04/04/2005

أسامة سمارة – 24 عامًا – فلسطيني مقيم ببولندا

إنسان بسيط، حياته بسيطة الأركان، زوجته طفلاه قاربه والشاطئ السعيد..

يصحو كل يوم من عنق الصباح يلقي نظرة على الأجساد الصغيرة الممتدة حوله..! يا لبراءة الأطفال..

يدنو منهم يطبع على وجوههم الرقيقة قبلات يسبغها من روحة..

ويغدو…

يغدو نحو الشاطئ…

آه.. زوجته..!,يا محمد نسيت أن تودع زوجتك..!! آه.. نعم..!! يضع ما في يديه…

ثقيل أنت ما تحمله يا محمد على جسدك الهزيل هذا!!..

يعود مسرعا إلى كوخه، يعود كي يودع زوجته؟؟!..

آه.. كأنه سوف يرحل!!..

يسرع الخطى..

هذا أنت يا محمد، تستوقفه زوجته في الطريق، يفاجأ بها، نعم… نعم…! أنت هنا

إذن..

تسأله: لماذا عائد يا محمد، هل نسيت شيئا؟!..

نعم.. نسيت أن.. أن… نعم نسيت أن أوصيك بنفسك وبالأطفال..! يا محمد.. تستغرب الزوجة: أنت كثيرا ما تنسى ذلك.. فلماذا اليوم يا عزيزي,؟.. لا لا شيء يا

عزيزتي… يصمت قليلا.. يشعر بخفقان قلبه يزيد..

ينفض عن نفسه تلك الأحاسيس.. حسنا -يبتسم إلى زوجته- أنا ذاهب… في أمان الله..

يعود إلى الشاطئ..

يستغرب من هذا الشعور الذي يراوده..!! يحاول أن يعود إلى طبيعته، يتناسى ما حدث.. ويمشي نحو الشاطئ..

صياح الناس… لعب الأطفال.. ضحكاتهم وصراخهم يملأ الشاطئ… تعود إليه صور أطفاله وصورة زوجته…

آه.. كم أنت شاعري أصبحت يا محمد.. على غير عادتك!!..

يسلم على أصحابه الذين يعج بهم الشاطئ… يصعد نحو مركبة.. متباطئ الخطى.. وكأنه يغدو نحو جوف كابوس يريد أن يبتلعه.. ولكنك يا محمد تعشق البحر.. وتحب القارب… فما بالك اليوم؟؟!..

ويندفع القارب يشق مياه الشاطئ نحو البحر… البحر الذي يحبه أبناء هذه القرية البسيطة.. فهو مصدر عيشهم الوحيد…

يلقون الشباك..

وعلى أنغام يعزفها أصحابه في المركب ينتظرون صيدهم ليعودوا نحو الشاطئ حيث الرمال حيث الكوخ والأهل والأطفال…

يستلقي محمد.. ينظر نحو السماء.. يراوده النعاس، يغمض عينيه، ويتسلل النوم إليه ببطء..

يتدافع الأطفال نحو الشاطئ… صيحات استغراب.. أصوات الضحك… صيحات اندهاش واستغراب.. يا للغرابة البحر يبلع ماءه.. الأطفال والكبار يتسابقون لجمع الأسماك التي تركتها المياه راسبة على الشاطئ..

يصحو محمد على صيحات أصحابه..

أمواج… يا إلهي أمواج قوية تتجه نحونا.. يا الهي..

يحاولون أن يتسلقوا بقاربهم المياه نحو الشاطئ.. ولكن.. ولكن المياه تهدر نحوهم.. كمفترس جائع يغوص نحو فريسته..

الأطفال.. الناس على الشاطئ يصيحون.. يهربون مبتعدين…

إنها أمواج عاتية تأتي من بعيد… يا الهي.. البحر يقذف ما ابتلعه.. يقذفه بغضب!!..

تثبتوا.. محمد يمسك بأطراف القارب.. ولكن الموج عات يا محمد.. يتراءى لمحمد صورة أطفال، زوجته، قريته، وكل أحبته.. إنه يعشقهم… لم يودعهم…آه.. يا محمد الآن عرفت.. معنى الكابوس الذي راودني منذ الصباح.. آه…

ويختفي صوته.. ويختفي القارب… ويختفي صياح الأطفال.. يختفي الكوخ.. وتختفي القرية…

آه.. أيها البحر.. كم أحبوك هؤلاء..

آه.. أيها الشاطئ.. كم على رمالك خطوات الأطفال قد رسمت…

بسيط أنت أيها الإنسان… ضعيف أنت كبيت كوخ في جوف العواصف.. بسيط كما القارب ومحمد والأطفال أنت!!… انتهت.

إلى كل الأرواح البريئة الطاهرة التي قضت في هذا الكارثة البيئية… ونسأل الله لكل المنكوبين هناك العون والمساعدة.


النقد والتعليق:

يقول الناقد والسينارست/ عماد مطاوع:

إن الأفراد البسطاء هم عادة من يصنعون منظومات حياتية قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها أساسية ومؤثرة في مسيرة المجتمعات عموما، وتمثل الأسرة نواة قوية لمجتمع صحي وفعال. وقصة “آه.. أيها البحر” للقاص أسامة سمارة لحياة أسرة بسيطة يعمل راعيها في البحر وحياته تسير بشكل آلي؛ فهو يصحو من نومه، يقبل أطفاله ويمضي لعمله.. وفي يوم ينسى أن يودع زوجته فيقفل راجعا لكنه لا يجدها ثم يلقاها بالطريق فتسأله عن سبب عودته وعندما يخبرها أنه رجع كي يودعها تحار في أمره وتدهش لأنه عادة ما ينسى ذلك، يذهب إلى عمله، وفي رحلة الصيد هذه يعلن البحر عن غضبه وتغرق مركبة الصيد ويموت وهو يتذكر وجوه أطفاله وزوجته وقريته.

اعتمد القاص على الراوي الخارجي العليم بمجريات الأمور وأسبغ على العمل مسحة شعرية، وإن اعترى بعض الجمل الخلل في البناء، مثل: “آه كم أنت شاعري أصبحت يا محمد على غير عادتك”؛ فنحن نرى هذه الجملة ركيكة ومرتبكة، بينما يمكن أن تستقيم إن كانت على مثل هذا النحو: “كم أصبحت شاعريا على غير عادتك يا محمد”.

ولقد استطاع الكاتب أن يقيم لحظات قصصية -وإن احتاجت إلى التجويد- لكن الكاتب سقط في وهدة المباشرة والخطابية العالية، ويتضح ذلك من البداية، أي منذ العنوان “آه.. أيها البحر” واتضحت الخطابية في المعالجة الأخيرة لنهاية القصة، حيث اعتمد الكاتب على “الأسلوب الفاجعي” الذي يركز على استخدام الفجيعة كمحرك للكتابة لكنها تعتمد على الجرس واستدعاء الأسلوب البلاغي في غير موضعه؛ حيث إن القصة عموما يجب أن يكون الفيصل فيها هو الكتابة القصصية ورصد لحظات بعينها دون الاعتماد على البلاغة فقط، أي أن تكون البلاغة مكملة للقص وليس العكس… وأيضا لا تعنى القصة كثيرا بالحكم وصك الأقوال الفلسفية الجامدة كما حدت في نهاية القصة، إلا أن هذا النص يعبر عن قدرة كاتبه “أسامة سمارة” على الولوج إلى عالم القص، لكن عليه أن يتمهل قليلا وأن يقف على أساليب ومدارس الكتابة المختلفة وأن يغوص أكثر داخل عالم القصة بكل روعته ومراوغته.

اقرأ أيضا: