د. سعيد اللاوندي   **

ثمة تناقض بيّن يلحظه الدارسون لفكر عبد الرحمن بدوي، وهو أنه بدأ حياته “وجوديا يروّج للفكر الوجودي في الشرق عبر مؤلفاته وترجماته الكثيرة، ثم انتهى في أخريات أيامه مدافعًا عن الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم عبر كتابين نالا شهرة ذائعة وتُرجما لعدة لغات.

الكتاب الأول: دفاع عن محمد صلى الله عليه وسلم ضد منتقديه.

والثاني: دفاعه عن القرآن ضد الطاعنين فيه.

وأشهد أن د. بدوي نفسه كان سعيدًا بتأليفه لهما، فأذكر أنه قادني من يدي ذات مرة في باريس لنذهب إلى مكتبة تطلّ على نهر السين لكي أرى بنفسي الكتابين.

ما هي الوجودية؟

تعتمد الوجودية أساسًا على تعظيم الفردية واعتمادها أساسًا لحياة الإنسان، وإلغاء أي شيء يحدّ من حرية الإنسان مهما كان، سواء أكان تجارب السابقين أو نظرياتهم أو حتى الغيبيات، ومبدأهم المشهور “عش كأن لا إنسان عاش قبلك، وكأن لا أحد سيعيش بعدك”، والنصف الثاني من المبدأ يحمل معنى عدم الاهتمام بترك نظريات أو إرساء قواعد، وإنما هو العيش فحسب.

ورغم الاختلاف حول هذا التحول في فكر الرجل فإنني أميل إلى أنه ليس ثمة تعارض بين التوجهين – الوجودية والإسلام – في حياة الرجل، وهذا ما يؤكده د. بدوي – في حديث معي: “إنني أزحف منذ بداية حياتي الفكرية على جبهتين، جبهة الفلسفة العامة بما فيها الفلسفة الوجودية، وجبهة الفكر الإسلامي. ولا أراني ظلمت جبهة على حساب الأخرى”، فهو يكتب عن نيتشه، وشوبنهور، ويضع كتابًا مهمًّا بعنوان: “دراسات وجودية”، ثم في الوقت نفسه يكتب عن “روح الحضارة العربية”، و”أثر التراث الإسلامي في الحضارة اليونانية”، إضافة إلى كتب فريدة تتحدث عن “خريف وربيع الفكر اليوناني”، و”تاريخ الإلحاد في الإسلام”، و”شخصيات قلقة في الإسلام”، و”أفلاطون عند العرب”… إلخ.

ويعتبر “بدوي” – بالرغم من ولعه بالفلسفة الوجودية – بعيدًا عن بؤرة الدين، فأطروحته العلمية التي حصل بها على الدكتواره تضم مراجعها أعمال كبار الفلاسفة الوجوديين “المؤمنين” مثل جابرييل مارسيل، وباسيرز، وكيركيجارد.. أي أن بدوي محسوب على الشق الوجودي “الإيماني” وليس الشق الوجودي “الإلحادي”.

دفاع عن القرآن

إذن فعبد الرحمن بدوي يواصل نضالاته على الجانبين حتى وصل إلى كتاباته الدفاعية عن محمد صلى الله عليه وسلم والإسلام، وكتاباته الأخرى التي حاكم فيها – حسبما ذَكر لي – عشرة من المستشرقين الذين تناولوا قضايا الإسلام وثقافته وحضارته. وقد ساعد د. بدوي على القيام بهذه المهمة الصعبة إتقانه التام لعدد من اللغات أهمها اللاتينية (لغة العلم) واليونانية (لغة الفلسفة) إلى جانب الإنجليزية والفرنسية والألمانية والأسبانية.

كان د. بدوي قد وصل إلى حد الاستغراق بأوضاع الإسلام والمسلمين في العالم، وأذكر أنه حين طالع مقالة لسلمان رشدي بجريدة لوموند الفرنسية.. انفجر سبًّا في “هذا الفاجر – هكذا وصفه – الذي جنده الغرب للطعن في الإسلام حتى يقال: (وشهد شاهد من أهل الإسلام)!”.
واستطرد يقول: “إن سلمان رشدي ليس مسلمًا، ولم يكن يومًا مسلمًا، لقد التقط السم المدسوس له من قِبل الغرب”.

وأذكر أني سألته في ذلك الوقت:
هل يعني ذلك صحة المقولة التي تذهب إلى أن الغرب وضع الإسلام مكان الشيوعية التي انهارت، وجعله العدو الأول؟
فأجاب: “ليس في هذا شك”.

الكتابات الغربية عن الإسلام

كان يزعجه كثيرا الكتابات الغربية المتعجلة التي تتناول الإسلام، وكان يقول: لقد كرست كل جهودي في السنوات الأخيرة للدفاع عن الإسلام والتصدي بالتفنيد والتحليل لكل الكتابات الغربية المغرضة، لكن أحدا في عالمنا الإسلامي لا يدري أو يكاد يحفل بما أكتبه، لأني أختلف عنهم في تحليلي ومذهبي وعقلانيتي!!، والمؤسف أنهم – سامحهم الله – لا يحفلون إلا بكتابات ساذجة تضرّ الإسلام أكثر مما تفيده وينفقون في ذلك الأموال الطائلة.

