نعلم أن لبيت المقدس منذ القدم تميزًا إسلاميًّا، أصبحت من أجله مركز إشعاع حضاريا، ثقافيا وفكريا، ووجدت فيه مخطوطات كثيرة تناسب هذه القدسية، وهذا النشاط العلمي المرموق.

ولا يخفى أن هذه المخطوطات هي تراث الأمة، نحاول أن نحافظ عليه، ونصونه مما يتعرض له من نهب واستلاب، ونحاول أن نحيي مدارس بيت المقدس الفكرية، الخربة الحزينة.

كان للمسجد الأقصى مكتبة تعد من كبرى مكتبات فلسطين، تحتوي على المخطوطات النادرة والكتب. وأضيف إليها من المجموعات القيمة:

مكتبة الشيخ محمد الخليلي (من علماء القدس، توفي سنة 1734م) وكانت تحتوي على ما يزيد على 7 آلاف كتاب، كما ورد في وقفيته، منها نحو 4500 مخطوطة. ومكتبة الشيخ خليل الخالدي، المتوفى عام 1941م. وهو من الرجال القلائل الذين اهتموا بالمخطوطات وجمعها. طاف الوطن العربي بحثا عن المخطوطات القديمة للاطلاع عليها واقتناء ما استطاع اقتناءه. وقد تبعثرت مكتبته بعد وفاته، وما سلم منها لم يتجاوز 150 مخطوطة أضيفت سنة 1978م إلى مكتبة المسجد الأقصى.

وبعد ضم هذه المكتبة يفترض أن تحتوي مكتبة الأقصى على ما يقارب 6000 مخطوطة، غير أنها لا تحتوي الآن إلا على ما يزيد على ألف مخطوطة، وسأفصل لاحقا وضع هذه المخطوطات وكيف تسربت وضاعت.

أما مكتبات المخطوطات الأخرى فهي:

المكتبة الخالدية: هي غير مكتبة الشيخ الخالدي. تأسست هذه المكتبة سنة 1900م بالقدس الشريف، وبلغ عدد كتبها 12 ألف كتاب، كما ذكر عارف العارف نقلا عن نشرة مدير الآثار بحكومة فلسطين سنة 1945م، وذلك عن طريق تجميع كتب العائلة الخالدية التي أنجبت الكثير من العلماء. وكان من بين هذه الكتب ما يقارب 4000 مخطوطة. وفي الكشف الذي أعد سنة 1973م تبين أن عدد كتبها 6000 كتاب مطبوع ومخطوط، منها 1500 مخطوطة، والباقي هو 4500 قد فقد.

المكتبة البديرية: تقع بالقرب من باب الناظر، أحد أبواب المسجد الأقصى. ويرجع الفضل في تأسيسها إلى الشيخ محمد البديري المقدسي، أحد علماء بيت المقدس. وقد سلم من مخطوطاتها ما يبلغ عدده اليوم نحو ألف مخطوطة.

مكتبة الشيخ على بدر الدين الخطيب: تحتوي هذه المكتبة على مائة مخطوطة.

مكتبة كلية الدعوة وأصول الدين – جامعة القدس: تحتوي هذه المكتبة على 18 مخطوطة.

أما مكتبات المدن الأخرى فهي:

مكتبة المسجد الإبراهيمي الشريف – في مدينة الخليل: وتحتوي هذه المكتبة على 86 مخطوطة.

– مكتبة يافا الإسلامية: كانت تحتوي هذه المكتبة على أكثر من ألف مخطوطة، واليوم لا يوجد لها أثر، فقد استولت الجامعة العبرية ووزارة الأديان الإسرائيلية على محتوياتها.

– مكتبة الجزار – عكا: تحتوي الآن على حوالي 100 مخطوطة.

– مكتبة جامع الحاج نمر النابلسي – نابلس: تحتوي على حوالي 75 مخطوطة.

– مكتبة مؤسسة إحياء التراث والبحوث الإسلامية: تحتوي هذه المكتبة على 600 مخطوطة أصلية بالإضافة إلى نحو 3500 مخطوطة مصورة.

أسباب ضياع المخطوطات:

هذه هي معظم المكتبات الموجودة في فلسطين والتي اهتمت بتجميع المخطوطات وحفظها، ولكنها لم تستطع حفظ أكثر من نسبة بسيطة منها، فمن بين ما يربو على 50 ألف مخطوطة لم يبق منها الآن إلا ما يقارب 8000، ويعود السبب إلى:

1- أن الحروب التي مرت بها فلسطين بدءا بالانتداب البريطاني وانتهاء بالاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين أتت على كثير من مخطوطاتها، فكان يرافق القوات العسكرية مجموعة من الخبراء هدفها الاستيلاء على المخطوطات والسجلات والوثائق من المكتبات العامة والخاصة ومن المؤسسات، مثل ما تعرضت له مكتبة يافا الإسلامية سنة 1948 حيث نهبت معظم مخطوطاتها وحولت إلى الجامعة العبرية وجامعة تل أبيب وغيرهما، كذلك مخطوطات مكتبة الشيخ محمد خليل بالقدس والتي وجدت أبوابها مكسورة بعد حرب 1967 وبعد جرد محتوياتها تبين أن الكثير من مخطوطاتها قد نهب من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي.

2- يضاف إلى ذلك نشاط السماسرة والمستعربين من الأوربيين واليهود الذين نشطوا في شراء المخطوطات. ولم تقم مؤسسة إحياء التراث والبحوث الإسلامية سنة 1983، في ساحة الحرم القدسي الشريف، ما بين باب حطة وفيصل، إلا لحماية هذا التراث، فقمنا بتصوير ما يقارب 3500 مخطوطة على أشرطة ميكروفيلمية وفوتوكوبي لحفظها لأجيال القادمة. وكذلك باشرنا بتجميع المخطوطات الأصلية، وكانت حصيلتنا في هذا المجال محدودة لضيق الإمكانات المادية.

حالة المخطوطات:

يمكن القول أن هذه المخطوطات مصابة بمرض العث والأرضة والرطوبة بسبب سوء أوضاع التخزين، والجهل بطرق عناية المخطوطات فبعضها محفوظ في مخازن أشبه بالسراديب في الرطوبة ولا تصل لأماكن حفظها الشمس أو الهواء. مع الإشارة إلى أنه لا توجد صيانة أو ترميم لهذه المخطوطات باستثناء مكتبة الخالدي التي تجري صيانة مخطوطاتها في لندن، فضلا عن فقدان سبل التبخير والتعقيم تماما.

ولا شك أن قلة الفهارس المطبوعة لهذه المخطوطات تساعد على انتهابها. مع ملاحظة أن معظم مخطوطات فلسطين موجودة في بيت المقدس التي تتعرض في الوقت الحاضر إلى الاحتلال الإسرائيلي.

لقد حاولت في هذه العجالة أن أشير إلى بعض مشكلات المخطوطات في بلادنا. وهي مشكلات واضحة، تحتاج من المؤسسات العربية والإسلامية الغيورة إلى رعاية ودعم.