تأليف: د. ماجد عرسان الكيلاني

عرض وانتقاء: سحرعبده

اقرأ في هذا المقال: سنن التغيير التاريخي كما ظهرت في تجربة صلاح الدين:

* صحة الفكر أساس لصحة المجتمعات

* المراجعة التربوية الشاملة

* تولية أولي الألباب

* المنهجية في عرض الإسلام وتطبيقه

* تكامل عناصر القوة

* امتزاج الإخلاص بالإستراتيجية. الصائبة

* التدرج والتخصص وتوزيع الأدوار

 

في الذكرى الثانية والخمسين لاغتصاب فلسطين، ووسط ما يملأ الكون حولنا من إحباطات وهموم، يشع النور من تاريخنا، ونعود إليه في محاولة لاستلهام الحل والمَخرَج، فيبدو أمامنا نموذج من النماذج الناجحة “ظاهرة صلاح الدين وجيله”، وفي كتاب “هكذا ظهر جيل صلاح الدين.. وهكذا عادت القدس” للدكتور: ماجد عرسان الكيلاني نجد دعوة إلى إعادة قراءة تاريخنا، ودعوة إلى فقه سنن التغيير، وكيف أن ظاهرة صلاح الدين ليست ظاهرة بطولة فردية خارقة، ولكنها خاتمة ونهاية ونتيجة مقدرة لعوامل التجديد ولجهود الأمة المجتهدة، وهي ثمرة مائة عام من محاولات التجديد والإصلاح، وبذلك فهي نموذج قابل للتكرار في كل العصور.

  قوانين التاريخ

ولكن في التاريخ قوانين تحكم الأحداث والظواهر، وتوجهها الوجهة التي يقتضيها منطق القانون، والخروج على هذه القوانين أو الانسجام معها هو كالخروج على قوانين التنفس والغذاء وقوانين ضغط الغازات أو الانسجام معها. والذين يُتقنون “فقه” هذه القوانين وتطبيقها هم الذين يستمرون في الحياة ويتفوّقون في ميادينها، وهذا يعني أن الأمة التي يتولى أمورها “فقهاء” يفقهون قوانين بناء المجتمعات وانهيارها، ويحسنون تطبيق هذه القوانين فإنهم يقودون أممهم إلى التقدم والنصر لا محالة، أما الأمة التي يتولى زمام أمورها “خطباء” يحسنون التلاعب بالمشاعر والعواطف فإنها تظل تتلهَّى بـ “الأماني” التي يحركها هؤلاء الخطباء، حتى إذا جابهت التحديات لم “يفقهوا” ما يصنعون، وآل أمرهم إلى الفشل وأحلوا قومهم دار البوار. والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: “إنكم في زمان علماؤه كثير، خطباؤه قليل، من ترك فيه عشر ما يعلم هوى أو قال هلك. وسيأتي على الناس زمان يقل علماؤه ويكثر خطباؤه، من تمسك فيه بعشر ما يعلم نجا”. (مسند أحمد الجزء الأول).

 

صحة الفكر أساس لصحة المجتمع

إن صحة المجتمعات ومرضها أساسهما صحة الفكر أو مرضه، وهو ما تضمنه قوله تعالى: “إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم” [الرعد: 11] وقوله أيضًا: “ذَلِكَبِأَنَّاللّهَلَمْيَكُمُغَيِّرًانعمَةًأَنْعَمَهَاعَلَىقَوْمٍحَتَّىيُغَيِّرُواْ مَابِأَنفُسِهِمْوَأَنَّاللّهَسَمِيعٌعَلِيمٌ ” [الأنفال: 53].

ولشرح هذا القانون نقول: كل مجتمع يتكون من ثلاثة عناصر رئيسية هي: الأفكار، والأشخاص، والأشياء، وترتبط هذه المكونات الثلاثة طبقًا لعلاقة معينة تتبدل تبعًا للزمان والمكان. وحسب نوع هذه العلاقة تتكون شبكة العلاقات الاجتماعية بين الأفراد والجماعات، ويتشكل محور الولاءات في المجتمع، ويتحدد منهج الفهم والتفكير الذي ينتشر فيه، ويترتب سلم القيم الذي يوجه أنماط السلوك فيه.

ويكون المجتمع في أعلى درجات الصحة حين يكون الولاء لـ “الأفكار” وهو المحور الذي يتمركز حوله سلوك الأفراد وعلاقاتهم وسياسات المجتمع، بينما يدور “الأشخاص والأشياء” في فلك الأفكار. في هذه الحالة يتسلم مركز القيادة الأذكياء الذين يحسنون “فقه” التحديات واتخاذ القرارات، ويتسم منهج التفكير والفهم بالرسوخ والإحاطة، وتدور اهتمامات الأفراد والجماعات حول القضايا العامة الكبرى، وحول التحديات الداخلية والخارجية وما تتطلبه من تضحيات، وتعبئة واستعدادات.

وحين يكون الولاء لـ “الأشخاص” هو المحور، وتدور “الأفكار والأشياء” في فلك “الأشخاص” فإن السمة الغالبة للمجتمع تصبح هيمنة محبي الجاه والنفوذ وأصحاب القوة، ويسخرون “الأفكار والأشياء” لمصالحهم الشخصية أو لعشائرهم أو لطوائفهم أو لأحزابهم، وينحصر التفكير والفهم في أطر العائلة أو العشيرة أو الحزب أو الإقليم. ويتصف هذا التفكير والفهم بالسطحية والجزئية والانغلاق عن أفكار الآخرين، وتدور الاهتمامات حول القضايا التي تثيرها المنافسات والعصبيات المذهبية أو العائلية أو الإقليمية، وتسيطر هذه الأمور على التفكير حتى لا تترك متسعًا للقضايا الكبرى، ولا تدع مجالاً للإحساس بالتحديات الداخلية والخارجية.

أما حين يصبح الولاء لـ”الأشياء” هو المحور وتدور “الأفكار والأشخاص” في فلك الأشياء، فإن الهيمنة في المجتمع تكون لأرباب المال والتجارات، وصانعي الشهوات، وتسود ثقافة الترف والاستهلاك، وتتمزق شبكة العلاقات الاجتماعية، وتصبح الأفكار والقيم بعض سلع التجارة ومواد الاستهلاك، تُزين بها اللافتات الدعائية وواجهات المحلات التجارية وصالونات الحلاقة وأسماء الشوارع، ويتوقف التفكير والفهم ويصابان بالشلل، وينشغل الناس بأشيائهم وحاجاتهم اليومية، ويعودونكالجاهلية؛ همة أحدهم لا تتعدى بطنه وفرجه، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا. وهنا يلفظ المجتمع أنفاسه ويموت، وتتقدم إحدى الجماعات البشرية الأخرى لتعلن نبأ الوفاة وتقوم بمراسيم الدفن؛ لهذا أشفق الرسول (صلى الله عليه وسلم) على الأمة الإسلامية من هذا المصير فقال: “فوالله ما الفقر أخشى عليكم. ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم. فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم” (صحيح سلم، كتاب الزهد، (شرح النووي) ، ج18، ص95).

 

والواقع، أن المجتمع الحضاري الكبير حين تموت الفكرة التي قامت على أساسها الحضارة فيه، تنبعث منه روائح الموت، وتجذب برابرة الشعوب كما تجذب جثة الثور الكبير صغار الوحوش لتنهش لحمه وتقطع أوصاله بعد أن كانت في حياته تمتلئ رعبًا من منظره.

والتطبيقات لهذا القانون كثيرة ووافرة في تاريخ المجتمع الإسلامي وتطوره. ففي عصر النبوة، كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يعمق الولاء لأفكار الرسالة، ويجعلها محور العلاقات الخاصة والعامة، وكانت “أشخاص” المؤمنين بالفكرة الإسلامية “وأشياؤهم” تدور في فلك الولاء لهذه “الفكرة” تطبيقًا لقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم) [التوبة: 111].

عندما نطبق هذا القانون على التاريخ، نجد أنه في قرون الولاء للفكرة تجمعت كلمة الأشخاص وترسخت وحدتهم وازدهر أمرهم، أما في قرون الولاء للأشخاص فقد برزت الصراعات الأسرية من أجل الخلافة، وظهرت الفرق المناوئة كالخوارج، وتركزت الاهتمامات حول هيمنة الفرد أو العائلة أو المذهب، واشتغل الناس بالمنافسات والصراعات، وساد التعصب المذهبي والانغلاقي عن الآخرين.

وحين انتقل محور الولاء إلى الأشياء انحدر المجتمع الإسلامي إلى مزيد من المرض والضعف، وتمزقت شبكة العلاقات الاجتماعية حتى داخل الأطر العائلية والمذهبية والإقليمية، وصارت الشعارات الفكرية بعض سلع التجارة ووسائل الشهوات. الأمر الذي أدى إلى وفاة المجتمع الإسلامي آنذاك، ومجيء الجماعات الصليبية والمغولية لتعلن نبأ الوفاة وتقوم بمهمة الدفن!!

بداية الصفحة      

المراجعة التربوية الشاملة

حين تفشل جميع محاولات الإصلاح، وتتحول الجهود المبذولة إلى سلسلة من الإحباطات والانتكاسات المتلاحقة، فإن المطلوب هو القيام بمراجعة تربوية شاملة جريئة وصريحة وفاعلة، يكون من نتائجها إعادة النظر في كل الموروثات الثقافية التي تلي نصوص القرآن والحديث الصحيح، وإعادة النظر في كل العملية التربوية ابتداءً من فلسفة التربية ومرورًا بأهدافها ومناهجها وطرائقها ومؤسساتها وإدارتها والمربين العاملين فيها حتى الانتهاء إلى تطبيقاتها السياسية والاجتماعية والإدارية.

السبب في هذا القانون أن النجاح أو الفشل هو محصلة التجاذب المتضاد بين الأفكار والقيم والنظم والإستراتيجيات التي تمثل الإصلاح والتقدم، وبين محصلة ما تمارسه الأفكار والقيم والنظم والإستراتيجيات التي تمثل قوى الرفض والتخلف. فإذا كانت محصلة الشد والجذب إلى جانب الأفكار والقيم والنظم والإستراتيجيات الممثلة للإصلاح، كانت نتيجة هذا التفوق هي النجاح”. أما إذا كانت محصلة التجاذب إلى جانب الأفكار والقيم والنظم والإستراتيجيات الممثلة للتخلف المضاد كانت النتيجة هي الفشل”. ويكون المطلوب–حينئذ–هو مراجعة شاملة لأفكار الإصلاح وقيمه وإستراتيجياته بغية التعرف على موضع الضعف والخطأ فيها لمعالجتها بالاستبدال أو التعديل أو كليهما.

ولا بد أن تبدأ هذه الخطوة في نفوس الموجهين للإصلاح ومنهم أنفسهم، ولا بد أن يكون لديهم من الإرادة والكفاءة ما يمكنهم من الانعتاق والتحرر من “أغلال” الأفكار والثقافة التي يحملونها.

ثم يقومون بفحص ذلك كله وتقويمه، وهذا ما تشير إليه عملية “الانسحاب للاشتغال بخاصة النفس” الذي يوجه إليه الحديث النبوي القائل” “فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِك”.

ومفهوم “التوبة” في الإسلام يجسد هذا القانون تمام التجسيد، والتوابون الذين يحبهم الله هم أولئك الذين يتمثلون هذه التوبة في أفكارهم وقيمهم، وأعمالهم وأنماط معيشتهم، فالتوبة بمفهومها الشامل مراجعة وتقويم لكل ما هو قائم في ميدان الفكر والشعور والسلوك، وهي في ميدان الفكر أخطر بكثير منها في ميدان العمل؛ لأن الفكر هو الحلقة الأولى في كل سلوك. والمشكلة المزمنة في “العقل الإسلامي التقليدي” هي أنه لا يرى إلا الحلقة الأخيرة من السلوك: حلقة الممارسات الطافية فوق سطح الأحداث، ولا يفطن–البتَّة–إلى دور الحلقتين الأولى والثانية من السلوك: حلقة الفكرة وحلقة الشعور أو الاتجاه؛ ولذلك ترى هذا “المسلم التقليدي” ينفعل ويهيج ويتداعى للجهاد العسكري ضد الحلقة الأخيرة من السلوك الطافية فوق الأحداث، ثم لا يكون من ثمار جهاده القتالي وتضحياته فيه إلا كثمرة عمل المزارع الساذج الذي يقطف أوراق العشب الضار النابتة فوق التربة دون الانتباه إلى الجذور الضاربة في أعماقها، فلا يكاد يمر أسبوع على قطعه لأوراق العشب الضار حتى ترسل له الجذور أوراقًا جديدة. وبسبب هذه العقلية السطحية عند “المسلم التقليدي” تتحول المشكلات التي يواجهها إلى أزمات مزمنة تستعصي على جميع محاولات العلاج، كما حدث في فلسطين وأفغانستان وغيرهما.

ولقد ظلت هذه الأزمات تتطور وتتفاعل دون أن تنالها عملية المراجعة والتشخيص والمعالجات التربوية والفكرية والثقافية والاجتماعية؛ ولذلك لم تتغير محتويات الأنفس ولم تتغير تبعًا لها أزمات الأمة الداخلية والخارجية؛ لذلك فإن تحقيق “التوبة” المشار إليها يحتاج إلى فترة من التوقف والتأمل العميق، والجهود المتكاملة المتضافرة في الدراسة الجادة، والتمحيص الدقيق لأصول الأفكار والقيم والإستراتيجيات والتطبيقات الممثلة للإصلاح ابتداء من نشأتها وانحدارًا مع مسيرتها التاريخية حتى واقعها القائم.

والواقع أنه ما كانت لتبرز تلك الإنجازات التاريخية المشرقة التي قام بها جيل صلاح الدين لولا تلك “التوبة النصوح” في الفكر والقيم والسلوك التي قام بها طلائع الإصلاح ورواده من أمثال الغزالي، والشيخ عبد القادر، ومن صاحبهم أو اقتفى آثارهم. وما كانت لتحدث الانتكاسة التي أعقبت جيل صلاح الدين، وانتهت بأبناء هذا الجيل وأحفاده إلى الإقطاع السياسي والدروشة الصوفية لولا بقاء “الأفكار والقيم القبلية والعصبية” في شؤون القيادة والإدارة السياسية والفكرية.

وما زالت الحاجة قائمة وماسة لقيام محاولات الإصلاح القائمة في العالم الإسلامي بهذه “التوبة النصوح” الجسورة الواعية، بعد أن تحولت جهودها وتضحياتها إلى سلسلة من الإحباطات والنكسات الفاشلة، رغم ما يطلق على فوراتها من أسماء الصحوة واليقظة والانتفاضة.

وهذه الخطوة لا يمكن أن تؤتي ثمارها إلا إذا تضافرت معها خطوة تكملها وتتلاحم معها وتَشُدُّ عضدها، وهي أن يتولى عملية المراجعة والتوبة–أولو الألباب – من أصحاب المعاناة في مسيرة العمل الإصلاحي. أما تفاصيل ذلك ففي القانون الثالث التالي.

بداية الصفحة      

 تولية أولي الألباب

مع أن “الإسلام” هو العلاج المؤدي إلى صحة المجتمعات وقيام الراقي من الحضارات، فإن الإسلام لا يؤدي هذا الدور الحضاري إلا إذا تولى “فقهه” “أولو الألباب” النيِّرَة. و”الإرادات العازمة النبيلة”.

وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في مواضع كثيرة، وهذا ما أشار إليه الشعبي حين قال: “إنما كان يطلب هذا العلم من اجتمعت فيه خصلتان” العقل والنُّسُك، فإن كان ناسكًا ولم يكن عاقلاً، وإن كان عاقلاً ولم يكن ناسكًا، لم يطلبه ، فإن هذا الأمر لا يناله إلا النُّسَّاك العقلاء. فقد رهبت أن يطلبه اليوم من ليس فيه واحدة منهما لا عقل ولا نسك ومثله قول الحسن البصري رحمه الله: “من لم يكن له عقل يسوسه لم ينتفع بكثرة روايات الرجال”. ومثله يحيى بن أبي كثير: “أَعْلَم الناس وأفضلهم: أعقلهم”. وكذلك قول ابن جريج: “قوام المرء عقله ولا دين لمن لا عقل له”. “.(الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا، العقل وفضله، (الرياض: مكتبة السباعي).

ولقد أثبتت التطبيقات التاريخية أن الأئمة الأوائل من الصحابة وتابعيهم الذين نهضوا بالفكر الإسلامي وأقاموا مدارس الفقه، كانوا آيات معجزة في الذكاء منذ طفولتهم، أما الفترات التي اشتغل خلالها بـ “فقه الإسلام” أناس من غير ذوي الألباب، فقد اكتوت المجتمعات الإسلامية بآثار جمودهم وتقليدهم وتأويلاتهم المستأجرة من قبل سلاطين القوة، وتوقف المَدُّ الحضاري، وضعف المجتمع الإسلامي عن تلبية الحاجات الداخلية وعن مواجهة التحديات الخارجية. وحين أعقبتها فترات شاهدت “فقهاء أولي الألباب” استؤنفت الانطلاقة وتمكن المجتمع من “تجديد” نفسه واستئناف مسيرته. وهذا ما استعرضناه عن حركة الإصلاح والتجديد التي بدأها “الغزالي” الذي وصفه الباحثون بأنه أحد أذكياء العالم الكبار، واقتفت خطاه مدارس الإصلاح التي أخرجت جيل صلاح الدين.

ولو نظرنا إلى العالم الإسلامي المعاصر وتساءلنا عن الأسباب التي تجعله يعاني التخلف الشامل، وأنه من أقصاه إلى أقصاه فريسة الأمراض المادية والمعنوية من الداخل، وفريسة الغزوات والهزائم من الخارج، لوجدنا الإجابة كالتالي:

من القضايا التي يشدد عليها المنهج العلمي في البحث أمران: الأول: هو تحديد المشكلة تحديدًا دقيقًا لا التَّلهِّي بالأعراض والمضاعفات الناجمة عن هذه المشكلة.

والثاني: هو أن دراسة المشكلة لا تتوقف عند حاضرها، بل لا بد من الوقوف على أصولها، ثم تتبع تاريخها والتطورات التي مرت بها.

وحين نحاول تحديد المشكلة التي يعانيها العالم الإسلامي المعاصر، نجدها تتمثل في سوء استغلال العقول والثروة البشرية، وسوء توزيعها في مواقع الحياة المختلفة. ومن هذا السوء تنتج مضاعفات مدمرة في السياسة والاقتصاد والإدارة والأمور العسكرية والمعرفة وغير ذلك؛ إذ الأصل أن الله سبحانه يخلق في كل جيل درجات في الفهم والعلم؛ ليصير منهم قادة يُمتحنون–أو يُبتلون حسب التعبير القرآني–بحسن الإنجاز وحمل المسؤولية، وأتباع يُمتحنون بحسن الاقتداء والتنفيذ: (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِيْمَا آتَاكُم). [الأنعام: 165]، والتربية السليمة هي التي تُعِدُّ الخامات البشرية وتوزعها في درجات المسؤولية ومواقع العمل، أما إذا تدخلت العصبيات والأهواء من الداخل، والمؤامرات من الخارج وعكست هذه الدرجية، اضطرب أمر المجتمعات وأصابها المرض وآل أمرها إلى التخلف والهوان. ويوضح الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا الترتيب في القانون وآثاره أحسن توضيح حين يقول: “إذا كانت أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأموركم شورى بينكم، فظَهْرُ الأرض خَيْرٌ لكم من بَطْنِها، وإذا كانت أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لك من ظهرها”. (سنن الترمذي: باب الفتن).

والدول غير المسلمة تعطي الأذكياء من ناشئتها ما يستحقونه من عناية ورعاية وتهيئ للمتفوقين–أو الموهوبين حسب الاصطلاحات التربوية عندهم–ما يؤهلهم في المستقبل للقيام بدور النُّخْبَة “Elites” الذين يتولون القيادة في مختلف الميادين، وهي تُعِدُّ لهم الملفات والسجلات التي تسجل وقائع إبداعاتهم أو مساقطهم العقلية والأخلاقية. وفي ضوء ذلك تتحدد مسؤولياتهم القيادية.

ولو تتبعنا تاريخ هذه القضية الخطيرة في العالم الإسلامي الحديث–ومثله نظيره في التخلف من العالم الثالث والرابع–لوجدنا أن المشكلة فيه تتمثل فيما يلي:

أولاً: إقصاء الموهوبين الأذكياء من كل جيل عن مؤسسات الإعداد للقيادة الفكرية والسياسية والعسكرية والاقتصادية، ثم بعثرة أولئك الموهوبين وإهدارهم بوسيلتين: وسيلة داخلية حيث تتضافر أغلال الثقافة الخاطئة والتراث السلبي من العصبيات العائلية والقبلية والإقليمية والطائفية لإعاقة قسم كبير من “الأذكياء–الموهوبين” عن تحمل مسؤولياتهم القيادية، واغتصاب أدوارهم وتسليمها لـ “الأغبياء” الذين يفسدون ولا يصلحون. ووسيلة خارجية تمارسها المؤسسات الأجنبية تحت عناوين المعونات الثقافية، حيث تنصح بفرز النخبة الذكية من كل جيل كما يُفْرَز الزُّبْد من الحليب، ثم يجري تهجيرها إلى الخارج والأقطار الصناعية المتقدمة عن طريق البعثات الدراسية التي تقدمها الشركات الأجنبية حسب حاجاتها في الخبرات الصناعية والتقنية التي تقررها خططها التنموية، أو عن طريق التهجير القسري–البوليسي- المخابراتي، أو التهجير الطوعي تحت تأثير القيم الجديدة التي ترفع مكانة الدارسين والعلماء في العالم المتقدم.

ثانيًا: توجيه البقية من الطلبة–خاصة المتخلفين–لإعدادهم ليكونوا نخبة قيادية مصنوعة تحل محل النخبة الفطرية المطبوعة، ويكون أعضاء هذه النخبة المغشوشة من المَصْل البشري الذي يتكون من “أغبياء” الطلبة ممن يحصلون على أقل من ستين بالمائة في امتحان الثانوية العامة أو يرسبون فيها. ومما زاد في حموضة هذا–المصل البشري – وعفونته هو التصنيف التربوي الذي خص به خبراء التربية الأجانب أقطار العالم الثالث ومنه الأقطار الإسلامية، حيث أوصوا بتصنيف التعليم إلى “علمي” يشكل قنوات الإقصاء والإهدار الذي أشرنا إليه، و “قسم أدبي” يستبقي “الخردة” البشرية والعاجزين ليتخصصوا في العلوم الإسلامية والاجتماعية والعسكرية والعمرانية.

وبذلك يتولى الأغبياء مراكز القيادة والتوجيه في العالم الإسلامي، ولقد أثبت التاريخ البشري والاجتماع الإنساني أن الفضائل البشرية والإنجازات المتقدمة لا توجد إلا مع العقل النير، وأن الرذائل والممارسات المتخلفة هي قرينة العقول المتخلفة، والتوجه القرآني في كل دعوة إلى الخير أو حض على الإنجاز والعمل الصالح إنما هو لـ “أولي الألباب” أو لـ “قوم يعقلون”، كما أن التنديد القرآني بكل وقوع في الشر أو اقتراف للشح والعمل السيئ إنما هو للذين لهم قلوب لا يفقهون بها، وآذان لا يحسنون الاستماع بها، وأعين لا يحسنون الملاحظة والإبصار بها.

بداية الصفحة      

المنهجية في عرض الإسلام وتطبيقه

مع أن الدين الإسلامي هو “الدين الصحيح” بين الأديان المعاصرة، وهو منهاج الحياة الراشدة الهانئة في الدنيا والآخرة، فإنه لا يقود إلى هذا النوع من الحياة إلا إذا أحكمت خطوات عرضه وتطبيقه حسب نظام خاص ومنهجية معينة.

وأول عناصر هذا النظام والمنهجية أن يبدأ التركيز على العنصر الأول من الشريعة الإسلامية وهو “القيم” قبل تطبيق العنصر الثاني “الحدود”. وأن يجري تنمية هذه القيم المذكورة في حياة الداعين إليها قبل أن يطالبوا غيرهم بها. أن يسلكوا سبيل “الحكمة” والتواضع والتجرد بدل المَنِّ على الناس بإسلامهم والسعي إلى العلو في الأرض، وتولي المناصب بحجة الإشراف على تنفيذ برامج الإصلاح. وأن يتزهدوا في معيشتهم إلى أدنى رجل في الوسط الذي يدعون فيه بدل التمتع بالمغانم والأعطيات التي تجرها المناصب والوظائف العالية باسم الدين، وأن يكفوا أيديهم عمن آذاهم ويعفوا عمن ظلمهم بدل الانتصار لحظوظ النفس وشهواتها.

والقرآن الكريم يجعل ذلك كله شرطًا في النجاح والمثوبة، وأن الله سبحانه وتعالى لا يُمَكِّن للدعاة في الأرض إلا إذا “أقاموا” معاني الصلاة في حياتهم و”آتوا” روح الزكاة في علاقاتهم؛ ولذلك دعت الآية الأولى من الوحي إلى “القراءة والتربية” وأمرت آخر أية من الوحي بالامتناع عن الربا”. (السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، جـ1، ص31، 35). والرسول صلى الله عليه وسلم يجعل التمكين في الأرض وتولي مناصب المسؤولية المَحَكَّ الحقيقي لصدق الإيمان الذي لا يثبت فيه إلا القليل. كما حذر من أن الشرخ في الأمة الإسلامية التي أخرجها سوف يبدأ من السقوط في هذا الامتحان.

“إذا فُتِحَت عليكم فارس والروم أي قوم أنتم؟ قال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو غير ذلك، تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون أو نحو ذلك، ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين فتجعلون بعضهم على رقاب بعض. (صحيح مسلم، (شرح النووي)، جـ18، كتاب الزهد، ص96).

ولقد وصف عبد الله بن مسعود لتلامذته ميزة الصحابة فقال:

“أنتم أكثر صيامًا وأكثر صلاة وأكثر اجتهادًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم كانوا خيرًا منكم، قالوا: لِمَ يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هم كانوا أَزْهَد في الدنيا وأرغب في الآخرة”. (أبو نعيم، حلية الأولياء، جـ1 (بيروت : دار الكتب العلمية) ص136). كذلك وصف المنهاج النبوي في التطبيق فقال: “تعلَّمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن”. (ابن مندة، كتاب الإيمان، جـ72 ص370).

ولقد جاء سلوك الذين تولوا زمام السياسة والإدارة من جيل نور الدين وصلاح الدين مطابقًا لسلوك أشياخهم في الزهد والتواضع والتقلُّل من متاع الدنيا، مع التفاني لخدمة الدين والحرص على جمع كلمة المسلمين، والتهيؤ لحمل رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وثاني عناصر النظام والترتيب في الدعوة، أن يقترن المظهر الديني للعبادة مع المظهر الاجتماعي، والحذر من الفصل بين المظهرين إضافة إلى المظهر الكوني. وأن يكون محور المظهر الاجتماعي هو العدل والحرية والمساواة والشورى.

وثالث عناصر النظام والترتيب، أن تستمر مرحلة العمل والتربية في ميدان “القيم” الإيمانية، حتى تصبح النسبة بين عدد المؤمنين وغير المؤمنين نسبة قادرة على “التخمير الاجتماعي وتشكيل ولاء الجماهير”، تمامًا كنسبة وزن الخميرة الكافية لتخمير كمية الطحين المطلوب تخميره، أي إلى المدى الذي تصبح الجماهير مستعدة للمشاركة في متطلبات المواجهة وتقديم القدرات والإمكانات والتضحيات اللازمة. ويجعل القرآن الكريم لهذه النسبة حدين اثنين: حدًّا أعلى يقوم على العزيمة وكمال التربية والإعداد، وهو أن تبلغ نسبة المؤمنين إلى غير المؤمنين واحدًا إلى عشرة (إِنيَكُنمنكمعِشْرُونَصَابِرُونَ يَغْلِبُواْمِئَتَيْنِوَإِنيَكُنمنكممئةيَغْلِبُواْأَلْفًامن الَّذِينَكَفَرُواْ) [الأنفال: 65].وحدٌّ أدنىيقوم على الرخصة ويراعي عوامل الضعف في بنية المؤمنين التربوية وهو نسبة واحد إلى اثنين (الآنَخَفَّفَ اللّهُعَنكُمْوَعَلِمَأَنَّفِيكُمْضَعْفًافَإِنيَكُنمِّنكُممِّئَةٌ صَابِرَةٌيَغْلِبُواْمِئَتَيْنِوَإِنيَكُنمِّنكُمْأَلْفٌيَغْلِبُواْأَلْفَيْنِ) [الأنفال: 66].

ورابع عناصر النظام والترتيب، هو التعرف على المواد الخام من البشر الصالحين ليكونوا أنصارًا للدعوات وجندًا للرسالات. وأفضل العناصر لذلك هي جماهير العامة. وكثيرًا ما تغفل “الحركة الإسلامية وجماعاتها الحديثة” عن هذا المبدأ فينسون الريف والبادية، ويحصرون دعوتهم بالجدال مع المترفين من القيادات وأهل المدن في الأندية والصحافة وأجهزة الإعلام والبرلمانات ودوائر الوظيفة، حتى إذا اشتد الجدال وانقلب إلى مواجهات ساخنة، وضاق المترفون بتتبع عوراتهم، امتشقوا أبناء الريف والبادية وصنعوا منهم بنادق وسياطًا وسجانين، يعتقلون الدعاة وينكلون بهم ويسومونهم سوء العذاب، إن العامل الحاسم في الدور الذي يلعبه أبناء الريف والبادية والجبال هو إما أن يَستغل المترفون جهلَهم وحاجاتِهم لطعن خصومهم والمعترضين عليهم، وإما أن ينتشر الدعاة المصلحون والمربون في الريف والبادية، ويربون أبناءهم في سن مبكرة ويحصنونهم ضد عوامل الاستغلال قبل أن تمتد إليهم أيدي المترفين لتنشئتهم على عبادة الأصنام–الأنداد. وكلما انحسرت رقعة الجهل والفساد واتسعت رقعة العلم والصلاح بين أبناء الريف والبادية، جفَّت مصادر أسلحة المترفين وتوفر “أنصار” المؤمنين “المهاجرين” من ثقافة القيم الجاهلية، وتوفرت فرص النصر للإسلام والهزيمة لأعدائه. وهذا ما نجحت به مدارس الإصلاح التي خرّجت “جيل صلاح الدين”.

ومراعاة هذه الإستراتيجية والرسوخ في محتوى عناصرها والإحاطة بمتطلبات تطبيقها في مختلف الأزمنة والأمكنة تتطلب نشأة “علم خاص” ومتخصصين يتقنون “علم الحكمة وطرائقها” في الدعوة، ويتوسعون في تفاصيلها وقوانينها.

بداية الصفحة      

تكامل عناصر القوة

تتحقق قوة المجتمعات من خلال نضج وتكامل عناصر القوة كلها في دائرة فاعلة وتناسق صحيح. وهذه العناصر هي: المعرفة، والثروة، والقدرة القتالية.

وتتجسد “المعرفة” في العلماء المتخصصين والخبراء، و”الثروة” في الاقتصاديين ورجال الأعمال والأغنياء، بينما تتجسد “القدرة القتالية” في الجند والقادة العسكريين.

والتناسق الصحيح المشار إليه يعني أن تتلاحم جهود الممثلين لعناصر القوة الثلاثة طبقًا لقاعدة معينة، خلاصتها أن تدور “القدرة القتالية والثروة” في فلك “المعرفة”؛ لتكون السياسة الحكيمة والقيادة الناجحة. وحين يضطرب هذا النسق والترتيب أو يقصر أحد العناصر عن النضج تصاب الأمم بالوهن والهزائم، والحضارات بالتخلف والانحطاط.

والواقع أن دعوات الإصلاح جميعها–التي قدر لها النجاح–قامت على مفهوم القوة هذا بعناصره الثلاثة ونسقها وفاعليتها، وتفاوتت درجة أصالة هذه الدعوات تبعًا لتفاوت نضج وتناسق العناصر الثلاثة المشار إليها. ولكن الخطر يبدأ في مرحلة ما بعد النجاح أو مرحلة–التمتع بثمار النجاح–الدور غير المنظور لعنصر المعرفة وممثليه، ويهولها الدور المنظور لعنصري “الثروة والقدرة القتالية” وممثليهما. عند ذلك يحدث تطوران: الأول: يعمل الإحساس بـ “القوة” عمله في ممثلي “الثروة” و”القدرة القتالية” ويتعالون على ممثلي “المعرفة” ويتفلتون من توجيههم ويجنحون إلى الترف والنفوذ وتطويع ممثلي “المعرفة”؛ ليبرروا سياساتهم في الترف والتملك والنفوذ. والتطور الثاني: هو إذعان ممثلي العصبيات المنهارة الذين قاوموا دعوة الإصلاح، والبدء في التسرب إلى صفوف قيادة المجتمع الجديد، والتحالف مع ممثلي “الثروة والقدرة القتالية” من خلال جنوح الطرفين للترف والنفوذ، ثم تكون محصلة ذلك قيام الصراع والإمعان في إيذاء من يستعصي من ممثلي “المعرفة” على التطور الجديد.

وحين يرى الناشئة ما يجلبه الفكر و”المعرفة” من ذل وإيذاء وتضييق، يقلع “الأذكياء” منهم عن الدراسات الفكرية وميدان المعرفة، وحين يرى “غير الأذكياء” ما يسبغه رجال “الثروة والقدرة القتالية” على من يذعنون لسياساتهم يسارعون إلى التطفل على ميادين “المعرفة” ويتخذونها سلمًا للثروة والجاه والشهوات، وتظهر طبقة “فقهاء السلاطين والملوك” أو السحرة الذين يَرْضَون بالمنزلة الدنيا وتبرير ممارسات وسياسات ذوي السلطات والتملك، ويتدحرج المجتمع كله لتبني هذه القيم ويدخل مرحلة “الولاء للأشياء”، وبذلك تتفكك الدائرة المنسقة لعناصر القوة وتكاملها، وتضطرب فاعلية هذه العناصر ويتحدَّر المجتمع في درجات الانحطاط والانهيار. ويشير القرآن الكريم إلى هذا المصير بقوله تعالى: (وَإِذَاأَرَدْنَاأَننُّهْلِكَقَرْيَةًأَمَرْنَامُتْرَفِيهَافَفَسَقُواْفِيهَا فَحَقَّعَلَيْهَاالْقَوْلُفَدَمَّرْنَاهَاتَدْمِيرًا) [الإسراء: 16)؛ ولهذا حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من خطورة الانشقاق بين عناصر المعرفة والقدرة القتالية والثروة حين قال: “ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب”. فالقرآن هنا يمثل “المعرفة” الصائبة، والسلطان يرمز إلى “الثروة المادية” و”القدرة القتالية”.

وفي العصر الإسلامي، عندما تكاملت عناصر القوة الثلاثة، وتظافر–نتيجة لذلك – عمل القيادة الفكرية والقيادة الاقتصادية والقيادة العسكرية على أساس دوران القيادتين الاقتصادية والعسكرية في فلك القيادة الفكرية، كان نجاح الفتح الإسلامي المعجز. أما عندما انتكست القاعدة وتفككت عناصر القوة الثلاثة، حدث الفصام بين عمل القيادات الثلاث وتسلل الضعف إلى كيان الأمة، وظل يعمل عمله فيه حتى انتهى بالأمة إلى السقوط والوفاة!!.

وفي العصر الحديث، نجد السر في قوة الدول الكبرى هو تكامل: المعرفة، والقدرة القتالية، والثروة، واعتماد صانعي القرار ورجال التخطيط والتنفيذ في دوائر الاقتصاد والعسكرية على ما يقدمه لهم رجال الفكر العاملون في “مراكز البحوث والدراسات” خلال اللقاءات الشهرية التي تجمع بين الفرقاء الثلاثة لمناقشة وتقويم القضايا الداخلية والخارجية في جميع الميادين والأقطار، ويُطلق على “المراكز” المذكورة اسم “الدبابات الفكريةThink tanks”، ويوجد في الولايات المتحدة على سبيل المثال حوالي عشرة آلاف مركز بحوث ودراسات متخصصة في بحث شؤون السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة والتربية والعلوم والصناعة والتجارة، وشؤون الأقليات العرقية وشؤون الأقطار التي لها مصالح فيها. وفي كل مركز من هذه المراكز–أو الدبابات الفكرية- مئات الباحثين المتخصصين الذي كانوا الأوائل في صفوفهم منذ الدراسة الابتدائية حتى تخرجوا من أعلى مراتب الدراسة الجامعية بتقديرAأي بعلامة مائة بالمائة أو قريبًا منها. وقد قامت “سياسات الصراع الفكري في البلاد المستعمرة” على إفقار هذه البلاد من المفكرين ونهب طلائع الأجيال الذكية تحت ستار المساعدات الثقافية، فإذا وجد بعض المفكرين وضعوا في صراع دائم مع رجال السياسة والعسكر، وقامت علاقات الطرفين على الشك والريبة والتدابر والتقاطع، حتى إذا انفرد رجال السياسة والعسكر في معارك التحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية مضوا مُكِبين على وجوههم، إلا ما كان من “خطب” المنافقين من كتاب الصحافة ومحدثي الإعلام وحُداة المغنين، فوقعوا ضحية الغرور والارتجال والجهل والهوى وآل أمرهم إلى الإحباط والفشل الذريع.

ولعل ذلك كله يجعلنا نفهم الحكم مما نقله الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) حينما قال: في آخر الزمان يكثر الخطباء ويقل الفقهاء!!.

بداية الصفحة      

امتزاج الإخلاص بالاستراتيجية الصائبة

ما لم يتزاوج “الإخلاص” مع “الإستراتيجية” الصائبة في تعبئة الموارد والقوى البشرية في الأمة؛ فإن جميع الجهود والطاقات سوف تذهب هدرًا على مذابح الصراعات الداخلية وتؤول إلى الفشل والإفلاس.

ويتجسد هذا القانون من خلال نوعين من المؤسسات: مؤسسات تربوية كالمدارس والجامعات، ومؤسسات تخطيط وتنفيذ كالأحزاب والجماعات. والإطار العام لعمل كلا النوعين من المؤسسات يتمثل في اعتماد العمل الجماعي الذي هو من أهم ضمانات النجاح وتحقيق الغايات. والتوجيه الإسلامي يقرر أن “يَد الله مع الجماعة”، ونهايات سورة الأنفال تفرق بين “مجتمع المؤمنين” المتآوي (المتناصر) المتوالي، وبين “المؤمنين الفرادى” الذين لا ترابط بينهم ولا ولاية ولا شبكة علاقة اجتماعية. وتستطرد أواخر السورة لتبين أهمية “العمل الجماعي” في التصدي لمجتمع الكفر الذي يمارس ممارساته بشكل جماعي ويشيع في الأرض كلها الفتنة والفساد الكبير: الفتنة في ميادين السياسة، والفساد في ميادين الاجتماع.

وتتكامل المؤسسات التربوية والفكرية مع مؤسسات التخطيط والتنفيذ تكاملاً محكمًا بحيث يؤدي غياب إحداها إلى فساد عمل الأخرى. وتقوم المؤسسات التربوية بإفراز “الحكمة النظرية” أي ابتكار الإستراتيجيات اللازمة في جميع ميادين النشاط حسب متطلبات الزمان والمكان، ثم تحويل هذه “الحكمة النظرية” إلى قيم واتجاهات ومهارات تربوية تشكل ممارسات الجيل الناشئ، وترشد الثقافة الاجتماعية السائدة. أما مؤسسات التخطيط والتنفيذ فتقوم بتحويل “الحكمة النظرية” إلى “حكمة عملية” وبرامج ومشروعات.

وحين ينفصم التكامل بين “المؤسسات التربوية والفكرية” و”مؤسسات التخطيط والتنفيذ”، فإن الأخيرة تَتِيه دون إرشاد أو توجيه، وتتفتت وحدة “الأمة أو الجماعة” ويثور الصراع الداخلي ويدب الاضطراب في كيان هذه الأمة كما يدب الاضطراب في الجسد حين يتسرب الخلل إلى أي من الدماغ أو القلب.

والتطبيقات التاريخية لهذا القانون كثيرة ومتعددة ولها أمثلتها في تاريخ كل أمة وحضارة. وفي ماضي الأمة الإسلامية حينما دب الخلل في المؤسسات التربوية الإسلامية هيمنت الأهواء العصبية المتناحرة – المتنافرة، وهيأت لضعف المجتمع الإسلامي وهزيمته أمام التحديات من الداخل ومن الخارج.

وكذلك كانت جميع الهزائم والكوارث التي نزلت بالعالم الإسلامي في العصر الحديث نتيجة لأزمة عجز المؤسسات التربوية التقليدية الذي تمثَّل في جمود الأزهر وأمثاله من المؤسسات العلمية في العالم الإسلامي كله، ونتيجة لسوء مؤسسات التربية الحديثة الذي تمثَّل في اغتراب وانحراف مؤسسات التربية الأجنبية وربيباتها من المؤسسات التربوية الرسمية. لقد نتج عن هذا الجمود والانحراف مضاعفات خطيرة أهمها:

الأولى: أن العالم الإسلامي بدأ يتهاوى أمام التحديات التي مثلتها من الداخل الحركات الانفصالية التي أفرزها انتعاش الأهواء العصبية القبلية والإقليمية كحركة “ظاهر العمر”، وحركة “علي بك الكبير”، وحركة “محمد علي باشا”، وحركة “الشهابيين” وغيرهم، ومثلها من الخارج حملة نابليون، والاحتلال الفرنسي للمغرب العربي، والاحتلال البريطاني لمصر وسواحل الجزيرة العربية، والعراق والهند. وأخيرًا الاحتلال الصهيوني وتحدياته القائمة.

والثانية: أن العالم الإسلامي تخلى عن تربية أبنائه وصناعة مستقبل أجياله. فصار يُسْنِد هذه التربية إما إلى المؤسسات الأجنبية في الخارج والداخل، ابتداء من بعثات محمد علي باشا ومرورًا بمدارس وجماعات الإرساليات الأجنبية، وإما إلى المؤسسات الرسمية التي استوحت مناهجها ونظمها مما أملاه عليها الخبراء والمستشارون الأجانب. وبذلك تولَّى تربية أبناء المسلمين مؤسسات تربوية لا تنطلق من فلسفة تربوية إسلامية تتصف بالأصالة والمعاصرة، وإنما توجهها فلسفات تربوية مغتربة متناقضة المحتويات والاتجاهات.

في هذا الفراغ التربوي الكامل بدأت حركات الإصلاح ومحاولات التجديد، فلم تبدأ بالخطوة الأولى: خطوة تأصيل التربية لتغيير “ما بالأنفس”، وإنما بدأت بالخطوة الثانية: خطوة تغيير “ما بالأمة” من أحوال أسيفة، فلم تجدد في المؤسسات التربوية وإنما راحت في تأسيس “مؤسسات التخطيط والتنفيذ” التي جسدتها ظاهرة “الأحزاب والجماعات”، والتي صارت تتلقى أعضاء يحملون في نفوسهم بذور التناقض.

ولذلك فإن محاولات العلاج للواقع الذي تعيشه “الحركات والجماعات الإسلامية وغير الإسلامية”، تحتاج بشكل مُلِحٍّ لأن تضع في قمة أولوياتها “إفراز المؤسسات التربوية والفكرية” التي تبدأ من رياض الأطفال حتى آخر مراحل التعليم الجامعي، بغية إخراج “فقهاء” راسخين في ميادين الفكر والسياسة والاجتماع والاقتصاد والعسكرية وسائر ميادين الحياة، مُحيطين بعناصر القوة الثلاثة: عناصر المعرفة، والثروة، والقدرة القتالية، وبأساليب تكاملها وبنائها بغية إحلال “الفقهاء” المنشودين محل “الخطباء” القائمين، وذلك لتحليل المشكلات ودراسة التحديات، وأن تبحث كذلك عن الموهوبين من الأجيال الناشئة، وتنمية مواهبهم ورعايتها حتى تبرز “القيادات الحكيمة” التي ترشد “الجماعات والأحزاب” وتوصل الجسور المهدومة بينها، وتيَسِّر لصفوفها أن تجتمع ولأفكارها أن تتلاقى ولقلوبها أن تتآلف، ثم تنظم العلاقات بين جميع الأطراف في إطار الأمة الواحدة. وقديمًا، فسَّر الفضيل بن عياض قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) [هود:7] بقوله: قال: أحسن العمل أخلصه وأصوبه! قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل، حتى يكون خالصًا وصوابًا. وأضيف هنا أن العمل إذا لم يكن خالصًا وصوابًا لم يُثمر.

وأخيرًا، قد يتبادر للبعض تعليق وهو: أن القول بفكرة البدء بالتربية والتعليم لم يَعُد له فرصة للتطبيق بعد أن هيمنت السلطات العلمانية على مؤسسات التعليم ووضعت له شروطًا تقيده، وبعد أن أصبحت تكاليف إقامة هذه المؤسسات لا تستطيعها إلا الدول المزدهرة. والجواب على هذا التعليق هو أن المطلوب تنظيم برامج ومناهج متقدمة تتحقق فيها شروط التخطيط التربوي العلمي الفعَّال، وهذا يستدعي تكوين اللجان المختصة في التنفيذ والتقويم. أما المؤسسات فلا يشترط إقامتها على النمط المألوف المكلف، ففي نظام الانتساب الجامعي وتجربة الجامعة المفتوحة نموذج يمكن أن يحقق الأهداف المطلوبة، ومثل هذا النظام نماذج كثيرة، فالمهم هو التنظيم والتخطيط والوعي بالأصول التربوية وبالأهداف والمناهج والطرائق والوسائل والمراحل، وتصنيف المتعلمين وإعداد كل صنف لدوره الذي يملك مؤهلاته وقدراته.

بداية الصفحة      

التدرج والتخصص وتوزيع الأدوار

إذا لم يقم الإصلاح على التدرج والتخصص وتوزيع الأدوار فسوف ينتهي إلى الفشل والإحباط المدمِّر.

وأهمية التدرج أن النهضات وحركات الإصلاح الناجحة تمر بثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: مرحلة الانتقال من الغياب إلى الحس الاجتماعي: وهي المرحلة التي يشير إليها القرآن عند قوله تعالى: (أَوَمَنكَانَمَيْتًافَأَحْيَيْنَاهُوَجَعَلْنَالَهُنُورًايَمْشِيبِهِفِي النَّاسِ) [الأنعام: 122]، وفي هذه المرحلة يتمركز الإصلاح حول نقل الأفراد والجماعات من الغياب في القضايا المحلية، ومن صنمية العصبيات الفردية والأسرية، والقبلية والطائفية والإقليمية إلى حالة الحس بالحاجات العليا المشتركة والتحديات المصيرية.

وتحتاج الأمة في المرحلة الأولى العودة إلى الماضي للتعرف على هويتها بعد الضياع في متاهات القبلية والطائفية والإقليمية. وعملية العودة هذه عملية سليمة مرت بها أوروبا حين كانت غائبة اجتماعيًّا في مجتمعات الإقطاع والدوقيات والملك المطلق، فلما أحست بالمد الإسلامي يدق أبوابها من الشرق والجنوب ومن البر والبحر، سارت لتحتمي بالتراث اليوناني–الروماني–المسيحي، وهي العملية التي أسمتها “النهضة وإحياء العلوم الإنسانية والفنون”، ولكن الخطورة أن تطول مرحلة العودة إلى الماضي، وتتحول إلى رقاد في كهوفه وهروب عن مواجهة تحديات الحاضر؛ لأن المقصود بالعودة إلى الماضي هو التعرف على نقطة الانحراف عن المسار الحضاري الصحيح، فإذا عرفت الأمة نقطة الانحراف التي أدت إلى التيه والضياع وجب عليها استئناف المسيرة والإقلاع القوي في أجواء المستقبل. وهنا لا يعود “الحس” كافيًا وتقوم الحاجة إلى فهم حاجات مسيرة الحاضر وعدتها ومتطلباتها؛ وبذلك تبدأ المرحلة الثانية.

المرحلة الثانية: مرحلة الانتقال من الحس إلى الوعي الاجتماعي:وفي مرحلة الوعي هذه، لا بد من تضافر عناصر القوة الثلاثة: “المعرفة” و”الثروة” و”القدرة القتالية”، وذلك من خلال العمل الدؤوب لتوفير مؤسساتها وتضافرها شريطة أن يدور عنصرا “المال والقدرة القتالية” في فلك عنصر “المعرفة” المتمثلة في مؤسسات الفكر والتربية والثقافة؛ لتعميق الوعي وإنضاجه وتمكينه من إرشاد مؤسسات عنصري المال والعنف حتى لا يتحول الأخيران إلى فيضانات مدمرة للأمة مخربة للمسيرة الحضارية.

وإذا بلغت المرحلة الثانية حالة النضج قامت الحاجة إلى المرحلة الثالثة: مرحلة الانتقال من الوعي إلى التطبيق.هذا ما يشير إليه القرآن باقتران الإيمان بالعمل الصالح: (إِلَّا الَّذِينَ أمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات) [العصر: 3]، وذلك لتوفير الإستراتيجيات والوسائل اللازمة لدفع مسيرة الحاضر عبر المستقبل.

أما عن التخصص فقد رسمت الأصول الإسلامية إطاره العام، وما يحتاجه المفكرون الإسلاميون هو الاستنارة ببصائر هذا الإطار وإعمال الفكر في متطلباته البشرية والثقافية.

وتكشف تجربة جيل نور الدين وصلاح الدين–التي هي ميدان هذا البحث–عن عمق التدرج والتخصص في هذه المرحلة التاريخية التي تشكل بعض أصول محاولات اليقظة في الحركات الإسلامية الحديثة.

فهذه التجربة مرت بثلاثة أطوار: الطور الأول: مرحلة الجهاد التربوي أو التغيير الفكري الذي شمل جهود المدارس الإصلاحية، وهي مرحلة ركَّزت على إحداث التغيير النفسي الذي تمحور حول “الإخلاص”، وإن كانت لم تُعْطِ الجهد نفسه في مجال التغيير الفكري الذي يدور حول “الإصابة”–حسب تعبير الفضيل بن عياض.

الطور الثاني:هو مرحلة الجهاد التنظيمي وبناء المهجر الجديد الذي جسدته الدولة الزنكية وقاد العمل فيه نور الدين وأترابه.

والطور الثالث والأخير:هو مرحلة الجهاد العسكري الذي قاد ميادين العمل فيه صلاح الدين وأصحابه.

ولكن المؤرخين العرب والمسلمين والعقل الخطابي–الوعظي – في العصر الحديث–عندما ينظرون في هذه التجربة يقفزون إلى الطور الثالث، وينسبون التجربة كلها إلى القائد الأول في هذا الطور ألا وهو صلاح الدين، ثم يستثيرون المشاعر لندبه والتباكي على غيابه وانتظار قائد مثله، وبذلك يضعون المسلمين أمام خطوة مستحيلة من العمل؛ لأن الخطوة الممكنة- الآن- هي: تطبيق مبدأ الانسحاب والعودة، أي انسحاب المفكرين الذين أرهقهم الصراع الحزبي والمذهبي لبلورة التصور المطلوب في نفوسهم وعقولهم، ثم العودة للجماهير الإسلامية لإرشادها وتوجيهها وتخريج الموارد البشرية التي تتمثل هذا التصور، وتعيه وتفقهه وتستطيع تحويله إلى خطط وإستراتيجيات وأدوات ومؤسسات. فإذا نجحوا في ذلك، أصبحت الخطوة التالية ممكنة، وهي: إخراج أمة مسلمة جديدة، قادرة على مواجهة التحديات وتحقيق الغايات. وإذا نجح ذلك، أصبحت الخطوة الثالثة ممكنة وهي: الجهاد العسكري إن كان الواقع يتطلب هذا الجهاد.

ولعل من المناسب–هنا – أن أُذكِّر بتجربة مؤلمة عاشتها مجتمعاتنا زمنًا ونحن نتعارك في ساحات الجدل الحزبي العقيم، ونجتهد في التراشق بأسئلة أكثر عقمًا، مثل: ما الأولى: الوحدة العربية أم الوحدة الإسلامية؟ وما الأجدى: البدء بإصلاح النفوس أم قيام الدولة الإسلامية؟ وما الأنفع: القيام بمشروعات اقتصادية وإصلاحات اجتماعية أم تأجيل ذلك كله حتى قيام المجتمع الإسلامي؟

وخلال هذا الجدل الحزبي الذي ضلَّلَنا حين أُوتِيناه، كان المتجادلون يتبعون ما تشابه من آيات القرآن ويؤولونها تأويلاً يناسب المقولات الحزبية، فإذا قيل التدرج العلمي المقنن ردوه قائلين: خذوا الإسلام جملة أو دعوة ! (أَفَتُؤْمِنُوْنَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُوْنَ بِبَعْضٍ)؟ [البقرة:85]، وما دققوا النظر مرة واحدة ليجدوا أن التحذير الإلهي يتوجه “للإيمان ببعض” و”الكفر ببعض” لا إلى “العمل وتطبيق البعض اليوم” ليقوم به “البعض الآخر في الغد”، وما دققوا النظر في المرحلتين المكية والمدنية، وفي التطبيق النبوي خلالهما الذي قام على التدرج ابتداء من نزول الوحي في غار حِراء حتى اكتماله في حجة الوداع، والذي بدأ بتحقيق عنصر القوة الأولى: عنصر المعرفة أو عنصر “اقرأ” وانتهى بعنصر الثروة أو عنصر تحريم الربا.

ومرت السنون ولكنا لم نطبق من الإسلام “بعض البعض” “ولم نوحد العرب ولا المسلمين، ولم نمنع تقهقرهم إلى دويلات عَبْس وذُبْيَان وأيام بُعاث وحليمة، ولا أقمنا الدولة الإسلامية، ولا نقلنا جماهير الأمة من الغياب الاجتماعي في العصبيات إلى الحس الاجتماعي بالأخطار والتحديات، ولا أصلحنا النفوس ولا الاقتصاد ولا الاجتماع. وتعبنا من اللغو والجدل الحزبي العقيم، وانسحبنا واحدًا بعد واحد من ساحاته، بينما شعوبنا تتمزق في الأرض كل ممزق.

والسبب في ذلك، أن فكرة التدرج قد حُقرت في نفوسنا ودُعينا إلى القفز الذي يستحيل قفزه، واستبدلنا “لغو” الخطابة و”حمية” المعلقات السبع بـ”العلم” المتخصص، ولم “نفقه” الفرق بين الإستراتيجية الثابتة الطويلة المدى، وبين التكتيك المرحلي المتغير.

كذلك حُقرت في نفوسنا فكرة “التخصص” وتوفير عنصر “المعرفة” قبل أي عنصر آخر من عناصر القوة، واستهنَّا بأهل “المعرفة” وخلطنا “العلم” و”الفكر” بـ “الخطابة” و”الشعر”، وجرى التركيز على دور القيادات السياسية والعسكرية المبتورة من إرشاد القيادات الفكرية؛ لأن هذا الدور يمثل الحلقة الأخيرة الظاهرة للحس السمعي والرؤية البصرية؛ ولذلك تتصارع المجتمعات ذات الحس السطحي على تسنُّم (الإعلاء من شأن) القيادة السياسية والعسكرية، وتقوم بالانقلابات وتشعل الفتن وتتنافس على المناصب الحكومية، وتتعارك في الانتخابات النيابية وتتصور أن مشكلاتها يمكن أن يحلها “خطيب” بليغ أو “شاعر” مصقع توصله إلى البرلمان أو الوزارة، أو يعلو منبرًا أو يتصدر حفلاً.

وكان من ثمار ذلك كله أن أصبح الفشل قاعدة في حياتنا، نتوقعه وننتظره في جميع محاولاتنا ومشروعاتنا، وانتهى العاملون إما إلى الارتماء في زوايا اليأس والقنوط – أي إلى الانتحار الاجتماعي – وإما إلى التردي في مهاوي التطرف الأعمى والتزمت المتشنج!.

ولكن أسوأ الثمار هو شيوع التفكير والممارسات الانقلابية–التخريبية، واختفاء التعاون التكاملي – البنَّاء من ميادين العمل كلها: السياسية والإدارية والعسكرية والاقتصادية والتربوية، حتى الأنشطة الإسلامية. ففي هذه الميادين وأمثالها يأتي “اللاحق” ليهدم ما بناه “السابق” ويبدأ من جديد، طالما أن السابق لم يُتِم المشروع كاملاً مبرأً من النواقص والعيوب. ثم تكون ثمرة ذلك كله إهدار الجهود السابقة واللاحقة، دون إنجاز أو تحقيق هدف، بحيث تبدو العملية كلها كالجرو الذي يجري ويحاول الإمساك بذيله. أما الأقطار التي يوجه المشروعات الإصلاحية والبناء الحضاري فيها “فقهاء–علماء” يَعُون قوانين التدرج والمرحلة وتوزيع الأدوار وتكامل التخصصات، فإن العاملين يتكاملون–في أي ميدان–بحيث يضيف “اللاحق” إلى ما أنجزه “السابق”، والذي شرع العمل فيه في عقد أو قرن من الزمان قد ينضج في عقد أو قرن يليه، ثم يكون التقدير والاعتراف بالجميل للسابقين واللاحقين!

وبعد هذه بعض القوانين التي نحسبها تمثل جزءًا من الحل، ونحن على يقين أن النصر بيد الله، وأنه- جل وعلا- قد أخذ على نفسه عهدًا (وكان حقًّا علينا نصر المؤمنين) ونحن على ثقة بأن النصر آتٍ إذا أخذنا بأسبابه وعُمِّرت قلوبنا وعقولنا بنور الإيمان، وفي شباب الأمة وأولى الألباب منها كل الأمل في إحياء الأمة وأن يأتي النصر على أيديهم.