وحدثني د. بدوي في حزن الشديد لأن يعطي كل “من هبّ ودبّ” من الغربيين لنفسه الحق في الحديث عن الإسلام.

وذكر أنه تألم كثيرا لأن باحثا يهوديا يدعى أندريه شوراكي قام بوضع ترجمة للقرآن الكريم واعتبرها بدوي “عارًا” على الترجمة والمترجمين في كل زمان؛ لأنها مليئة بالاعتداءات الصارخة على قداسة النص القرآني؛ فشوراكي هذا استوحى معانيه ومدلولاته في الترجمة من ألفاظ إباحية كان من نتيجتها أن حفل النص المترجم بتعبيرات فاضحة؛ فكلمة “الحمد” – مثلا – جعلها هذا المترجم مرادفة “للرغبة الجنسية”!.

بدوي يكفر بالغرب وآله

ولن أنسى ما حييت أن د. بدوي في سنوات عمره الأخيرة تولدت لديه “عقدة” ضد كل من يتحدث عن الإسلام في الغرب، وعندما سألته: لماذا؟ أجاب: “لأن الغرب فيما يتعلق بالإسلام يكيل – ليس بمكيالين فقط ولكن – بعشرة أو ربما بمائة مكيال، فهو أكثر عنصرية ووحشية مع الإسلام مما يمكن أن يتصور، وإذا أردت الدليل فاذهب إلى الكتابات التي تحيط بنا، لتجد عشرات الكتب التي تنفث سمًّا ضد الإسلام، وتساءل د. بدوي قائلا: أين نحن من كل هذا؟
ثم أجاب عن تساؤله بلهجة لبنانية ساخرة: نحن لا “هون”، ولا “هون”.

وأذكر أن د. بدوي – بعد أن ناقشته طويلاً في قناعته الخاصة بعلاقة الغرب بالإسلام – أخذني من يدي وصعِد بي إلى الطابق العلوي في إحدى المكتبات بالحي اللاتيني في باريس، وبعد أن بحث قليلا بين رفوف الكتب انتزع كتابا ووضعه أمام عيني وهو يقول في غضب:
انظر، هذه هي عينات الكتب التي يحرص الغربيون على إبرازها وترجمتها؟
فدققت النظر في الكتاب فإذا هو عبارة عن مجموعة من المقالات لنفر من الكُتّاب العلمانيين أمثال فرج فودة وسعيد عشماوي وفؤاد زكريا، جمعها وترجمها من العربية إلى الفرنسية المستشرق الفرنسي المعروف جيل كييل.

مؤلفات بدوي في جامعة السوربون

وينبغي أن نشير إلى أن مؤلفات د. بدوي التي تزيد عن 120 كتابا في شتى صنوف المعرفة الفلسفية والاجتماعية تعدّ مراجع أساسية للولوج منها إلى الفكر العربي والإسلامي، خصوصًا تحقيق التراث الذي أفنى جانبا مهمًّا من حياته البحثية والأكاديمية فيه. ولأنه كان “رائدًا” في هذا المجال – مجال التحقيقات التراثية – فقد اعتمدت جامعة السوربون العريقة في باريس عددًا من مؤلفاته لتكون مادة يتوجب تدريسها للطلاب المتعمقين في فلسفة العصور الوسطى.

وأذكر أن كتاب “النفس” لابن سينا وكتاب “أفلوطين عند العرب” كانا على رأس الكتب التي تناولها الأساتذة بالشرح لنا في السوربون في أوائل الثمانينيات.

تقدير الفلاسفة للرجل

تحدث كبار الفلاسفة عن الرجل بحفاوة عظيمة، ومما قاله المفكر الجزائري “محمد أركون”: إنني أحسد هذا الرجل على قدراته العقلية والذهنية الجبارة، وهو يجبرني على احترامه وتقديره في كل عمل أقرؤه له، وكلها صعبة يحتاج الواحد منها إلى جهد كبير لإنجازه”.
وذات مرة جمعني لقاء مع شيخ المستشرقين الفرنسيين الراحل جاك بيرك وتطرق الحديث إلى عبد الرحمن بدوي، فعلق بيرك:

“إنني أقدر عبد الرحمن بدوي كثيرًا، وكنت في كل مرة أنتهي من وضع كتاب لي حول الشرق والعرب والإسلام أعطيه إليه كي يراجعه، وظل هذا الحال طويلا حتى سافر د. بدوي إلى بيروت”.

واليوم، وقد رحل عنا عبد الرحمن بدوي بجسمه ولم يبق لنا سوى تراثه الثري والمتنوع، فليس أقل من أن نسعى جميعا لإعادة اكتشاف الفيلسوف المتفرد الذي اختار حياة الغرب منذ النصف الأول من الخمسينيات وظل بعيدًا عن الوطن لنحو نصف قرن لم يزر مصر فيها سوى ثلاث مرات، أما المرة الرابعة فهي التي جاء فيها ليموت بين أهله ويدفن في ثراها الطيب.

اقرأ أيضًا: