27/09/2005

أخي الكريم، بعد أيَّامٍ نستقبل العام الدراسيَّ الجديد، وأنا إحدى المعلِّمات الجديدات اللواتي لم تتدرَّبن على التدريس (تخصُّص رياضيَّات/علوم)، ويُشكِّل دخولي أوَّل يومٍ على الطالبات رهبةً بالنسبة لي، فأنا لا أعرف كيف يجب أن أكون في اليوم الأوَّل، وما الانطباع الذي يجب على الطالبات أن يأخذنه عنِّي…

قيل لي بأنَّه يجب أن أكون شديدةً مع الطالبات، ولكنِّي لا أرى أنَّ هذا هو الحلُّ الأفضل.

فلو بالإمكان تزويدي ببعض النصائح كي أتخلَّص من هذه الرهبة.

أفيدوني أفادكم الله، وجزاكم الله خيراً عنِّي وعن جميع أمَّة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.

المستشار؛ الأستاذة حياة  المسيمي:

مهنة التعليم من أشرف المهن وأكثرها أهمِّيَّةً وأقربها إلى الناس وأكثرها تأثيراً في عقول الجيل ونفسيَّاتهم، وبالتالي أكثرها تأثيراً على مستقبل الأمَّة وحاضرها، والمعلِّمة هي من أهمِّ عناصر العمليَّة التربويَّة.

والإنسان بطبعه يخاف من التغيير ويأنس المألوف، والبدايات صعبة، لذلك فمن الطبيعيِّ شعورك بالخوف والرهبة لعظمة المهمَّة أوَّلاً والتغيير عليك ثانيا.

ويمكن تسهيل مهمَّة عملك ببعض الخطوات العمليَّة التالية:

أوَّلا: الاستعانة المستمرَّة بالله سبحانه وتعالى وصلاة الحاجة والدعاء المستمرّ، وتذكُّر الهدف الرئيسيَّ من التدريس وثماره المرجوَّة.

ثانيا: الإتقان والإحسان في التخصُّص، والمتابعة المستمرَّة لكِ لتكوني أكاديميَّةً متطوِّرة، فالمعلِّم الجيِّد أكاديميًّا قريبٌ من الطلبة وقريبٌ من تحقيق أهدافه.

ثالثا: التحبُّب إلى الطالبات والتقرُّب منهنّ، فالمعلِّم المحبوب والقريب إلى قلوب طلاَّبه أكثرهم تأثيراً في سلوكهم، والتحبُّب لا يعني عدم الحزم، ولكنَّه يعني المناوبة بين اللين والحزم حسب الموقف، ولكن كلا الموقفين (اللين والحزم) مع المحبَّة والحرص على معلِّمتهنّ.

وفَّقك الله إلى ما فيه الخير.

ويضيف الدكتور كمال المصري:

وبعد أن وضعت لك الأستاذة المربِّية حياة المسيمي الخطوات الرئيسيَّة التي ينبغي عليك الاعتماد عليها، دعيني أكمل ما تفضَّلَتْ به بالحديث عن خطواتٍ عمليَّةٍ تبيِّن “مشهد أوَّل يومٍ دراسيّ”، أي أن نحدِّد معاً كيف تكون البداية:

1- من أهمِّ الخطوات ما يمكن أن نسمِّيه “الإطلالة”، أي أوَّل خطوةٍ لك داخل الفصل، هذه الخطوة ينبغي أن تكون ثابتة، قويَّة، غير مرتبكةٍ ولا متردِّدة، وينبغي ألا يظهر منك أبداً ما يعتلج في صدرك من رهبةٍ أو خوف.

2 – علامات الوجه: من الضروريِّ أن لا يظهر على وجهك في أوَّل إطلالةٍ أيُّ علامةٍ أو دلالة، لا بالرضى ولا بالغضب، بل يكون وجهك ثابتاً بلا دلالات، فيما يُسمَّى بـ “Musk Face”، هذا الوجه الثابت يعطي الطالبات رهبةً في البداية، ويجعلهنَّ في حيرةٍ من أمرهنّ، فلا يُقدِمن على شيءٍ للحظاتٍ أو ثوان، وعندها تصبحين أنتِ من يملك زمام المبادرة، فتمتلكين السيطرة.

3 – هناك طريقان للاستهلال، إمَّا الصمت المطبق، وإمَّا الحديث الهادئ الرزين المنبئ عن ثقةٍ بالنفس عالية، الصمت لمدَّة عشرين أو ثلاثين ثانيةً إذا كان الفصل صامتاً منتظراً أن يعرف من أنت، أو الحديث حين يبدأ البعض يتحرَّك محاولاً استكشاف من أنت، وكلتا الحالتين تهدف إلى إشعار الطالبات أنَّك متمكِّنةٌ واثقةٌ من نفسك.

4 – أوَّل كلماتٍ تتفوَّهين بها ينبغي أن تكون مبهرةً بليغة، بمعنى أن تكون موزونةً مرتَّبةً منسَّقة، دون تلعثمٍ أو تردُّد، لأنَّ هذه الكلمات تنبئ عمَّن أنت بالنسبة لهنّ، ويفضَّل أن تكون ترحيبيَّةً بهنَّ وتعريفيَّةً بك.

5 – انتبهي كذلك إلى مسألة توزيع النظر عند الصمت أو الحديث، بحيث لا تركِّزي نظرك في جهةٍ ما وتغفلي الجهات الأخرى، هذا التركيز سيعطي الفرصة للجهات غير المرئيَّة لفعل بعض حركات “المشاغبة”.

6 – بعد قليلٍ من حديثك ابدئي بإظهار البشاشة على وجهك، وأطلقي أساريرك، فإنَّ هذا أدعى لكسب قلب الطالبات وارتياحهنَّ بعد فترة توجُّس، وينبغي ألا تفارقك الابتسامة ما دامت الأمور طبيعيَّة، لأنَّ مفتاح القلوب يبدأ من بشاشة الوجه، ولين المحيَّا.

7 – من الضروريِّ أن تستكشفي من أوَّل لقاءٍ “قائدات الركب” في الفصل، والتعامل معهنَّ يكون على شقَّين: كسبهنَّ في صفِّك مع عدم ترك الفرصة لهنَّ للتلاعب أو المشاغبة، أو ما أسمته الأستاذة حياة “الحزم الليِّن”، هؤلاء “القائدات” إن أحسنت التعامل معهنَّ ملكت الصفَّ كلَّه، وإن لم تحسني جعلت كلَّ من في الفصل مشاغبا.

8 – بعد أن تعرِّفي نفسك لهنَّ وما تملكين من شهاداتٍ ومهارات، اطلبي منهنَّ أن تعرِّف كلُّ طالبةٍ نفسها، وحبَّذا لو جعلت التعريف غير تقليديّ، بأن تسألي عن الهوايات والميولات، وبعض المعلومات الاجتماعيَّة، ولا تنسي التعليق والإطراء والتشجيع في ثنايا حديث كلِّ طالبة.

9 – ينبغي ملاحظة المرحلة العمريَّة التي تقومين بتدريسها، لأنَّ لكلِّ مرحلةٍ خصوصيَّاتها، وتبعاً لذلك فإنَّ مفاتيح القلوب تختلف، وإن كانت تتَّفق في نقاطٍ أساسيَّة.

هذه بعض النقاط والخطوات المعينة، وأعلم أنَّ من سيقرأ هذا سيتساءل: “هل نحن في معركة؟”، وأقول أنَّها إلى حدٍّ ما معركة، ولكنَّها معركةٌ من النوع اللذيذ، أو معركة البداية فقط، ثمَّ تتحوَّل إلى أمتع مهنةٍ في الدنيا.

ختاما، تذكَّري يا أختي أمرين:

– الانطباع الأوَّل من الصعب تغييره.

– كانت العرب إذا أرادت أن تمدح أحداً تقول: “كان حسن الوجه بسَّام الثنايا”، وإذا أرادت الذمَّ قالت: “كان جهم الوجه عبوس الثنايا”.

شرح الله قلوب طالباتك يا صانعة الأجيال، واستشعري دائما: “الله معي، الله معيني”، وأعلمينا بأخبار تلميذاتك..