عبد الرحمن الحاج 20/10/2003 
 

في سنة 1939م كان عيد الأضحى في مصر يوم الإثنين، وفي السعودية يوم الثلاثاء، وفي بومباي يوم الأربعاء!! وعلى الرغم من أن هذه الحادثة ليست غريبة على المسلمين؛ فقد تكررت في الماضي كثيرا (ابتداء من حادثة ابن عباس وابن عمر الشهيرة، حين قدم من الشام)، وما تزال تتكرر إلى يومنا هذا، غير أن هذه الحادثة العجيبة التي تتكرر على فترات ليست متباعدة كثيرا أثارت العمل الفقهي من جديد في موضوع إثبات الشهور العربية القمرية، وقد كانت آنذاك قد بدأت التطورات المثيرة في البحث الفلكي وحساباته بالبروز.

وإذا كان – وما يزال – هناك اختلاف كبير ذو طبيعة فقهية في طُرق تحديد بدايات الأشهر القمرية، وفي اعتماد الرؤية أو الحساب بالتحديد، فإنه كان – وما يزال – السياسي يحمل وزر الاختلاف الفعلي في إعلان ذلك الإثبات؛ ذلك أن هذا الخلاف لا ينظر إليه (شعبيا على الأقل) بحسن نية؛ بوصفه خلافا فقهيا، بل بوصفه لعبة سياسية تهدف إلى تفريق المسلمين وتمزيق وحدتهم. ونحن نشهد في كل عام على أبواب رمضان وفي مطلعه، الكتاب والصحفيين وهم يركزون على البعد السياسي، ويطالبون بمرجعية موحدة أو بحسم الخلاف الفقهي لصالح الحسابات الفلكية.

ما من شك أن السياسي يتحمل مسئولية كبيرة، وهو – بحسن نية أو بسوئها – يساهم فعلا في تفريق صفوف المسلمين، غير أنه ليس من العدل تحميل السياسيين وحدهم تلك المسئولية كاملة، فالفقيه ما يزال -في كثير من الأحيان- يتعامل مع هذه المسألة من منظور مذهبي، أو لا يبذل جهودا قصوى لحل المسألة على ضوء العلم الإنساني، فهو – على الأقل – لا يسعى لمراجعتها على ضوء آثارها السياسية والاجتماعية على العالم الإسلامي، وإن كان عديد من الفقهاء يمارسون هذا الدور بدأب؛ فقد عُقد في النصف الأخير من القرن العشرين ما يزيد عن عشرين مؤتمرا فلكيا وفقهيا من أجل حسمها، تناولت هذه المؤتمرات المشاكل الفقهية والفلكية بالدرس والتحليل.

وحصرت الجهود المبذولة بهذه المؤتمرات الخلافات الفقهية حول إثبات الشهور القمرية في ثلاث قضايا رئيسية:

1. طريقة إثبات الشهر.. بالرؤية أم بالحساب؟

2. تحديد الشهر القمري.. بالإهلال أم بالاقتران؟

3. اعتبار المطالع (تعدد المطالع) بين القبول والإلغاء.

ورغم أنه لا خلاف في اعتبار الرؤية أصلا شرعيا، فهي التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته”(1)، إلا أن الفقهاء اختلفوا في حقيقة الرؤية، وفي صورها، وفي أهلها، وفي عددهم، وفي شروط صحتها، وفي وسيلتها، وفي أدائها (كيفية التعبير عنها)، وفي نقلها، وغير ذلك مما تطول به القائمة. وما من شك بأن الرؤية البصرية كانت الوسيلة الوحيدة لإثبات الأهلة في القرون الهجرية الأولى خصوصا، والقرون التالية لها على وجه العموم. ولكن مع ظهور وتطور علم الفلك ابتداء من القرن الثالث للهجرة النبوية، ظهر الحساب الفلكي وسيلة ثانوية في الإثبات في بعض الحالات الخاصة، غير أن جمهور الفقهاء لا يرون الحساب وسيلة للإثبات؛ فهم بين متمسك بحرفية النص النبوي، وبين غير واثقٍ بنتائج هذا العلم.

القائلون بالحساب الفلكي طريقا شرعيا لإثبات الرؤية

لقد كان الفضل للتابعي الجليل مُطَرّف بن عبد الله الشِّخّير (ت 78هـ) في أنه أول من قال بالحساب طريقا شرعيا لإثبات الرؤية، ثم قال بذلك بعده ابن مقاتل الرازي (من أصحاب محمد بن إسحاق الشيباني تلميذ أبي حنيفة)، والقاضي عبد الجبار (المعتزلي)، وابن قتيبة الدينوري (ت 276هـ)، وابن شريح الشافعي (ت 301هـ) الذي اعتبر مجدد المئة الثالثة وأول من قال من الشافعية بالحساب، وتلميذه القفال الكبير الشاشي الشافعي، ثم ابن دقيق العيد، فالسبكي الشافعي (756هـ ) الذي ألف بحثا مستقلا سماه : “العلم المنشور في إثبات الشهور”، دافع فيه بقوة عن رأيه في رد الشهادة بالرؤية إذا خالفت مقتضى الحساب الصحيح، وقد رجح هذا القول كثير من الشافعية وهو قول عند المالكية.

كما يعود الفضل أيضا لـ طنطاوي جوهري بوصفه أول من أثار المسألة في القرن العشرين، معتبرا الحساب في الإثبات حجة، وصنف رسالة “الهلال” يستدل فيها على رأيه عام 1913م، وكان للشيخ محمد مصطفى المراغي (رئيس المحكمة الشرعية العليا) رأي كرأي السبكي يرد شهادة الشهود إذا نفى الحساب إمكانية الرؤية (حوالي 1925م). ثم تبنى السيد محمد رشيد رضا عام 1927م العمل بالحساب ودافع عنه، وجاء الشيخ محمد بخيت المطيعي (مفتي الحنفية) فاقتفى تلك الآثار وصنفَ في ذلك كتابا ضخما عام (1933م) بعنوان: “إرشاد أهل الملة إلى إثبات الأهلة”، ثم الحافظ ابن الصديق الغماري 1953م، الذي صنف كتابا أسماه “توجيه الأنظار لتوحيد المسلمين في الصوم والإفطار”.

كما يعتبر أحمد محمد شاكر (المحدث) أشهر من قال بالحساب في رسالته المدونة: “أوائل الشهور العربية هل يجوز إثباتها بالحساب الفلكي؟” عام 1939م، واشتهر من بعده عدد من كبار الفقهاء المعاصرين، من أمثال العلماء: محمد فتحي الدريني، ومصطفى أحمد الزرقا، ويوسف القرضاوي. ولكن هذا السند للقول بالحساب الفلكي يبدو – في الواقع – ضئيلا إذا ما قيس إلى الفقهاء الذين لا يعتدون بالحساب الفلكي، ويتوقفون عند حدود الرؤية العيانية؛ فعددهم يند عن الحصر.

الرؤية.. تعبدية أم معللة بالظروف؟

المشكلة الفقهية تتركز في السؤال: هل الرؤية تعبدية أم هي معللة بالظروف القائمة زمن النبوة؟ وبالطبع يميل معظم العلماء الأقدمين وكثير من الباحثين المعاصرين إلى اعتبارها تعبدية، فيما يذهب كل من ذكرناهم إلى اعتبارها (الرؤية) معللة. فعلى سبيل المثال يعلق العلامة أحمد شاكر على النص النبوي الصحيح “إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب” بقوله: “وقد أصاب علماؤنا المتقدمون – رحمهم الله – في تفسير معنى الحديث، وأخطئوا في تأويله؛ فالتفسير في أن العبرة للرؤية لا بالحساب صواب، والتأويل في أنه لو حدث من يعرف (الحساب) أصبح الحكم في الصوم باعتبار الرؤية وحدها خطأ، وذلك لأن الأمر باعتماد الرؤية جاء معللا بعلةٍ منصوصة، والعلة تدور مع المعلول وجودا وعدما، فإذا خرجت الآن الأمةُ عن أميتها (في الحساب) وجب أن يرجعوا إلى اليقين الثابت، وأن يأخذوا في إثبات الأهلة بالحساب وحده… وإذا وجب الرجوع إلى الحساب وحده بزوال علة مانعة وجب أيضا الرجوع إلى الحساب الحقيقي للأهلة – إمكان الرؤية وعدم إمكانها – فيكون أول الشهر الحقيقي الليلة التي يغيب فيها الهلال بعد غروب الشمس ولو بلحظةٍ واحدة، وهذا يعني أنه يوجب اعتبار الحساب الاقتراني الغروبي”.

في كل الأحوال فإن ما قاله الشيخ شاكر بصدد الحديث النبوي الشريف يلخص موقف بعض المعاصرين من قضية الحساب وحسب؛ فمثلا: عندما دُعي أحد علماء الفلك المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية ليحضر دورة المجمع الفقهي الإسلامي المنعقد في عمان (1406هـ)، واستمع إليه في موضوع الحساب، اكتفى أعضاء المجمع بالاستئناس بالحساب الفلكي كاستئناسهم بحضور الفلكي!، وطلب الشيخ مصطفى الزرقا وقتها من الرئاسة أن يُسجل في محضر الجلسة أنه (وباسمه) المخالف الوحيد في قرار المجمع هذا، وأن لا يُكتفى بالقول في القرار إنه صدر بالأكثرية.

بداية الشهر.. بالإهلال أم بالاقتران؟

وإذا كان هذا شأن الخلاف في أصل الحساب، فإن الخلاف لا يتوقف هنا فحسب، بل إننا سنشهد خلافا بين الفقهاء المعتدين بالحساب الفلكي في الحساب ذاته! إذ يطرح السؤال بداية الشهر: هل هو بالإهلال أم بالاقتران؟ أجوبة متعددة: فجمهور الفقهاء على أن الأصل في تحديد البداية للشهر مولد الهلال الجديد، والذي يتم عادة بعد فترة من لحظة الاقتران، أي إن البداية ليست الاقتران، وأقدم من صرح بالاعتماد على الاقتران بداية للشهر القمري هو العلامة الرملي (الشافعي الصغير، ت 1000هـ) وقد أخذه عن والده الرملي الكبير (ت957هـ) .

وكثير من العلماء والفقهاء في القرن العشرين يذهبون إلى أن الاقتران هو بداية للشهر العربي. وقد أقرت لجنة من مجمع البحوث في الأزهر – بعد دراسة مستفيضة – طريقة الحساب الفلكي الاقتراني، واعتبرتها مقبولة.

وتكمن المشكلة – في الإهلال أم الاقتران – في أن حساب رؤية الهلال ما يزال غير دقيق، وغير محسوم، بالرغم من اكتشاف خط الرؤية من قبل الفلكي الماليزي المسلم محمد إلياس، وبالرغم من تقدم الحساب من خلال نموذج برادي سيفر الباحث والعالم الفلكي الأمريكي في وكالة ناسا الفضائية؛ فالمعايير ما تزال ميدانا للاختلاف والاضطراب، أما التحديد بالحساب الاقتراني فإنه يتم بكثير من الدقة، فهو يرتبط بتحولات هندسية بحتة، وهي الأوضاع النسبية للكواكب الثلاثة (الأرض، الشمس، القمر)، منذ زمن طويل نسبيا (باستر ونيوتن)، وهو يتم بخطأ لا يتجاوز الدقيقة الواحدة في أيامنا هذه، ومن المفيد هنا – ربما – الإشارة إلى أن كسوف الشمس في عام (1999م) كان معروفا بدقة منذ خمسين عاما، فلو كان إثبات الشهر القمري يتأسس على الاقتراني (كما هو الحال في تونس مثلا) لما كانت هناك مشكلة فلكية ذات اعتبار، ولكن تحديده من خلال رؤية الهلال يعقد المسألة إذ يدخل فيها عوامل فيزيولوجية وجغرافية وفيزيائية.

 لقد تدرجت قرارات المؤتمرات والمجامع الفقهية من رفض الحساب الفلكي، إلى الاستئناس به، إلى قبوله في النفي (نفي الثبوت لا نفي الإثبات)، إلى قبوله عند تعذر الرؤية، إلى قبوله وتحديد شروط الرؤية، إلى قبوله على أساس الاقتران.

إن التحديد لبدايات الأشهر العربية يرتبط بخلافات فقهية وفلكية متعددة، بعضها ما يزال غير قابل للحسم؛ فاتخاذ موقف فقهي أكثري ما يزال بعيد المنال، وفي هذا الفراغ القائم في الفقه والعلم يكسب السياسيون لعبتهم (إذا كنا سنحسب سوء النوايا)، وسيظل القاضي “الشرعي” يقول ما يمليه عليه السياسي، فيثبت متى شاء ويمحو متى شاء، لكن حتى لو كان ما يقوله القاضي الشرعي هو “الحقيقة” فسيظل متهما بأنه يغش الأمة؛ ذلك أن “شرعيته” مستمدة في واقع الأمر من النظام السياسي الذي يكون غالبا فاقدا للشرعية، وفاقد الشيء لا يعطيه، بل إن ثمة إيمانا عميقا بأن النظام يستتبع المؤسسات الدينية “الشرعية” عبر مسئوليها.

ربما يجعلنا ذلك قانطين من الأنظمة السياسية، إلا أنه في هذه الحالة لن يجد المسلمون أمامهم خيارا سوى حسم النزاع الفقهي والفلكي على أساس ترجيح المرجوح مراعاة لمصالح المسلمين الكبرى، وسدا للفراغ الذي يلعب فيه السياسي دون رقيب. صحيح أنه كُتِبَت آلاف الصفحات ومئات المقالات والبحوث والكتب المهمة(2) تعالج مشكلة إثبات بدايات الشهور القمرية، إلا أنها بقيت عاجزة عن تحقيق ذلك.

اقرأ أيضًا: