تنقسم الأحكام الشرعية لأفعال العباد إلى قسمين الأحكام التكليفية من حل أو حرمة أو كراهة أو استحباب أو وجوب. والثاني: الأحكام الوضعية، وهي الآثار التي يستتبعها الاستنساخ. وفي ما يلي نتناول الأحكام الشرعية الخاصة بالاستنساخ.

القسم الأول: الحكم التكليفي للاستنساخ:

الاستنساخ كما تقدّم، نوعان:

الأول: الاستنساخ من خلية جنينية (وقد سميناه الاستنسات).

الثاني: الاستنساخ من خلية جسدية (وقد سميناه الاستنساد).

أولا: الحكم التكليفي للاستنسات:

إن توليد التوائم بفصل الجنين في أيامه الأولى (طور الخليتين أو الأربع أو الثماني) لتكون كل خلية منها جنينًا مستقلاً عن زرعها في رحم امرأة: أمر شبيه بأطفال الأنابيب، إلا أن الطفل النسيت سيكون مطابقًا لسائر الأطفال الذين أصلهم أصله: أي خلية واحدة، فيكونون توائم. لكن الذي هو معتاد في الوضع الطبيعي للتوائم أن يكون حملهم في فترة حمل واحدة، أما في الاستنسات فسيكون من الممكن أن يختلف زمان حملهم، فيكونون توائم لكن بعضهم أكبر سنًا من البعض الآخر بسنة أو سنوات.

من أجل ذلك أرى أنه ينطبق على الاستنساخ بهذه الطريقة حكم الحمل بطريقة أطفال الأنابيب الذي سبق لندوة الإنجاب الوصول إليه، وأخذ به مجمع الفقه الإسلامي في جدة. وحاصله ما يلي:

    1. إن هذه العملية محرمة إذا كان في العلاقة طرف ثالث غير الزوجين، سواء كان منيًا أو بويضة أو رحمًا.
    2. تعبر هذه العملية جائزة ضمن الضوابط التالية:

أ – أن يكون ذلك بين الزوجين، بأن تكون الخلية مخصبة بماء الزوج، وأن تزرع في رحم الأم نفسها صاحبة البويضة، التي هي الزوجة نفسها، وليس غيرها بحال من الأحوال.

ب – أن يكون ذلك أثناء قيام الزوجية، وليس بعد الانفصال بفرقة في الحياة أو بالموت.

ج – أن تراعي الضمانات الكافية لمنع اختلاط الأنساب.

وأرى – كذلك – أن تضاف إلى ذلك الضوابط التالية:

د – أن يكون ذلك بموافقة الزوج وعلمه.

هـ- أن يكون بموافقة الزوجة وعلمها.

و – أن تترك الأجنة الفائضة للفناء بمجرد انقضاء الحاجة إليها. أو انفصال الزوجين، أو رغبتهما أو رغبة أحدهما في التخلص منها، أو وفاة أحدهما أو كليهما.

وقد ذهب بعض الأطباء إلى أن ترك الأجنة الفائضة للموت محرم، وأن ذلك يؤدي إلى تحريم الاستنسات قطعًا وبكل وجه؛ لأنه لا يمكن في الواقع إجراء هذه العملية إلا ويفيض فيها أجنة، ستترك للموت، وقد قال أحد المتخصصين في ذلك: وذلك نوع من الوأد المحرم، وإن لم تترك للموت، وأودعته في أرحام نساء أخريات، فهو محرم كذلك.

وعندي أن هذا اعتراض مرفوض من أساسه. فلم يجعل الشرع للجنين قبل التخلق أي اعتبار، ولا بنى عليه أي حكم شرعي. ويصرح فقهاء الحنابلة بأنه “يجوز لأنثى شرب دواء مباح لإلقاء نطفة “(1) وقد أبديت رأيي في هذا بإسهاب في مناقشات ندوة الإنجاب(2). وحتى في القرار الذي اتخذ في ندوة الإنجاب لم يجعل للبييضة الملقحة أية حرمة إلا بعد العلوق بجدار الرحم، أما قبل العلوق فلم يجعل القرار له أي حرمة.

ثانيًا: الحكم التكليفي الاستنساد ( النسخ من خلية جسدية ) البشري:

الأمر في هذا النوع أخطر من سابقه:

ورأيي في هذا أنه حرام بكل حال، ولا يأتي فيه ولو صورة واحدة جائزة. فإما أن الأصل فيه التحريم؛ فهو من وجوه ثلاثة:

الأول: المفاسد التي تقدم تعدادها، وهي مفاسد عظيمة تربو على كل ما يتصور في هذه العمليات من المصالح، وينشأ منها ضرر خطير على النسيد نفسه، وعلى المجتمعات، من جراء ذلك. ولا يبعد أن يتنبه المفكرون والأطباء في المستقبل إلى مفاسد أعظم مما ذكرناه.

الثاني: أنه في الحقيقة شغل لرحم امرأة بغير وجه مشروع؛ لأن النواة إن أخذت من رجل أجنبي أو امرأة أجنبية أو من المرأة نفسها صاحبة الرحم والبويضة، فواضح امتناع ذلك شرعًا، إذا لا يجوز أن يشغل رحم امرأة بحمل ليس من زوجها. وإن أخذت من جسد الزوج، فهي خلية في الأصل نابتة من خلية ملحقة بماء أبي هذا الزوج.

الثالث: أنه قلب لأوضاع الشرعية؛ لأن الخلية إن أخذت من زوج امرأة أخرى أو رجل أجنبي، فسينشأ طفل ليس له أب شرعي وهذا تغيير للخلق، وحرمان للطفل من أب ينتسب إليه، يرعاه الأب ويقوم بشؤونه لينشأ بشرًا سويًا

وهو في الحقيقة تكثير لظاهرة اليتم ومآسيه في المجتمع.

وإن أخذت الخلية من المرأة نفسها التي سوف تحمل به، فلا يجوز أن ينسب إلى زوجها؛ لأن الخلية ليست ملقحة بمائه، ولا يجوز أن ينسب إلى أبي هذا الزوج أيضا، لأن الولد للفراش. فسيولد هذا الطفل وليس له أب شرعي طبيعي.

ففي كل الأحوال سيكون هذا النسيد غير منتسب إلى أب شرعي طبيعي، ولا يمكن تصور انتسابه إلى أب شرعي طبيعي بحال. من أجل ذلك أرى تحريم هذه العلمية تحريمًا مطلقًا.

القسم الثاني: الأحكام الوضعية للاستنساخ:

أما في الصورة التي قلنا بجوازها وبأنها شبيهة بطفل الأنابيب إذا استعمل حسب الضوابط المبينة، فإنه يثبت نسب الوليد إلى أبيه زوج المرأة التي ولدته. ويستتبع ذلك أنه تثبت له جميع الحقوق التي تثبت للابن الشرعي وتثبت عليه، كالميراث والحضانة والنفقة والوصاية وغيرها.

وأما في الصور المحرمة، فإن الأمر يختلف. ولا يمنع القول بتحريمها من النظر في الأحكام الوضعية الناشئة منها؛ لأن الاستنساخ المحرم قد يقع رغمًا عن القرارات المتخذة بتحريمه وعن القوانين المحرمة له، أو يقع في بيئات أخرى لا تحضره. ونذكر هنا جملة من هذه الأحكام الوضعية:

1-النسب:

تحرص الشريعة بمجموع أحكامها على الحفاظ على الأنساب، وتحريرها من العبث بها، لينشأ الطفل في بيئة يعترف بها الشرع والمجتمع، مكونة من أبيه الشرعي الذي هو أبوه الطبيعي فعلا، ومن أمه الشرعية التي هي أمه الطبيعية أيضًا.

ومن هنا حاربت الشريعة الزنا، وحرمت انتساب الرجل إلى غير أبيه، كما في قول النبي : “إن من أعظم الفرى أن يُدعى الرجل إلى غير أبيه” (أخرجه البخاري). وحرمت التبني. وجعلت من أعظم الذنوب أن ُتدخل المرأة على قوم ولداً ليس منهم.

أ ـ من هو أبو النسيخ:

القاعدة الشرعية هي أنه إن اختلف الأب الشرعي عن الأب الطبيعي في بعض الصور الخارجة عن النظام الشرعي، فالحكم أن الطفل ينسب إلى أبيه الشرعي، وهو زوج أمه. فأي امرأة ولدت ولداً فأبوه شرعًا هو زوج تلك المرأة التي ولدته إن أمكن كونه منه. ولو قال الزوج: ليس هو ابني، لم ينتف عنه، ما لم ينفه بحكم اللعان الوارد بسورة النور. وسواء كان الزوج هو الأب الطبيعي الذي حصل الإخصاب بمنيه أم لا، ففي الصورتين هو لاحق به، لقول النبي : “الولد للفراش وللعاهر الحجر” (أخرجه البخاري ومسلم) (3). فعلى هذا: إن كان للمرأة التي ولدته زوج فهو أبوه الشرعي، فإن انتفى منه بلعان فليس له أب شرعي، وإن لم يمكن كونه منه فليس له أب شرعي كذلك.

وهكذا إن كانت المرأة التي ولدته ليس لها زوج. فلا ينتسب مثل هذا النسيخ إلى أب أصلاً، لقول النبي : “الولد للفراش، وللعاهر الحجر”.

ب ـ من هي أم النسيخ:

هذه النقطة قد يكون فيها اختلاف في وجهات النظر: فقد يقال: الأم هي صاحبة البييضة التي أخليت من نواتها. أو يقال: الأم هي صاحبة الـ23 كروموسومًا الأنثوية، وهي أم الشخص المأخوذة منه الخلية الجسدية. أو يقال: إن الأم هي صاحبة الرحم الحامل.

هذا، وإن تقرير أي هذه الأوجه الثلاثة هو الصواب المعتمد لا تحسمه الفتاوى الفردية، بل لا بد فيه من قرار جماعي، من جهة شرعية ذات اختصاص، لما يترتب عليه من أمور عظيمة.

2-العقوبات:

إن جرى الاستنساخ بالوجه الجائز فلا عقوبة. وإن جرى بوجه غير جائز فلا تستحق العقوبة الحدية؛ لأن حد الزنى لا يثبت إلا بالوطء المحرم، ولا وطء هنا، ولكن تستحق العقوبة التعزيرية على المرأة، وعلى من أمر بالعملية، أو شارك في تنفيذها. ويمكن أن تحدد القوانين مقدارها. وينبغي أن تتنوع بحسب عظم الجرم.

3-الحضانة والنفقة:

حضانة النسيخ لأمه التي يصدر القرار بأنها أمه، ثم لباقي القرابات على النظام الشرعي المتبع في الأحوال العادية.

ونفقة النسيخ على أبيه الشرعي ثم على باقي الأقارب. فإن لم يوجد من تلزمه نفقته تكون النفقة في بيت المال.

4-الولايات والميراث:

الطفل النسيخ يرث أباه الشرعي وأمه الشرعية، وسائر الأقارب، على النظام المعروف في أحكام المواريث. وهم يرثونه إن مات. ووليه هو الأب الشرعي. وإن لم يكن له أب شرعي فعصبته أمه، كابن الملاعنة، وابن الزنا.

5-الدين:

يتبع النسيخ خير أبويه دينًا، والمراد الأبوان الشرعيان. ولا عبرة بالأصل المنسوخ منه، ولا بصاحبة البييضة إن اختلفت عن صاحبة الرحم الحامل.

فإن لم يعلم له أب ولا أم، ووجد في دار الإسلام، فهو مسلم تبعًا للدار، ولقول الله العزيز الحكيم:( إن الدين عند الله الإسلام) “آل عمران:19”.

تابع معنا بقية أجزاء الدراسة:

1- انظر مثالا ” نيل المآرب بشرح دليل الطالب ” بتحقيقنا 1/111 ط ثانية، عمان، دار النفائس 1420هـ.

2- أعمال ندوة الإنجاب ص 293 ـ 297

3- خ 2053، م 1457