د. محمد عمارة

 

قاسم أمين

يعد “قاسم أمين” أحد مواطن الجدل الفكري وبؤر الشد والجذب والصراع بين مختلف تيارات الفكر على امتداد وطن العروبة وعالم الإسلام، بالرغم من مضي أكثر من قرن على بدء إسهامه في الحياة الفكرية لأمتنا.

فهناك فريق يتعصب لفكره؛ فهو في نظرهم الرائد الذي قاد الحركة الفكرية والاجتماعية لـ”تحرير المرأة” نصف المجتمع، فأخرجها من ظلمات العصور المظلمة إلى نور الحداثة والانفتاح.

في حين يرى فريق آخر أن قاسم أمين هو الذي فتح نافذة “التغريب” الأوربي، بما تعنيه من مجافاة روح حضارتنا وتقاليدنا؛ فأورث بفعلته المنازل والحياة الزوجية والناشئة كل أمراض الحضارة الغربية التي يئن ويشكو منها أصحابها.

هكذا اختلف الفريقان، وما يزالان، حول طبيعة وأثر الإسهام الفكري لقاسم أمين. بينما نعتقد أن هذا “الاستقطاب الحاد” في تقويم المفكرين وأفكارهم لون من ألوان “العقلية القبلية” يجب أن تتبرأ منه حياتنا الفكرية والاجتماعية، حيث إنه ثمرة من ثمرات “النظرة آحادية الجانب” التي يفتقد أصحابها “شمولية النظر”، والمنهج “الوسطى- المعتدل” في تقويم الفكر، ونقد آثار المفكرين.

ليس رائدا

لم يكن قاسم أمين أول من نادى ودعا إلى “تحرير المرأة”، بالرغم من شهرة هذه الدعوة ونسبتها إليه؛ فقد سبقه بها وإليها “أحمد فارس الشدياق” (1219هـ=1804م – 1306هـ= 1888م) في صحيفة “الجوائب” أي قبل أن يولد قاسم أمين. كما أن بعض ما نادى به قاسم أمين مثل تقريب الفروق بين حق المرأة وحق الرجل في التعليم مبثوث في مداولات “لجنة تنظيم التعليم” التي كان “رفاعة الطهطاوي”(1216هـ = 1801م – 1290هـ= 1873م) عضوًا بها.

لكن تبقى لقاسم أمين في هذا الميدان ميزة انفرد بها؛ فكل من عداه كان حديثهم عن “تحرير المرأة” والنهوض بها أمرًا من أمور كثيرة تناولوها فيما أبدعوه من أفكار وآثار، أما هو فقد وهب كل جهوده وجميع آثاره -تقريبًا- لهذه الدعوة، حتى صار علمًا عليها ورمزًا لها، فإذا لم تكن للرجل ريادة السبق، فإن له الريادة في تكريس كل جهده الفكري لهذه القضية قبل غيرها من قضايا الإصلاح.

ولم تكن القيود التي سعى قاسم أمين إلى “تحرير” المرأة منها “قيودًا إسلامية”، كما لم تكن الآفاق والحدود التي سعى لتبلغها المرأة العربية والمسلمة هي بحذافيرها الآفاق والحدود التي رسمتها الحياة الغربية للمرأة والتي يشكو منها الإسلاميون المستنيرون، فضلا عن الغربيين المنصفين. لقد كانت الروح الشرقية والآفاق الإسلامية ماثلة في ذهن قاسم أمين أثناء دعوته، ولم يكن يهدف من دعوته إلى تغريب المرأة العربية بقدر ما كان ينشد “تحريرها” من قيود لم تكن أبدا من صنع الإسلام وإنما من نسج عادات بالية متوارثة.

تركي الأصل مصري النشأة

وُلد قاسم أمين على الأرجح في (19 جمادى الأولى 1280هـ=1 ديسمبر 1863م) لأب تركي وأم مصرية من صعيد مصر، كان والده “محمد بك أمين” قبل مجيئه إلى مصر واستقراره بها واليا على إقليم “كردستان”.

وفي إحدى زيارات محمد بك أمين للأستانة ثارت “كردستان” ضد الدولة العثمانية وأعلنت استقلالها. عوضته الدولة عن إمارته التي ثارت بإقطاعات في إقليم “البحيرة” بمصر. وحين أتى مصر قرر الإقامة بها، وتزوج من إحدى بناتها، والتحق بالجيش المصري على عهد الخديوي إسماعيل.

وفي الإسكندرية كان مولد قاسم أمين، وتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة “رأس التين” التي كانت تضم أبناء الطبقة الأرستقراطية، ثم انتقل مع أسرته إلى القاهرة، وسكن في حي “الحلمية” الأرستقراطي، وحصل على التجهيزية (الثانوية العامة)، ثم التحق بمدرسة الحقوق والإدارة، ومنها حصل على “الليسانس” سنة (1299هـ = 1881م) وكان أول متخرجيها.

وقد اقترب قاسم أمين في تلك الفترة من حلقة “جمال الدين الأفغاني” ومدرسته الفكرية التي ازدهرت بمصر في ذلك التاريخ.

عمل قاسم أمين بعد تخرجه فترة قصيرة بالمحاماة، ثم سافر في بعثة دراسية إلى فرنسا، وهناك انتظم في جامعة “مونبلييه”، وبعد دراسة استمرت أربع سنوات أنهى دراسته القانونية بتفوق سنة (1303هـ=1885م).

أثناء دراسته بفرنسا جدد صلاته مع “جمال الدين الأفغاني”، ومدرسته، حيث كان “المترجم” الخاص بالإمام “محمد عبده” في باريس.

وفي فرنسا قرأ “قاسم” لكبار مفكري أوربا مثل “نيتشه” و”داروين” و”ماركس”، وحاول الاقتراب من المجتمع الفرنسي، وإقامة الصلات الوثيقة مع نمط حياة الفرنسيين الاجتماعي، غير أن طبيعته الشرقية الخجولة، والانعزالية التي ميزت شخصيته لم تمكناه من الذهاب بعيدًا في هذا المضمار. كما عرف في هذه الفترة الحب والصداقة مع “سلافا” الفرنسية التي زاملته في الجامعة، لكن هذه الصداقة وذلك الحب ظلا “رومانسيين”.

في سلك القضاء

في صيف (1302هـ=1885م) عاد قاسم أمين إلى القاهرة، وعين بالقضاء في النيابة المختلطة، وكان حينها في الثانية والعشرين من عمره.

تدرج قاسم أمين في سلك القضاء، حيث رأس نيابة محافظة “بني سويف”، ثم رأس نيابة “طنطا” (1309هـ=1891م)، وهناك واجهته حادثة مهمة حيث وقع “عبد الله النديم” (1259هـ=1843م – 1314هـ = 1896م) أبرز زعماء“الثورة العرابية” وأصلب قادتها في قبضة البوليس، وذلك بعد اختفاء أسطوري دام تسع سنوات، وجيء به لرئيس النيابة (قاسم أمين) فأكرم لقاءه وأعطاه مالاً من عنده، وهيأ له في محبسه أقصى ما يمكن من ظروف الرعاية والراحة، ثم قرر أن يقوم بالسعي لدى المسئولين في العاصمة كي يفرجوا عنه ويطلقوا سراحه. ونفس الصنيع كرره “قاسم” مع الطلبة المقبوض عليهم في التظاهرات، بل كان يخفي بعضهم حتى يستصدر له العفو من السلطات.

وفي (ذو القعدة 1309هـ=يونيو 1892م) عُين نائب قاضٍ في محكمة الاستئناف، ثم رُقي بعد عامين إلى منصب مستشار، وكان يومئذ في الحادية والثلاثين من عمره. ولقد عُرفت عنه طوال مدة عمله بالقضاء دعوته لجعل القضاء المصري والمحاكم الأهلية الوطنية جهة التقاضي والمحاكمة بالنسبة للأجانب الذين يعيشون بمصر، باستثناء أحوالهم الشخصية.

نشاطات وكتب

امتد نشاط قاسم أمين خارج العمل القضائي، فكتب في صحيفة “المؤيد” عددًا من المقالات دون توقيع، وأصدر كتابه “المصريون” بالفرنسية سنة (1312هـ=1894م) يرد به على هجوم الدوق الفرنسي “داركور” على مصر والمصريين، كما أصدر كتابه “تحرير المرأة” سنة (1317هـ=1899م)، و”المرأة الجديدة” سنة (1318هـ=1900م)، وشارك في نشاط “الجمعية الخيرية الإسلامية”.

وفي (رمضان 1324هـ = أكتوبر 1906م) تولى سكرتارية الاجتماع الذي عُقد بمنزل “سعد زغلول” والذي صدر عنه البيان الشهير الموجه للأمة يدعوها للإسهام في إنشاء الجامعة الأهلية المصرية(جامعة القاهرة)، ثم تولى رئاسة اللجنة بعدما عُين “سعد” وزيرًاللمعارف.

وكان آخر أعماله العامة الخطاب الذي ألقاه بالمنوفية عن الجامعة والتعليم الجامعي المرجو لمصر والمصريين. ثم فارق الحياة بعدها بأسبوع في يوم (13 ربيع أول 1326هـ = 15 إبريل 1908م).

ساعتان لزوجته

كانت حياة قاسم أمين الأسرية متسقة مع مزاجه الهادئ، وروحه الفنانة، وإحساسه الرقيق، فقد تزوج سنة (1312هـ = 1884م) من ابنة أمير البحر التركي “أمين توفيق”، وكان يخص زوجته بساعتين من وقته يوميًا وبشكل منتظم، وكان يقضي في مكتبته ثلاث ساعات يوميًّا، وأنجب بنتين هما “زينب” التي أحضر لها مربية فرنسية، و”جلسن” وأحضر لها مربية إنجليزية.

بين “المصريون” و”تحرير المرأة”

شكل الزي النسائي سنة 1899م

عندما أصدر قاسم أمين كتاب “تحرير المرأة” سنة (1317هـ = 1899م) أحدث ضجة كبرى في المجتمع المصري والمجتمعات الشرقية.. ومن أهم القضايا التي أثارت الجدل أكثر من غيرها في هذا الكتاب:

– ما أثاره عن الحجاب الذي كان يسود عالم المرأة في تلك الفترة.

– ما دعا إليه من ضرورة تقييد الحق المطلق الممنوح للرجل في الطلاق.

– نقد نظام تعدد الزوجات والدعوة إلى ضبطه وتقييده.

ومن الجدير بالذكر أن كتاب قاسم أمين “المصريون” الذي كتبه بالفرنسية والذي صدر قبل كتابه “تحرير المرأة” بخمس سنوات، يرد ويفند آراء قاسم أمين في “تحرير المرأة”، وخاصة فيما يتعلق بالقضايا الثلاث التي أثارت الجدل والعراك؛ ومن ثم فإننا عندما نقرأ “المصريون” يُخيل إلينا أن الذين يتحدثون ويبرهنون ويجادلون هم خصوم قاسم أمين وكتابه “تحرير المرأة”!!

مع الحجاب

دافع كتاب “المصريون” عن نظام الحجاب السائد لعالم المرأة الشرقية في عصره، وامتدح النظام الصارم الذي جعل المجتمع الشرقي مجتمعًا انفصاليًّا، وهاجم “تحرير المرأة” الأوربية، بل إنه غالى في تصوير مساوئ الاختلاط في أوربا، وصور نتائج الاختلاط بأنها تنتهي غالبًا بفقدان المرأة لعفتها، وتفريط الرجل في عرضه.

بينما نقض “تحرير المرأة” ما قرره صاحبه من قبل من أن الحجاب ميزة للمجتمعات الشرقية، ورأى أنه يرتبط بالعادات وليس بالشرائع، وهاجم المجتمع الانفصالي، واستنكر إمكانية ممارسة المرأة لواجباتها ومهماتها في الحياة طالما ساد الانفصال بين الجنسين في المجتمع.

الطلاق والتعدد

دافع قاسم أمين في “المصريون” عن بقاء الحرية الكاملة وغير المقيدة للرجل في الطلاق، واستنكر الآراء الإصلاحية التي رأى أصحابها ضرورة جعل الطلاق بحكم من القاضي بعد بذله الجهد لإصلاح ذات البين.

أما في “تحرير المرأة” فقد دعا لوضع القيود على الطلاق، حتى إنه طلب جعل إيقاع الطلاق من اختصاص القضاء، وصاغ مشروع قانون ليقترحه على الحكومة بهذا الشأن.

أما قضية التعدد فعلى الرغم من أنه في كل من “المصريون” و”تحرير المرأة” اشترط قيام الضرورة لجواز التعدد، فإنه في “تحرير المرأة” كان أكثر ميلاً لتغليب منع التعدد على إباحته؛ حيث تحدث عن قيام فساد في العائلات وعداوة بين أعضائها بسبب التعدد، وهو ما كان ينكره من قبل في “المصريون”.

سؤال ؟!

والمتصفح لـ”تحرير المرأة” يرى عدة فصول عرضت لرأي الشرع في قضايا الحجاب والزواج والطلاق وتعدد الزوجات، وهي تقدم عدة اجتهادات وآراء فقهية مما لم تكن من بضاعة قاسم أمين؛ لذلك نرى أن الإمام محمد عبده هو صاحب هذه الاجتهادات؛ لأنه ليس أقدر منه في ذلك العصر على الإدلاء بها وإصدارها.

التمدن الإسلامي

نعني بالتمدن الإسلامي هنا تلك الآراء والتطورات التي أبداها قاسم أمين عندما عرض للدين الإسلامي، والحضارة الإسلامية، وموقفه من القضية الهامة التي طرحت في عصره، عندما اختلف الناس في الإجابة على سؤال: هل نعود ونحن ننهض ونستيقظ إلى منابعنا الإسلامية نستوحيها ونحتذيها؟ أم نجعل وطننا قطعة من أوربا فكرًا وقيمًا وحضارة وعلمًا وعملاً؟

لم يكن قاسم أمين مصلحًا إسلاميًّا، وخلفيته الفكرية الإسلامية لا تؤهله ليكون كاتبًا إسلاميًّا فضلاً عن أن يكون مصلحًا إسلاميًّا، بل إن طبيعته الخاصة وتكوينه الذاتي كانا ينأيان به عن أن يكون الكاتب المتخصص والمهتم بأمور الدين، ولكنه مع ذلك دافع عن الإسلام في كتابه “المصريون” الذي رد فيه على هجوم الدوق “داركور”.

وإذا ذهبنا نطالع آراء قاسم أمين ونظراته الإسلامية فإننا نستطيع في نهاية المطاف أن نخرج بحصيلة يمكن بلورتها في عدد من النظرات والتقييمات، منها ما هو صائب، ومنها ما جاوزه الصواب:

– فهناك ذلك التقييم الذي قدمه لشخصية الإنسان المسلم ومكوناته الذاتية ومزاجه الحضاري، فهو يصور “شخصية المسلم” على أنه ملامح “شخصية صوفية” متواكلة وانعزالية، لا تربطها أية روابط بالواقع في الحياة.

وأقل ما يُقال في نقد تلك الصورة التي رآها قاسم: إنها أخذت ما هو جزئي ونادر وشاذ فجعلته صورة عامّة لكل مسلم.

–  أما الإسلام كدين؛ فإن فهم قاسم له كان فهمًا بسيطًا وجيّدًا -في ذلك الوقت- فالإسلام كدين عنده هو حركة إصلاح للمسيحية وتقويم لانحرافات وتحريفات الديانات التي سبقته في الظهور.

–  أما الحضارة الإسلامية، وبالذات التنظيم السياسي في هذه الحضارة، فقد اختلف إزاءه موقفه أو تغير وتطور في تقييمه لهذا الجانب؛ فنحن نلمحه في “المصريون” يميل إلى وجود “تنظيم ونظام سياسي إسلامي” كقسمة في حضارتنا الإسلامية. وهو يرجع ازدهار المسلمين وحضارتهم إلى تطابق نظامهم السياسي مع تعاليمهم الدينية، فلما أهمل المسلمون تعاليم الدين انهار كل البناء. ولكنه رجع عن هذا الرأي في “تحرير المرأة”، و”المرأة الجديدة” حيث أنكر أن يكون المسلمون قد عرفوا أنظمة سياسية في مجتمعاتهم وتاريخهم، وأرجع انهيار حضارتهم وشيوع الاستبداد بالمرأة في تاريخهم إلى افتقادهم لهذه الأنظمة.

ونحن نعتقد أن هذا التقييم الذي أعطاه لقسمة الأنظمة السياسية في حضارتنا تقييم ظالم غريب جانبه الصواب؛ لأنه لم يفرق بين “الحضارة” و”التاريخ”، كما أنه لم يلتفت إلى دراسة الحركات الفكرية والتيارات الثورية وأحزاب المعارضة التي استمرت طوال عصور التاريخ الإسلامي، تجاهد كي تضع في التطبيق ثمرات اجتهاد هذه الأمة الفكري في القانون والشورى والعدل الاجتماعي.

–  أما “نوع” الحضارة التي يدعو قاسم أمين قومه إليها ويحبذ أن تكون طريقهم لتجاوز التخلف، فقد حسم خياره بعد تردد في “المرأة الجديدة” عندما قرر أن التمدن الإسلامي ليس فيه حضاريًّا ما يصلح للعطاء المعاصر!!

اقرأ أيضًا: