موجز الدراسة

أ.د. محمد سليمان الأشقر

عندما ينتج الإنسان من نفسه أكثر من نسخة، ما الذي يضمن له أن هذه النسخ لن تعتدي على حياته المادية، فضلاً عن حياته المعنوية، ومن أدراه أن أحد المنسوخين لن ينحرف سلوكه إلى منحى إجرامي يؤدي إلى خلل رهيب، خاصة وأن النسخ صورة طبق الأصل في الشكل والبصمات، وهل يقبل أحدنا أن يكون موجودًا كاحتياطي وقطع غيار لإنسان آخر في حالة فشل قلبه أو كليته أو عينه.. هذا ما يريدونه للنسخة البشرية، فهل يوافق الإسلام على هذه الصورة غير الإنسانية؟ وإن كان، فهل للفقهاء ضوابط؟.. هذا ما تعرضه لنا هذه الورقة.

يعرض الأستاذ الدكتور محمد سليمان الأشقر للاستنساخ، في إطار أعم وأشمل من مجرد قضية الاستنساخ وحدها، حيث يقسم الدكتور محمد أشكال النسخ الحيوي في صورتين:

الصورة الأولى تتمثل في عملية شطر الأجنة؛ حيث تعد هذه طريقة لعلاج حالات العقم، حيث يقوم الأطباء بتحضير بويضة مخصبة من طرفي العلاقة الزوجية وتركها تنشطر، حيث يقومون بالاحتفاظ بشطر من خلال تجميده لإعداده للحمل فيما بعد، وأسمى هذه الطريقة بالاستنسات من خلال النحت اللغوي الذي يجمع بين كلمة الاستنساخ + توائم.

والصورة الثانية: تتمثل في الطريقة التي أنتجت بها النعجة دوللي، حيث أخذوا بيضة غير ملقحة من ثدي الخراف وأفرغوها من نواتها، وأدخلوا مكان النواة خلية، مأخوذة من ضرع نعجة أخرى حامل، وزرعوها في رحم نعجة ثالثة، وأسمى هذه الطريقة بالاستنساد من خلال النحت اللغوي الذي يجمع بين كلمتي الاستنساخ+جسد.

ويرى د.محمد في الاستنساخ فوائد عدة تتمثل في تجويد إنتاج الحليب واللحم والأصواف والجلود كما يمكن زيادة الثروة الحيوانية من خلال التحكم في عدد من الإناث مقارنة بالذكور، إلا أن هذا لا ينفي وجود مثالب للعملية تتمثل في التأثير على مؤسسة الأسرة بسبب اتجاه النساء للاستغناء عن الارتباط الجنسي بالرجال، وهو ما يؤدي لتشوه تربية الأجيال الجديدة، وحذر من احتمال لجوء الطغاة لاستنساخ أنفسهم لاستمرار السيطرة على شعوبهم، هذا مع المضار النفسية التي تلحق بالإنسان المستنسخ، ومن هنا نخلص إلى أن د.محمد يرى كل المنافع في الاستنساخ الحيواني، ويرى كل المضار في الاستنساخ البشري.

وينفي د.محمد أن يكون في الاستنساد محاكاة لخلق الله، أو خلق من دون الله، مشيرا إلى أن عملية مثل هذه يمارسها المزارعون منذ زمن بعيد في المجال الزراعي بتحويل أشجار أصناف معينة إلى أصناف أخرى عن طريق عملية التطعيم، كما أكد أن القابلية للاستنساد خاصية أودعها الله في الحيوان، مؤكدا على انه لا شيء يحدث في ملك الله بغير إرادته سبحانه، وطالما أن العملية تمت فهي بلا شك لا تدخل تحت التحفظ الوارد بالآية القرآنية التي تؤكد أن الإنس لن يستطيعوا خلق ذبابة مؤكدا أن الاستنساد من خلال خلية حية لا يمكن إجراء العملية بدونها، وهو ما يعني أن الخلق لله تم ابتداء.

وفي رده على من يشبهون عملية الاستنساد بعملية خلق نبي الله عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ذكر د.محمد أن العمليات التي تمت أنتجت أنثى من خلية أنثى، ولم يتم إنتاج ذكر من خلية أنثى، كما أن خلق عيسى تم من خلال خلية غير ملقحة بينما الاستنساد عملية تلقيح، ومن ناحية ثالثة ذكر أن خلق عيسى سيظل معجزا حتى ولو تم إنتاج حيوان من خلية غير ملقحة؛ لأن خلق عيسى تم في غيبة الوسائل التكنولوجية المتاحة للعلماء في الوقت الحالي، ومن ناحية رابعة لم يتناول القرآن قضية خلق عيسى باعتباره معجزة بل ذكرها في إطار عادي لا ينطوي على تحدٍّ.

وختام الفقرتين السابقتين أن الدكتور محمد سليمان الأشقر ينكر إمكان الاستناد على الناحية العقائدية للدعوة إلى منع الاستنساخ.

وينتهي الأستاذ الدكتور محمد سليمان الأشقر إلى الأحكام الشرعية للاستنساخ، وأشار د.محمد إلى أن الاستنسات (الشطر الجنيني) يحرم في حالة دخول طرف ثالث في العملية الجراحية بالإضافة إلى الزوجين، وما دون ذلك فهو حلال بضوابط هي: أن تتم العملية في حياة الزوج، وبتلقيحه هو، وأن تتم بمراعاة الضمانات الكافية لمنع اختلاط الأنساب، ويوصي بضوابط إضافية تتمثل في إتمام العملية برضاء الزوجين وعلمهما وإعدام الأجنة المتبقية بمجرد انقضاء الحاجة إليها؛ لأنه ليس ثمة رفض شرعي لإعدام خلايا لم تتخلق ولم تعلق بجدار الرحم.

أما الاستنساد فقد حرمه بإطلاق لما ينطوي عليه من مثالب خطيرة ومخيفة، ولكن هذه الأحكام تتعلق بإنتاج بشر عبر هذه العمليات.

وعن الآثار الشرعية فإن أب النسيد (الطفل المستنسخ) هو زوج المرأة، وإن لم يكن لها زوج فليس له أب، أما عن تحديد أمه فقد تركها لمزيد من البحث الطبي الشرعي الاجتماعي.

وعن عقوبة الاستنساخ رأي د.محمد أن إجراء العملية بالوجه الجائز لا يرتب عليه أية عقوبة، وإن تمت بوجه غير جائز، فالعقوبة تعزيرية تترك للمشرعين والفقهاء، ولا تدخل في حد الزنا الذي يتطلب الوطء صراحة، وهو ما لم يحدث.

وعن الحضانة والنفقة أكد د.محمد أن حضانة النسيخ لأمه التي صدر القرار بكونها أمه ثم الباقي القرابات على النظام الشرعي المتبع في الأحوال العادية، وأن نفقته على أبيه الشرعي فإن لم يوجد فعلى باقي الأقارب فإن لم يوجد من تلزمه نفقته تكون النفقة في بيت المال.

وعن الميراث فهو يرث أباه وأمه ويرثون في حالة ثبوت العلاقة، ووليه يكون الأب الشرعي وإن لم يكن له أب شرعي فعصبته أمه كابن الملاعنة وابن الزنا.

وأما عن الدين فالنسيخ يتبع خير أبويه الشرعيين دينا، ولا عبرة بالأصل المنسوخ، ولا بصاحبة البويضة إن اختلفت عن صاحبة الرحم الحامل، فإن لم يعلم له أب ولا أم، ونشأ في دار الإسلام فهو مسلم تبعا للدار.

تابع معنا أجزاء الدراسة: