اجتهادات حيال إفشاء السر في المهنة الطبية

ثورة الاتصالات تسهم في هتك الأسرار

على ضوء ما تقدم يمكن أن يتبين حكم بعض الوقائع:

1- تأكد الطبيب بأن الزوج عقيم، ولا يمكن أن ينجب، وحملت الزوجة بطريقة أو أخرى، وهمَّ الطبيب بإفشاء هذا السر بإخبار الزوج أو إخبار الجهات المسؤولة؛ فهل له أن يفعل ذلك؟

الذي نجزم به في هذا أنه ليس للطبيب أن يقول إن هذه الزوجة قد حملت من الزنى؛ لأنه إن قال ذلك كان قاذفاً، ويستحق حدّ القذف، وهو ثمانون جلدة إن طالبت بذلك المرأة، ولم يأت الطبيب بأربعة يشهدون بذلك.

ولكن لو قال للزوج: تبين من الفحص أنك عقيم لا تنجب، واقتصر على هذا القول، فهذا حق، وليس بسر ولا بأمانة حتى يلزم ستره وكتمانه. ولكن من باب المحافظة على سلامة الأسرة إن علم أن ذلك وقع من المرأة على سبيل الزلة فقد يكون عدم الإخبار بذلك أفضل؛ إذ لا فائدة فيه بالنسبة إلى نسب الحمل؛ لأنه سيلحق بالزوج؛ إذ الولد للفراش، ولو انتفى الزوج من الولد، ما لم يجر اللعان لنفيه.

2- إذا قام الطبيب بعمل يخل بآداب مهنة الطب، واكتشف ذلك زميل له؛ هل يقوم بالإبلاغ وإفشاء السر؟

الجواب عندي: يختلف الأمر في نظري من حال إلى حال. فإن كان الطبيب قد اعتدى على الطرف الآخر، واستغل صغره وجنونه أو نحو ذلك من العوارض التي تجعل المريض ضعيفاً في مواجهة الطبيب، فهنا ليس الستر على المعتدي أولى من تمكين المعتدَى عليه من الوصول إلى حقه. وقد يترجح الإفشاء في هذه الصورة على الكتمان إن كان مثل ذلك العدوان مما يحتمل أن يتكرر.

وإذا كان بموافقة الطرف الآخر، وهو تام التكليف، فإن كانت زلة وحصلت التوبة منها فينبغي الكتمان، وبخاصة إذا كان الذي واقع الجرم قد استعان بالزميل الذي اكتشف أمره ليتم تلافي ما حصل. أما إن كان مستمراً على غوايته واستغلال مركزه فيجب إيقافه عند حده.

3- إذا تبين للطبيب أن رب الأسرة قد أصيب بمرض جنسي؛ فهل يبلغ الأسرة؟

الجواب عندي: إن كان المرض معدياً، ويخشى أن ينتقل إلى الزوجة أو سائر أفراد الأسرة، فإن الضرر المتوقع بإصابته الأبرياء أعظم من الضرر الذي ينال المريض نفسه ببيان حاله. وحينئذٍ ينبغي للطبيب البيان إن سُئل عن ذلك أو اقتضته الحال.

4- مريض أُجريت له عملية في العين، أو أصيب فضعف إبصاره لدرجة يكون معها قيادته للسيارة خطر عليه هو نفسه وعلى الناس؛ فهل يجوز الإفضاء بأمره إلى المسؤولين؟

الجواب عندي: لا مانع أن يفضي الطبيب بذلك إن غلب على ظنه أن المريض لن يستمع إلى نصح الطبيب له بالامتناع عن قيادة السيارة، ليحصل منعه من القيادة مؤقتاً، إن كان ضعف الإبصار مؤقتاً، أو لسحب الرخصة منه إن كان الضعف دائماً، وذلك لأجل مخاطر قيادته على الآخرين.

5- بذل طبيب العيون جهده، ولكن لم يفلح في إزالة الداء، وتلفت العين؛ فهل هو مسؤول شرعاً؟ وهل يجب عليه إفشاء السر؟

الجواب عندي: أنه إن كان متأهلاً، وقد بذل من الجهد ما يبذله أهل الخبرة، ولم يكن سبب التلف عمله هو، فلا ضمان عليه. وليس هناك سر فيحتاج إلى إخفائه.

6- أخطأ طبيب العيون فأتلف العين بآلة يستعملها؛ حيث أدخلها في جزء من العين لم يكن له إدخالها فيه، وتلفت من حيث يريد إصلاحها، والمريض لم يعلم أن سبب التلف خطأ الطبيب؛ فهل على الطبيب أن يفشي على نفسه؟ وهل عليه أن يدفع الدية؟

والجواب عندي: أنه ما دام الإتلاف سببه جناية يد الطبيب خطأ فعليه الضمان بدية العين؛ لأن الإتلاف لا يختلف عمده وخطؤه بالنسبة للضمان، بخلاف ما لو فعل ما له فعله، ثم سرى من حيث لا يريد، ولم يمكن منعه فلا يضمن، ثم إذا لزم الضمان فعليه أن يُخبر به؛ لأنه حق آدمي لا يسقط إلا بالإبراء منه أو الأداء.

7- إذا حضر رجل وامرأة مقبلان على الزواج، وطلبا فحص ما قبل الزواج، وتم اكتشاف مرض معين في أحدهما قد يؤدي إلى احتمال إنجاب طفل مشوَّه؛ فهل يقوم الطبيب بإخبار الطرف السليم؟ وهل يستتبع ذلك شرعاً مساءلة ما؟ وهل يتم إخبار الطرف المريض نفسه؟

يبدو لي أن قدوم الطرفين جميعا للفحص يقتضي إخبارهما بالنتيجة، وإلا فإن الطبيب يكون قد خدعهما ولم يؤد واجبه في إطلاعهما على حقيقة وضعهما. ولكن يكفي منه أن يقول: أنصحكما بعدم إتمام الزواج، فلا يجوز له كشف الستر عما زاد؛ لأنه يكون مجرد إضرار.

8- إذا عرف الطبيب من مريضه الذي يعمل في موقع حساس (طيار مثلاً) أنه مدمن مخدرات، وأن بعض زملائه مدمنون أيضاً؛ فهل يقوم الطبيب بإطلاع المسؤولين على هذا السر؟ أم يقوم الطبيب بإخبار السلطات لاتخاذ اللازم؟

الجواب عندي: يجب على الطبيب شرعاً أن يخبر الجهات المسؤولة، ويبلغ السلطات أيضاً، وإن لم يكن في الأمر مانع من جهة إدارية، وذلك ليمكن تفادي الأخطار الفظيعة التي قد تترتب على قيادة الطائرة من قبل شخص واقع تحت تأثير المخدر.

9- إذا عرف الطبيب عن مريضته أنها قامت بترك وليدها غير الشرعي في الطريق العام، أو أي مكان تفادياً للفضيحة؛ فهل يقوم الطبيب بإبلاغ السلطات، أم يلتزم بكتمان السر؟

الجواب عندي: يلتزم الطبيب في هذه الحال بكتمان السر، وبخاصة إذا استكتمته السر والتزم لها. وحتى لو لم يلتزم فلا يفشي السر، لشدة الخطورة على حياتها في غالب الأحوال، ولما في إفشاء السر من أضرار معنوية شديدة على المرأة نفسها وعلى أسرتها وعلى سائر أولادها. هذا مع وجوب العمل على إنقاذ الطفل.

10- مريض فقد بصره، ولكن أمكن إصلاحهما حتى تبدو سليمة تماماً بحيث لا يعرف الناظر إليه أنه لا ينظر إلا بعين واحدة. وطلب المريض من الطبيب ألا يخبر زوجته بذلك؛ لأنها ستطلب الطلاق إذا علمت بذلك، أو أن خطيبته سترفض الاقتران به؛ فكيف يتصرف الطبيب؟

الجواب عندي: هذا السر ليس للطبيب أن يخبر به لِمَا فيه من الضرر على المريض. والله أعلم

تابع معنا بقية ملفات الدراسة: