06/12/2004 آية أبو جليل – 16 سنة – الأردن

ارتمى على الأرض الرطبة.. وقد أخفاه الضباب… أحس أنه مقيد…. حاول فتح فمه لتدخل ذرات الماء الدقيقة إليه.. لكنه فشل!!

كان الجو باردا.. وذرات المطر الخفيفة تشعره بإحساس غريب!! كان إلياس في ذلك الوقت مشتت الأفكار.. قطرات دموعه تتساقط ثم تتبخر في الهواء، فلا يدري أهي ذرات الضباب؟! أم أنها وصلت إلى الأرض، لتشهد تلك الأرض معاناته! عندما كان صغيرا.. كان يرى بما يشبه ظل إنسان يلبس قبعة طويلة، ثم يختفي.. لم يكن يخبر أحدا خوفا من سخريتهم!! ولكنه كبر وكبرت معه هواجسه وأحلامه التي كانت صغيرة!! تفرق أباه عن أمه في صغره.. فأخذته أمه إلى حيث يعيش أهل والده، أخذته إلى الصحراء، في خيمة من خيامها الكثيرة، ووضعته هناك!! والده تزوج ورحل عنه، كان وحيدا بين أقربائه في الصحراء…!!!!!

بكى إلياس عندما غادرت الأم.. تركته وهو في أشد الحاجة إليها..

تساقطت دموع إلياس، متذكرا ذاك الزمن الذي مضى… أكمل سيره وهو يتذكر الماضي….

بعد عشر سنوات.. أرادت أمه الزواج، أخبرته بالأمر.. لأنه كان قد كبر… ثار إلياس وتململ، وأصابته غصة في حلقه.. متذكرا أباه الذي لم يره منذ سنوات عديدة!!!!!!!!

هو الآن في ريعان شبابه.. مازالت تلك أحلامه الصغيرة التي يراها في نظره عاملا من عوامل حياته… كان يشعر أنه ما زال طفلا!! يحتاج إلى حنان أبيه ونصائحه…!  عندما أصبح إلياس في الرابعة عشر من عمره، أخذ يرسم صورا عدة لأبيه.. متخيلا شكله!! كانوا يقولون عنه وعن أمه أشياء كثيرة… مشى إلياس، ومشى، وهو يتذكر كيف نما شيئا فشيئا دون أن يعلم شيئا عن أحد والديه.. مشى إلياس في الصحراء.. وقطع رمالها الصفراء التي غاصت قدميه بها، كان الليل حالك، والبرد قارس، تذكر إلياس أمه التي ودعته يوم الرحيل:

– اجلس يا إلياس مع جدتك وعمتك، سوف يعتنون بك..

– أمي….. أين ستذهبين؟؟!

– سأذهب مع (عبد العزيز) تقصد زوجها الجديد… لن أتأخر عليك يا حبيبي، سآتي كل سنة لأزورك هنا…

لم يكن يعلم من هو عبد العزيز، ولا أين ستذهب أمه؟!

ذهبت أمه،…… بعدها،،، ولم تعد!!!!!

******

أخذ إلياس يلهث وهو منهك القوى.. قدميه التصقتا بالرمال… قبل أيام قرر الرحيل عن أهل أبيه، لم يعترف أحد به.. لأنه كما قالوا من امرأة غريبة عن القبيلة!!!!!!

أخذ يتنفس الهواء، وقد اندفع الدم إلى وجهه، وأصبح خائر القوى :

– أنا إنسان أنتمي إلى قبيلتي.. لماذا لم يحضنوني؟؟!!! لماذا لم يضموني إليهم!!! أو لست أنا إلياس الذي كانوا يتفاخرون به… قالوا أنه سيصبح شرف لقبيلتنا، بأخلاقه الرائعة، وأدبه الجمّ، وحيائه وعفته، وكل شيء فيه!! قالوا هذا مجاملة لأبي.. عندما تفرق والديّ.. ووضعتني أمي عندهم ورحلت.. تغير قولهم عني!! أصبحت أنا الآن ابن المرأة الغريبة بعدما كنت سابقا شرف قبيلتهم!!!!!

طلع الفجر بهدوئه وروعته.. أخذ يتأمله بإعجاب!! تمنى أن يكون هناك.. عند الشمس حمراء اللون!! أو حتى عند القمر… عادت تلك أحلامه الصغيرة تراوده… فأحس بأنها تدعوه، فاستسلم للنوم بعد جهد وتعب أضناه!!!!!

******

فتح عينيه بصعوبة، وتحسس شفتيه الجافتين!! أشعة الشمس القاسية تعاوده مجددا، فيتلقاها وجهه وجسده المدد على الرمال!!

قام من مكانه، كان تائها وسط صحراء لا تنتهي!!! لديه رغبة شديدة في الماء!!!

مشى رويدا، رويدا وهو متعب.. الظمأ يكاد يقتله!! تحسس شفتيه بلسانه .!!

كان يحلم قبل قليل، أنه وسط مكان فسيح، والضباب يلفه من كل الجهات…

ارتمى إلياس على الأرض الجافة القاسية، جاثما على ركبتيه!! وقد تساقطت دموعه الملتهبة كحرارة الشمس.. أحس أنه تائه، شعر بالقيود تكبله، فلم يستطع الحراك!!

حاول فتح فمه الجاف لكي يصرخ طلبا للماء!!

حاول فتحه لكي تدخل دقائق الماء المبعثرة في الجو.. كان يحلم بها منذ قليل!!!

حاول أن يكف عن ذرف الدموع لكي لا يصيبه الظمأ!!!!

حاول وحاول و حاول…….. لكنه فشل!!!!!!

النقد والتعليق:-

الناقد والسيناريست/ عماد مطاوع:

محاولة جيدة للدخول إلى عالم القص، تقدمها لنا “آية أبو جليل” في هذا النص، إنها تبدأ بوصف لحالة شخص ضل طريقه في الصحراء، وبينما يعاني العطش والوحشة عاد بذاكرته “فلاش باك” لنجده نتاج أزمة نفسية/ اجتماعية إذ انفصل أبواه وهو صغير، وتزوج الأب من امرأة أخرى، ثم لم تلبث الأم أن تزوجت وتركته وحيدا، فقرر أن يترك قبيلته ويرحل، لكنه ضل طريقه وانتهي النص بحالة التيه التي أصابته، وما حدث له تحت شمس الصحراء الحارقة.

ولقد اعترى النص ما يعتري التجارب الأولى دائما من هنات، ما بين الثرثرة السردية والاسترسال في الصور البلاغية التي تفسد القص، في محاولة من الكاتبة لنسج حالة فنية ما، ولقد استطاعت عمل بعض اللحظات القصصية الجيدة، كما رصدت الحالة النفسية للبطل ببراعة، ولنتأمل مثلا وضعها كحالته وهو يتخيل حياة أبوية.

“عندما أصبح إلياس في الرابعة (عشر) من عمره، أخذ يرسم صورا عدة لأبيه.. متخيلا شكله، كانوا يقولون عنه وعن أمه أشياء كثيرة.. مشى إلياس، ومشى، وهو يتذكر كيف نما شيئا فشيئا دون أن يعلم شيئا عن والديه”.

وهذا النص يبشر بموهبة واعدة، وعلى كاتبته “آية أبو خليل” أن تجتهد وتبذل قصارى الجهد في سبيل الارتقاء بهذه الموهبة، وأن تكثر من القراءة والتحصيل للوقوف على المدارس الفنية المختلفة، وعليها أن تغوص أكثر في مشكلات مجتمعها والمحيط الذي تحيا بداخله، وأطالبها أيضا أن تهتم أكثر باختيار العناوين المناسبة لأعمالها.

اقرأ أيضًا: