي العبادات في أوقاتها، حتى إن أحد النقاد الرياضيين ربط بين فوز مصر الكبير بكأس الأمم الإفريقية، وبين شيوع روح التدين بين أغلب أعضاء الفريق القومي.

وخلال مباريات المنتخب القومي، كان بعضهم يسجد شكرًا لله مع إحراز كل هدف في مرمى الفريق المنافس، كما أن أغلب أعضاء الفريق كانوا حريصين على أداء جميع فروض الصلاة الجماعية في أثناء معسكر التدريب.

ويعترف الكابتن حسن شحاتة، مدرب المنتخب الوطني المصري في تصريحات لشبكة “إسلام أون لاين.نت”: “لم يكن المنتخب المصري الأفضل، بل كانت هناك فرق أخرى أكثر مهارة، لكن التزام نجوم المنتخب وإخلاصهم وعمق إيمانهم كان دافعًا كبيرًا حقق لنا ما يشبه المعجزة”.

وحول أثر حسن الخلق والتدين على لاعبي كرة القدم؛ قال شحاتة: “ثبت بالتجربة أن اللاعب المتدين أكثر انضباطًا؛ إذ يحرص المتدينون من لاعبي كرة القدم على التميز، وعدم السهر أو تعاطي المشروبات الضارة، وتجنب التدخين بكافة أشكاله، وبالتالي تتوافر لدى اللاعب المتدين اللياقة البدنية العالية التي تنعكس على مستواه وتميزه بالطبع عن غيره”.

وكان محمد أبو تريكة، نجم المنتخب الوطني؛ يؤم زملاءه في كل صلاة، ويقول: “أشعر بأن النجومية تحمّل صاحبها مسئولية كبيرة؛ فلو كان النجم على خلق وملتزم في حياته بشكل عام فسيترك أثرًا إيجابيًّا على الآلاف من محبيه”.

وعن تأثير العمق الإيماني على مهارة اللاعب؛ ذكر أبو تريكة: “يُحمّل اللاعب المتدين نفسه مسئولية أكبر من مجرد إحراز الأهداف في مرمى الخصم. فأنا شخصيًّا أعتبر أن الرياضة يمكن أن تكون وسيلة فعّالة لنشر التسامح والسلام بين الشعوب، ربما تضاهي في تأثيراتها السينما والمسرح وغيرهما من ألوان الثقافات الأخرى، خاصة بعد أن تحولت كرة القدم إلى لغة عالمية ووسيلة للتقريب بين الشعوب المختلفة”.

ويتفق النجم الخلوق، هادي خشبة مع أبو تريكة في الرأي؛ ويضيف: “ترتبط الرياضة ارتباطا وثيقا بالأخلاق، وأظن أن اللاعب المتميز في مهارته حتما لا بد أن يكون متميز الخلق، ونموذجًا للاستقامة والاحترام في حياته”.

ويستطرد خشبة قائلا: “كنا سعداء جدا بارتداء المنتخب لفانلة عليها شعار (فداك يا رسول الله) حتى نوصّل رسالة بأن جميع المسلمين في كل القطاعات يرفضون الإساءة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ولعلّ رسالة الرياضيين تكون قد وصلت إلى من ارتكبوا هذه الجريمة الشنعاء”.

الحضري والقرآن

موقف عصيب يتعرض له بعض الرياضيين

ويتحدث عصام الحضري حارس مرمى المنتخب المصري عن أهمية القرآن في حياته فيقول: “كنت حريصا على قراءة القرآن خلال ضربات الجزاء، وربما أدى ذلك إلى تقوية أعصابي في تلك اللحظات العصيبة، كما تعودت على صلاة ركعتين لله قبل كل مباراة للشعور بالأمان”.

ويستدرك الحضري: “الأخلاق حصانة تحمي أي لاعب من الوقوع في مخاطر عديدة، ويكفي أنها تضاعف من احترام الجمهور له بجانب حبهم لموهبته، فيزداد رصيده في مشواره الرياضي بفضل سيرته ناصعة البياض، ويظل في مكانة كبيرة في قلوب الجماهير حتى بعد أن يعتزل الكرة، ويترك الملاعب إلى الحياة العامة”.

ويذكر ثروت البعثي، ناقد ورئيس القسم الرياضي بصحيفة الوفد المصرية، أن هناك ارتباطا وثيقا بين الاحتراف الدولي للاعبي كرة القدم ومدى التزامهم الأخلاقي. فقد لجأت معظم الأندية الأوربية مؤخرا إلى إجراء كشف طبي دوري على اللاعبين المحترفين لديها للتأكد من مدى التزامهم الأخلاقي، حيث تظهر عينات الدم المأخوذة من أماكن معينة مواعيد نوم اللاعب، وأنواع المشروبات التي يتناولها، وطبيعة علاقاته الجنسية. وبناء على نتائج هذا الاختبار يتم تحديد سعره أو تجديد أو إنهاء تعاقده مع النادي.

ويضرب البعثي مثلا على نجوم نادٍ رياضي مصري كبير؛ عندما تكررت ظاهرة سهرهم في إحدى الملاهي الليلية بشكل دائم خلال الدوري الماضي، وكانت النتيجة تراجع ترتيب النادي العريق، وانهيار أداء كل من تبين أنهم اعتادوا السهر والعربدة في الملاهي.

ويعلق البعثي على سر تميز المنتخب المصري في مباريات كأس الأمم الإفريقية بقوله: “معظم نجوم المنتخب القومي المصري ملتزمون، أذكر أننا كنا في زيارة للمملكة العربية السعودية صيف 2005 للمشاركة في مباراة ودية مع المنتخب السعودي بمدينة الدمام، ولاحظت أن أعضاء الفريق طلبوا من إدارة الفندق تخصيص غرفة للصلاة، فضلا عن حرص جميع أفراد الفريق على أداء مناسك العمرة قبل العودة إلى القاهرة”.

ويشير البعثي إلى دور الأخلاق في تحديد مصير اللاعب فيقول: “يتعرض نجوم الكرة أكثر من غيرهم للفساد والانحراف الأخلاقي؛ لأن الشهرة والنجومية سلاح ذو حدين؛ لو أحسن اللاعب استغلالها يصبح نموذجا متميزا، ويحقق مكاسب جماهيرية كبيرة في أثناء وجوده في الملاعب أو حتى بعد خروجه، والمثال على ذلك محمود الخطيب كابتن مصر والنادي الأهلي. أما إذا أساء اللاعب استخدام الشهرة، وانجرف إلى تيار الانحراف؛ فتكون خسارته مزدوجة سواء في الملاعب أو في الحياة العامة”.

ويتحدث فضيلة الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر عن الأخلاق التي يجب أن يلتزم بها الممارس للرياضة؛ قائلا: “أقر الإسلام الرياضة، وشجّع عليها. ويُلاحَظ أن التربية الرياضية لا تُثمِر ثمرتها المرجوة إلا إذا صحبتها الرياضة الروحية الأخلاقية، وإذا كانت هناك مباريات يجب أن يحافَظ على آدابها التي من أهمها عدم التعصب الممقوت، فإذا حدَث انتصار لفرد أو فريق وكان الفرح بذلك على ما تقتضيه الطبيعة البشرية، وجب أن يكون في أدب وذوق، فالقَدَر قد يُخبِّئ للإنسان ما لا يسُرُّه، وقد تكون الجولات المستقبَلة في غير صالح الفائز الآن.

ويجب ألا تكون هناك شماتة به، فيجب عليه أن يُحِب للناس، ما يُحبُّه لنفسه، ويَكره لهم ما يكرهه لنفسه.

ويحتم الأدب الإسلامي عند الخصومة والمنافسة عدم نسيان الشرف والذوق، وعدم الفجور في المخاصمة فتلك من خِصال المنافقين؛ ففي حديث البخاري ومسلم “أربع مَن كن فيه كان مُنافقًا خالِصًا، ومن كانت فيه خَصلة منهن كان فيه خَصلة من النفاق حتى يدعَها، إذا أؤتمن خان، وإذا حدَّث كَذَب، وإذا عاهَد غَدَر، وإذا خاصَم فَجَر”.

ويضيف فضيلة الشيخ عطية صقر: “لا يرضى الإسلام الانحراف عن آداب ممارسة الرياضة؛ ونذكر منها:

  • لا يرضَى أن يلهو الشباب بها إلى حدِّ نسيان الواجبات الدينية والوطنية والواجبات الأخرى، ولا يرضَى أن نصرف لها اهتماما كبيرا يغطِّي على ما هو أعظم منها بكثير.

  • لا يرضى أن نمارس الرياضة بشكل يؤذي الغير، كما يمارس البعض لعب الكرة في الأماكن الخاصة بالمرور أو حاجات الناس، وفي أوقات ينبغي أن تُوفَّر فيها الراحةُ للمحتاجين إليها. والإسلام نَهى عن الضَّرر والضِّرار.

  • لا يرضى التحزب الممقوت الذي فرَّق بين الأحبة، وباعد بين الإخوة، وجعل في الأمة أحزابًا وشيَعًا، والإسلام يدعو إلى الاتحاد، ويَمقُتُ النِّزاع والخلاف.

  • لا يرضى أن توجَّه الكلمات النابية من فريق لآخر، ويَكره التصرفات الشاذة التي لا تَليق بإنسان له كرامته. وبشخص يشجع عملا فيه الخير لتكوين المواطن الصالح جِسميًّا وخُلُقيا.

  • لا يرضَى عن الألعاب الجماعية التي يشترك فيها الجنسان، ويحدث فيها كشف للعورات أو أمور يَنهَى عنها الدِّين.

  • لا يرضى عن الألعاب التي تثير الشهوة وتحدث الفتنة، كرياضة الرّقص من النساء حين تُعرَض على الجماهير.

  • لا يرضى لجنس أن يزاول ألعاب جنس آخر تَليق به، ولا تتناسب مع غيره في تكوينه وفي مهمته، ورسالته في الحياة”.

علاقة طردية بين الأخلاق والرياضة

ومع تأثير الأخلاق على التميز الرياضي، هناك علاقة طردية أيضا بين ممارسة الرياضة والتحلي بالأخلاق الحسنة، فأورد الباحثان ويست، وبوتشر بعض الإسهامات التربوية التي يمكن أن تعبر بوضوح عن طبيعة العلاقة بين التربية البدنية والنظام التربوي، منها(3):

  • تسهم التربية البدنية في زيادة التحصيل الدراسي.

  • النشاط الحركي وثيق الصلة بالعمليات العقلية العليا.

  • تسهم التربية البدنية في المعرفة المتصلة بالصحة واللياقة.

  • تسهم التربية البدنية في فهم جسم الإنسان.

  • تسهم التربية البدنية في فهم دور الرياضة في الثقافة العالمية.

  • توجه التربية البدنية حياة الفرد نحو أهداف نافعة مفيدة.

  • تسهم التربية البدنية في الاستهلاك المتعقل للبضائع والخدمات.

  • تسهم التربية البدنية في تأكيد الذات وتقدير النفس والاتجاه الإيجابي نحو النشاط البدني بشكل عام.

  • تسهم التربية البدنية في تقدير الجمال.

  • تسهم التربية البدنية في تنمية الاعتبارات الإنسانية والتأكيد عليها.

  • تسهم التربية البدنية في تنمية قيمة التعاون.

  • تسهم التربية البدنية في نشر مفاهيم اللعب الشريف والروح الرياضية.

  • تنمية المهارات الحركية النافعة سواء في الرياضة أو غيرها.

  • تنمية المهارات الحركية التي يمكن أن تفيد في الترويح وأوقات الفراغ.

  • تنمية المهارات الأساسية في المحافظة على البيئة الطبيعية.

المراجع:

(1)   منصور مندور: دعوة الإسلام إلى ممارسة الرياضة، (القاهرة: دار فران، 2006).

(2)  د. أمين أنور الخولي: الرياضة والمجتمع، (الكويت: سلسة عالم المعرفة، 1996).

(3) المرجع السابق.

اقرأ أيضًا:


** صحفيان مصريان، يمكنكم التواصل معهما، أو مراسلتنا بمشاركاتكم وخواطركم الإيمانية، عبر بريد الصفحة: [email protected].