د.سيف

من المهم في البداية أن نؤكد على معنى الجماعية في مفهوم الأمة الإسلامية، وهي جامعية غير نافية للتعدد وغير مانعة من انضواء عقائد أخرى أو ما استقر على تسميته بـ”غير المسلمين” في الدول الإسلامية، ومن المهم كذلك أن التصور الإسلامي للمعمورة قام على قاعدة أن “دار الإسلام” دار واحدة بحكم أن المسلمين ذمة واحدة، تحكمهم قواعد نظام عام واحدة، وتجمعهم قبلة واحدة. ومن ثم كان التعدد في ذلك الوقت يعني خروجًا عن الأصل الذي أقره الفقهاء.

الحقبة العباسية


التصور الإسلامي للمعمورة قام على قاعدة “دار الإسلام” الواحدة بحكم أن المسلمين ذمة واحدة، تحكمهم قواعد نظام عام واحدة، وتجمعهم قبلة واحدة.


وعلى الرغم من أن الواقع قد اتجه إلى التعدد في الكيانات الإسلامية منذ أن كانت هناك خلافة عباسية في بغداد وأخرى أموية في الأندلس، وبدت بعد ذلك كيانات التغلب التي تعددت مستندة إلى قوتها وشوكتها وغلبتها وقدرتها في الاستيلاء على السلطة والسلطان، وقد ارتبطت كيانات التغلب تلك بالخلافة العباسية ارتباطًا اسميًّا ورمزيًّا، وتعددت هذه الإمارات تبعًا لجنس وعرق فضلاً عن اتباعها مذاهب دينية شتى، وأفرز التعدد آنذاك إشكالات مهمة على أرض الواقع في السياسات والعلاقات:

وبدا الإشكال الأول: هل تعتبر العلاقات بين تلك الكيانات المتعددة علاقات داخلية بحكم الرابط الجامع (العقيدة)؟ أم أنها علاقات خارجية أو غيرية أو دينية بما تعبر عنه هذه الكيانات من مصالح ارتبطت بها، وارتبط من قام على تلك الكيانات بهذه المصالح؟

أما الإشكال الثاني: فهو أن إقرار التعدد في تلك الكيانات غير مانع من البحث في “المعايير الحاكمة” لتلك العلاقات بين تلك الكيانات المتعددة، فما هي تلك المعايير، وما هي كيفية إعمالها وتفعيلها؟ وماذا يعني الخروج عنها وعليها؟ وهل أنشأت تلك الكيانات مصالح جديدة كونت في حد ذاتها معايير أخرى بديلة لتلك المعايير الحاكمة التي تؤكدها أصول الشريعة وجوهرها والعقيدة الجامعة ومقتضياتها.

النموذج العثماني الجامع

وجاءت الدولة العثمانية لتشكل نموذجًا في تحقيق جامعية الأمة حتى لو أتاحت التعدد داخلها، ولكن لم يكن ذلك على نمط إقرار التعدد المتغلب وإمارات الاستيلاء والارتباط الاسمي والرمزي بالكيان المركزي للخلافة العباسية، ولكن ذلك كان يعني محاولة نظم هذه الكيانات من خلال حروب جمعت تلك الكيانات في منظومة الخلافة العثمانية فاتجهت بالأساس لتكوين “جامعة إسلامية” انطلقت بعد ذلك فاتحة لأجزاء عديدة من أوربا والتي حملت هذا الهاجس العثماني في طيات سياساتها وعلاقاتها منذ نشأ كيان الخلافة العثمانية وحتى بعد تفكيكه، خاصة ما تركه من آثار مهمة على الأمن الأوربي، والبلقان والقوقاز ليسا إلا دالتين مهمتين في هذا المقام.

وبغض النظر عن الفشل الذي طال هذا النموذج في النهاية، وسواء جاء تفسير هذا الفشل لأسباب داخلية تتعلق بالكيان العثماني ذاته، أم في علاقاته المتعددة مع كيانات أخرى انتظمت في المنظومة العثمانية، أو لأسباب خارجية تَعين من خلالها تكوين جبهة من الدول الأوربية لمواجهة التحدي العثماني آنذاك، أو لأسباب خارجية داخلية تشكلت فيما سُمي بالثورة العربية، واتفاقات وعلاقات مع الدول الأوربية حملت قدرًا من الخداع الذي كان مقدمة مع اتفاقية سايكس بيكو ومؤتمر سان ريمو لتقسيم مناطق نفوذ استعمارية.

بغض النظر عن كل ذلك فإن الحقبة العثمانية قد انتهت، وبرزت الحقبة الاستعمارية التي استولت على ميراث الدولة العثمانية، وألغيت الخلافة التي صارت رمزية في تركيا، وبدا هذا الوضع الجديد يفرز سياسات وعلاقات جديدة ومتمايزة عما سبقها من حقبة مثلت سيطرة الخلافة العثمانية.

الحقبة الاستعمارية

وخلفت تلك الحقبة الاستعمارية وضمن علاقات المستعمر والمستعمَر، والسيد والتابع، وتقسيم علاقات النفوذ إلى أن تكون المنطقة التي يشار إليها بالعالم الإسلامي (حتى في امتداداته الآسيوية والإفريقية) موضوعًا لا طرفًا، مفعولاً به لا فاعلاً، وأفرزت نمطًا من العلاقات التابعة للدولة المستعمرة. إلا أن الشعوب لم تكن في حالة من الإقرار لهذا الوضع أو تلك الحالة الاستعمارية من غير مقاومة، وبرز العامل الإسلامي- العقدي ضمن عوامل أخرى في عناصر المقاومة للاستعمار الاستيطاني، والمطالبات بالاستقلال والتحرر.

وأنتجت هذه الحقبة -ضمن ولادات قسرية وقيصرية- كيانات شديدة التنوع والتعدد، وغلب على الفكر الاستعماري في هذا المقام سياسات عدة:

الأولى: “ارحل لتبقى” في إطار صياغة سياسات جديدة تناسب مرحلة التحرر والاستقلال السياسي، بعد أن كان شعارها “ابق لتنهب”، وهو ما يعني الحرص على عناصر تؤكد العلاقات التابعة واستمراريتها، على تفاوت بين المناطق والكيانات المختلفة في درجة تابعيتها وارتباطها.

الثانية: تقسيم هذه الكيانات إلى دول تتحرك ضمن علاقات تسند تحقيق هدفها في سياسات البقاء الجديد في شكل الرحيل، وكان الشعار “فرق تسد”، والذي أبرز هذه الكيانات بما يضمن حال فرقتها إما تكوينًا، أو اصطناعًا، أو إثارة، كل ذلك في سياق ما أسمي بالاستعمار الجديد، أو ما تحركه عوامل الاستعمار واستثمار عناصر القابلية للاستعمار، والتي شكلت قواعد مهمة لصياغة السياسات والعلاقات، سواء ما فرضته من علاقات بينية بين بعضها، أو من علاقات بين هذه الدول والدول المستعمرة السابقة، فضلاً عن تلك العلاقات بين هذه الدول فيما بينها، وهي أنماط السلوك والسياسات والتفاعلات والعلاقات والأنظمة التي سميت فيما بعد بـ”النظام الدولي”.

في هذه المرحلة تكونت أنماط من العلاقات والسياسات غلب عليها:

* استمرارية علاقات الدول المستقلة بالدول المستعمرة لها سابقًا.

* تفجر العلاقات البينية بين هذه الدول فيما بينها.

* محاولات إنشاء كيانات وتنظيمات هدفها تنسيق وتنظيم العلاقات فيما بينها.

وبينما كانت السياسات والعلاقات الدالة على النمطين الأول والثاني، كان المستوى الثالث -سواء في حجم هذه المؤسسات أم أهدافها وفاعليتها- أقل تأثيرًا؛ مما غلب الاتجاه “التابعي” في علاقات تلك الدول بالمستعمر السابق لها أو بعلاقات تبعية جديدة، والاتجاه التصارعي أو الاقتتالي بين هذه الكيانات فيما بينها (نزاعات الأعراق- نزاعات الحدود- نزاعات المذاهب)، أما الاتجاه التعاوني فظل في أدنى مستوياته من التفعيل والفاعلية.

الدولة القومية.. وميراثها السلبي


الدولة القومية كانت في الغرب “جامعة” بينما هي في العالم الإسلامي نتاج لتفكيك كيانات أكبر فخلفت ميراثًا من المشاكل.


المهم أن هذه المرحلة تميزت بالولادة القسرية الشائهة لما أسمي بالدولة القومية في دول العالم الإسلامي ودول العالم الثالث، وإن نظرة مقارنة على تاريخ العلاقات الأوربية وكيف كانت القومية والدولة القومية مداخل للجامعية (الوحدة الإيطالية، الوحدة الألمانية-الأمة الفرنسية، الأمة البريطانية)، وتاريخ العلاقات لدول العالم الإسلامي، وكيف كانت الدولة القومية نتاجًا لتفكيك كيانات أكبر (الدولة العثمانية) وحملت في طياتها عناصر تفكيك –أو هذا ما أريد لها- أكثر مما حملت عناصر جامعية.

هذه الملاحظة تعني ما أحدثته هذه النشأة المشوهة والقسرية للدولة القومية من ميراث المشاكل الممتد في داخلها، وفي علاقاتها البينية أو الإقليمية، والارتباط القافز على مقتضيات الجغرافيا (التجاور المكاني) ومقتضيات الزمان (التحديات التاريخية الممتدة عبر الزمن) ومقتضيات العقدية الجامعة (الإسلام) أو الثقافة الداعية إلى الوحدة، في علاقات خارج الكيان معظمها يتسم بالتابعية.

كما تعني هذه الملاحظة أيضا أن ميراث الدولة القومية حافظ بشكل حاد ومتواتر على علاقات تسير صوب التفكك لا التكامل (السيادة –الحدود)، خاصة حينما يتحول التمسك بها وبما يترتب عليها من سياسات وعلاقات إلى حالة مرضية تضعف الكيان، كما تضعف علاقاته بكيانات أقرب ما تكون إليه.

وإن نظرة مقارنة بين المسيرة نحو المؤسسات الجامعة في الخبرة الأوربية والخبرة في عالم المسلمين لتشكل دالة واضحة في هذا المقام. وما تحمله هذه المؤسسات من قدرات تفعيل في الخبرة الأوربية وتصورات عن السيادة والحدود والتكامل، وما تشير إليه تلك المؤسسات في خبرة عالم المسلمين من استمساك مرضي بالسيادة والحدود تصل إلى حد التأثير الناسف لتفعيل وفاعلية هذه المؤسسات في العلاقات والسياسات أو الوجود الرمزي لمؤسسات التكامل دون إجراءات تصب في فاعلية علاقات التعاون والتكامل.

وإن المعادلة التي تهم كثيرًا من هذه الدول هي الاستمساك الضار بمعنى “الدولة القومية” لا العمل النافع الذي يصب في “الدولة القومية” وما يعنيه ذلك من قوة هذه الدول وتعظيمها في سياق تكاملها.

بل إنه من المهم أن نذكر أن مفهوم الدول القومية يصب في النهاية في تعظيم سيادة هذه الدول جوهريًّا لا شكليًّا، وأن مفهوم الدولة القومية كما تتعاطاه تلك الدول في مواجهة بعضها، والتهاون بصددها حيال علاقاتها مع العالم الخارجي –خاصة الغربي- لا يصب إلا في ضعف ووهن هذه الدول فرادى، وتهميش علاقاتها الجماعية، وزيادة سياساتها وعلاقاتها التابعة.

وأيًّا كان مفهوم الدولة القومية والأزمة التي يشير إليها في النشأة والتأثير في دول العالم الإسلامي ودول العالم الثالث، إلا أنه كمفهوم وواقع قد فرض نفسه على خريطة التعامل الدولي، سواء كمفهوم جامع في الخبرة الأوربية، أم كمفهوم مفكك في عالم المسلمين. واعتباره مرحلة في الخبرة الأوربية ضمن كيانات أكثر اتساعًا وامتدادًا وتكاملاً وعمل مؤسسي مكين وإجرائي متين، وفي المقابل تعامل معه عالم المسلمين بانتقائية شديدة تصب في المانعية من تفعيل التكامل، والتابعية قفزًا على علاقات التكامل الحقيقية، عبر علاقات غير متكافئة تصب في قوة الآخر أكثر مما تصب في عافية الذات وكيانها، وكلاهما يؤدي إلى إضعاف الفاعلية بل وتلاشيها في الوعي والسعي.

هذا المفهوم الذي يتعلق بالدولة القومية أحدث تأثيرات مهمة على مفهوم الأمة الإسلامية، وعلى المفهوم التقليدي الذي أسمي “بدار الإسلام”، إنه أفرز تعددًا من نوع متميز، ليس هو بتعدد الانفصال (بين دولة عباسية عاصمتها بغداد) و(دولة أموية في الأندلس)، وليس هو بتعدد التغلب والاستيلاء الذي أفرز كيانات جزئية ارتبطت بعلاقة اسمية ورمزية بالخلافة العباسية، وليس هو بالتعدد الذي حركه اقتسام وتنازع مناطق النفوذ في الحقبة الاستعمارية وموازين القوى في ذلك الوقت.

ولكنه كان التعدد الذي أشار إلى النشأة الخاصة للدول القومية في عالم المسلمين والعالم الثالث، والذي حكمته موازين حقبة ما بعد الاستعمار الاستيطاني والدخول في مرحلة جديدة من علاقات الدول القومية التابعة.

هذا التعدد الذي صاحب الدولة القومية في عالم المسلمين والعالم الثالث، صاحبه تعدد في الرؤى ونماذج التنمية، كما غُلف بسياقات أيديولوجية، خاصة العالمية منها (الرأسمالية والاشتراكية)، ومكن لها حالة سائدة حكمت السياسات والعلاقات سُميت بالحرب الباردة.

وأفرز هذا التعدد عددًا من القضايا التي أصبحت موضع مساجلات فكرية أضافت إلى التجزؤ الموجود تجزيئًا من الناحية الفكرية شكل محاضن لتلك التجزئة واستمرارها.

فبين التجزئة والوحدة أو المستلزمات لها من تكامل وتعاون وتضامن، وبين التبعية والاستقلال ومتطلباته من قوة وفاعلية، وبين التخلف والنهضة ومفاصلها من تنمية وعمران وإنماء.

هذا الحال من التعدد واكبه عالم أحداث ونظم، غالبًا ما سادت فيه علاقات وسياسات (التجزئة – التبعية – التخلف) أكثر مما أثرت فيها سياسات وعلاقات (التكامل والوحدة والاستقلال والنهضة):

* تفاقم مشاكل الأقليات في عالم المسلمين.

* الاتجاه نحو الانفصال والتفكيك.

* ضعف التوجهات التكاملية والوحدوية والتعاونية: رؤية وسياسات وعلاقات ومؤسسات.

* الصراعات البينية، وصراعات الحدود، وصراعات الأعراق.

* تدويل المشاكل والقضايا التي تخص عالم المسلمين.

* ضعف التنسيق في السياسات والعلاقات، خاصة القضايا البينية والمشتركة والمتبادلة (القدس).

* بروز مشاكل الأقليات الإسلامية والكيانات المسلمة داخل الحضارة الغربية:

– البوسنة والهرسك.

– كوسوفا.

– الشيشان.

* ضعف الصياغات النظمية والمؤسسية التي تناسب التحديات التي تواجه عالم المسلمين.

مفهوم الدولة القومية المتشكل.. وتأثيراته


الدولة القومية المتشكلة ولّدت قسمة جديدة في المنظومة الدولية ومكان المسلمين فيها، وشكّلت مسارًا تهميشيًا لمفهوم “الوحدة”.


هذه الخريطة أشارت إلى أن مفهوم الدولة القومية -إدراكًا وعملا- تحول إلى معنى علمي في الإدراكات والسياسات والعلاقات والمؤسسات والغايات، وهو بهذا التشكيل مثل مجموعة من التأثيرات يحسن رصدها:

أولاً: أن المفهوم ولد قسمة جديدة في المنظومة الدولية ومكان المسلمين فيها، إذ ولّد خريطة تعدد اختلفت عن أنماط التعدد المختلفة في الخبرة التاريخية. وهو من المفاهيم التي أثرت على كثير من المفاهيم التقليدية الفقهية من مثل “دار الإسلام ودار الحرب”، وهو أمر يعني -ضمن ما يعني- اختلاف منظومة المعايير الحاكمة، وبروز مفهوم المصالح القومية، وصعوبة توصيف الواقع من خلال المفاهيم الفقهية، ومن هنا صادف عالم المسلمين أزمات غاية في الأهمية شكلت إشارة إلى متغيرات في الواقع لا بد من أخذها في الحسبان:

– حرب الخليج الأولى (الحرب العراقية – الإيرانية).

– حرب الخليج الثانية (غزو العراق للكويت).

وصاحب هذه الأزمات حال من الفوضى الفكرية والتوجهات التي تسربلت بغطاء ديني، حتى استحقت اسم “الفتنة الفكرية والدينية”، اختلطت فيها الرؤى واستخدمت أسلحة الفتاوى، وشنت بصددها أقصى حروب الكلمات. وفي كل الأحوال اتضح لكثير من هؤلاء أنهم يغفلون عناصر ومتغيرات جديدة أهمها “الدولة القومية” كما هي كائنة في عالم المسلمين والعالم الثالث، وعناصر القسمة الجديدة التي تفرضها، وسياقات الدول العلمانية… إلخ.

ثانيًا: إن المفهوم كما تم إدراكه في عالم المسلمين شكّل مسارًا تهميشيًّا لمفهوم “الوحدة”، بل أكثر من ذلك فرض دوافع على عمليات التكامل والتعاون والمؤسسات الجامعة، وكانت معظم تأثيراته سلبية على مفهوم الأمة عامة ومفهوم الأمة الإسلامية على وجه الخصوص كالآتي:

1- أن المفهوم في إطار معاني الدولة القومية كما تم إدراكها برز كمفهوم أحق بأن يوصف “الدولة القومية التابعة” المحافظة على واقع التجزئة من جنب، والمقلّدة لنماذج تنمية من خارجها. وفي إطار يمثل قدرات تابعة لا نابعة، ومن هنا كان من الضرورة البحث في التأثيرات العميقة والواقعية الذي تركها مفهوم الدولة القومية بحيث لا يمكن القفز على واقعها بأي حال من الأحوال في الإدراك وفي الاعتبار، والمفهوم وتأثيراته السلبية التي تكرست في إدراكات الوعي ومجالات الممارسة. كان من المهم فهم الدولة القومية ضمن مسارين:

*مسار الجماعة الوطنية كمفهوم جامع لقوى وفاعليات الداخل، وبناء كيان المصالح على قاعدة من اعتبارات الجماعة الوطنية، وما يصب في عافيتها وقدرتها وفاعليتها.

*مسار الدولة القومية كمفهوم يؤكد على تعظيم قدرات هذه الدول واتخاذ السياسات والعلاقات والمسارات والمؤسسات المؤكدة لممارسة بينية أو داخلية أو إقليمية أو دولية تقوم على استثمار الإمكانات وتحويلها إلى قدرات وفاعليات على كافة المستويات.

2- أن المفهوم أبرز مع عوامل ومتغيرات أخرى تنظيمات بديلة أو موازية، لعبت دورها في طرد تكوينات أصيلة باعتبارات التوحد القومي أو الجامعة الإسلامية، ومن هنا برزت وحدات تحليل مثل الشرق أوسطية، مثل المتوسطية، أو الشراكة العربية الأوربية… إلخ. وهو أمر يتطلب منا ضرورة فرز هذه التكوينات والوحدات الصاعدة وتأثيراتها على وحدات أصيلة ليس فقط في التحليل، ولكن في كونها مجالاً حيويًّا للحركة.

3- أن المفهوم أقام مؤسسات جامعة من الناحية الشكلية، ولكنها نُقضت في العمل من جراء إدراكات لهذا المفهوم من مثل السيادة وغيرها. إن البحث في فاعلية مثل هذه المنظمات الجامعة سواء كانت منظمات سياسية أو كلية أو نوعية، إنما يشير إلى ما يمكن أن يتركه هذا المفهوم وإدراكاته على تلك التكوينات وسياساتها وغايتها، وفي النهاية فاعلياتها.

ومن هنا كان على هذه الدول ألا تقف كثيرًا عند النشأة القسرية والشائهة للدولة القومية، بل عليها أن تتعرف على التأثيرات السلبية التي يمكن أن تتركها في الوعي والسعي. وألا تقف عند عناصر سيادة قومية مهملة عناصر دولة قوية ذات سيادة حقيقية لا متوهمة، تصدع بها حينما يجب ألا تصدع بها، وتفرط فيها حينما يجب التمسك بها.

والبحث في فاعليات التأسيس من الأمور المهمة التي يجب ألا تتصور إدراكات عالم المسلمين أن مجرد إنشاء هذه المؤسسات هو غاية المنى ونهاية المطاف، بل هي ضمن عملية موصولة تتحرك من التأسيس إلى الفاعلية.

ومن ثم كانت أنواع الحفظ متتالية ومتوالية وربما متفاعلة: حفظ الابتداء، وحفظ البناء، وحفظ النماء والارتقاء، وحفظ الأداء الذي يحوط كل أنواع الحفظ بما يؤكد منظومة متكاملة من الحفظ هي في النهاية تؤكد على منظومة الفعل والتفعيل والفاعلية. ومن هنا كان من الضروري إقصاء كل الموانع واستثمار كل الإمكانات التي قد تقلل من الفاعلية أو تقضي عليها، سواء كان ذلك في الوعي والإدراك أم السعي والممارسة.

4- أن هذا المفهوم والذي تخطته الخبرة الأوربية حينما استنفد أغراضه ضمن مسيرة تطور البناء الحضاري، ظل مكينًا لدى هذه الدول في مواجهة بعضها، بينما توارى في علاقاتها الغيرية خاصة عبر الغرب ودوله. وربما هذا يمكن أن يكون دالاًّ في عملية التفسير لما أُسمي بـ”القرية العالمية” من جراء الثورة الاتصالية، وهو أمر أحدث صناعة شبكة علاقات صارت وثيقة؛ قفزًا على اعتبارات الجغرافيا والتاريخ والعقيدة والمصير، وأخرى خُذلت أو هُمشت رغم أن تلك الثوابت السابقة تؤكد عليها وتؤكد أحداث التاريخ على إمكاناتها في تعظيم الإمكانية والفاعلية.


ظل مفهوم القرية العالمية يعني تعظيم الاتصال بالغرب أكثر مما يعني تعظيم الاتصال بين العالم الإسلامي أو العالم العربي مثلاً!


ومن ثم ظل مفهوم القرية العالمية يعني تعظيم الاتصال بالغرب أكثر مما يعني تعظيم الاتصال بين العالم الإسلامي أو العالم العربي مثلاً. بل على العكس من ذلك فقد أبقى على كل عوامل الانفصال والتجزؤ والتبعية وربما التخلف الذي تكسوه قشرة الحضارة لا عمقها وجوهرها. وظلت الأمور والسياسات والعلاقات تسير ضمن مسار مزيد من توهين العلاقات الداخلية والبينية، ومزيد من تكريس العلاقات الغيرية والخارجية. إنها المفارقة التي يؤكدها إدراك أبدية الدولة القومية في عالم المسلمين، وإدراك الطابع المرحلي لهذا المفهوم في إطار علاقات وتكوينات عبر قومية.

بل إن الأمر قد لا يتعلق بمزيد من العلاقات عبر القومية وكأنها تجري لذاتها لا آثارها وتأثيراتها، الأمر يرتبط بالأساس بعلاقات فاعلة عبر قومية تحقق أصول الفاعلية وضمان استمرارها واستثمارها في سياق المجال الحيوي لا خارجه أو قفزًا على مقتضياته ومتطلباته وروابطه الحقيقية والجوهرية.

ثالثًا: إن مفهوم الدولة القومية وتوابعه (السيادة – الحدود… إلخ) لا بد أن يؤثر عليه مفهوم وعملية العولمة والظواهر المصاحبة لها. إذ أبرزت العولمة نوعية من التأثيرات جديدة، كما أضفت على تأثيرات سبقت كثافة وسرعة وعمقًا.

تابع في الملف:


**أستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسة – جامعة القاهرة.