الأخ السائل..
أهلا وسهلا بك، ونشكرك على ثقتك في صفحتنا مشاكل وحلول للشباب، إن مشكلتك يا أخي السائل ليست واضحةً ولا أكيدة كما تعتقد، بل قد تكونُ أبسط بكثير مما تتصور، وأحب أن أؤكد لك منذ البداية خطأ -بل زور وبهتان- الفكرة القائلة بأن الجنسية المثلية هي شيء نولد به!

وأنا أقول لك هذا الكلام برغم تعارضه وتناقضه مع ما تقوله مدارس الطب النفسي الغربية “العلمية المحايدة” كما يدعي أصحابها، وأنا مسئول عما أقول، وحسبي الله، فليس هناك من يولدُ مثليا، حتى ولو أقامت وسائل الإعلام ودوريات الأبحاث الطبية في الغرب الدنيا وأقعدتها صائحة بغير ذلك؛ لأن الكلام عن جين المثلية ليس أكثر من كلام يفتقر تماما إلى العلمية!

فرغم أنهم قد أكملوا خريطة الجينوم البشري؛ فإن المفهوم فيه ومنه حتى الآن أقل بمراحل شاسعة من غير المفهوم، خاصةً فيما يتعلق بالسلوك البشري، وكل طبيب نفسي يعرفُ أنه رغم وجود عامل الوراثة في الاضطرابات النفسية، وظهوره كأحد أسبابها قويا أحيانا وضعيفا أحيانا أخرى؛ فإن سبب ظهور أعراض أي اضطراب نفسي في إنسان ما في مرحلة من حياته لا يمكنُ إرجاعه ببساطة إلى سببٍ واحد، لا من الناحية الوراثية ولا من غيرها، وإنما هناك تفاعل عوامل عديدة دائما، وتفاعل بين متغيرات شتى داخل كل عامل، حتى إن الشائع في وراثة المرض النفسي هو القول بأنها وراثة متعددةُ العوامل Multifactorial.

أقول لك كل هذا الكلام لكي لا تقول لي ولا لنفسك مرةً أخرى “إن هذه خلقة!”، فصحيح أن هناك من يولد مختلط الجنس أي خنثى وله أحكام فقهية خاصة به في الإسلام، لكن ليس هناك من يولد مثلي التوجه الجنسي بحكم الجينات أو تركيبة المخ أو غير ذلك.

ومن المهم أن أنبهك أيضًا إلى نقطتين في منتهى الأهمية فيما يتعلق بالتوجهات الفكرية الغربية الشائعة نحو الجنسية المثلية؛ لأن الذي حدثَ هو أن العلمانية الغربية في مواجهة ضغوط جماعات معينة تحاول منذ زمان بعيد في إطار البعد عن الكنيسة و الثورة على القيم الدينية بوجه عام أن تبحثَ عن تفسير للميول أو الممارسات الجنسية المثلية يجعلها مقبولةً سواء من صاحبها أو من الآخرين، وبالتالي غير مولدة للشعور بالذنب، ولا للتمييز الاجتماعي، وقد أجريت تلالٌ من الأبحاث والدراسات من أجل تقديم الدعم لمثل ذلك التفسير؛ فبدءًا من جين المثلية الذي ثبت عدم مصداقيته، ومرورا بالدراسات التي حاولت إرجاع الخلل إلى الهرمونات، حتى الوصول إلى الدراسات التي حاولت إيجاد فروق تركيبية أو تطورية في المخ بين ذوي الميول الجنسية الغيرية وذوي الميول المثلية، كل هذه التلال من الدراسات أفضت إلى أنه لا يمكنُ اعتبار الجنسية المثلية قدرا لا مفر منه، ولا خلقةً نولد بها! وهذه هي النقطة الأولى.

وأما النقطة الثانية فتتعلق بأن سبب التوجه السائد في الطب النفسي الغربي الحديث وهو اعتبار الجنسية المثلية انحرافا طبيعيا (أي داخل نطاق الاختلاف الطبيعي) عن الميول الجنسية السائدة (أي الغيرية) سببُ ذلك التوجه لم يكن أن البحث العلمي قد وصل إلى نتائج أكيدة (لأنه أصلا لا يصل إلى نتائج أكيدة، وإنما إلى نتائج قابلة للتكرار في نفس الأحوال والظروف) تشير إلى كون الجنسية المثلية قدرا نولد به ونعيش به، وأي باحث في هذا الموضوع سيصل إلى نفس النتيجة، وإنما كان السبب في ذلك هو الاستجابة لنوعين من الضغوط: الأول مشهور ولعلك استنتجته، وهو ضغط جماعات المثليين المنتشرة في الغرب، سياسيا واجتماعيا وعلميا؛ فهم ذوو نفوذ بالفعل، وأما النوع الثاني من الضغوط وهو الذي يهمنا أكثر لأنه يوضح أكثر ويفضح كذب الغرب أكثر.. أتدري ما هو؟

إنه ضغط المشتكين من وجود ميول أو ممارسات جنسية مثلية على الدوائر الطبية، وشركات التأمين الصحي الذي يشمل العلاج النفسي بأنواعه في الغرب؛ فقد كان هناك ضغط هائل من طالبي العلاج؛ لأنهم غير راضين عن ممارساتهم، وبعض هؤلاء الطالبين للعلاج غير دينيين أصلا، ولكنهم لا يرون ما بأنفسهم طبيعيا، وأغلب ممارسي الجنس المثلي مكتئبون، وهذا رغم الثقافة الليبرالية العلمانية السائدة هناك، ولما لم يكن لدى الطب النفسي الغربي من علاج ناجع أو معقول التكلفة يقدمه لهذه المشكلة؛ فإن الحل الذكي كان أن نعتبر الميول المثلية شكلا من أشكال الاختلاف المقبولة أو التي يجبُ أن تكونَ مقبولة بين البشر، وأنه لا حاجة لاعتبارها مرضًا، ولا حاجة للعلاج من لامرض! ولا قيمة للتحريم الموجود في التوراة طبعا؛ فالعالم عالم علماني، وهكذا استراحت مؤسسات الدول من تكاليف التأمين الصحي المطلوبة لعلاج قطاعات كبيرة من المجتمع بخدعة ترتدي مسوح العلم وفرت على خزائن هذه الأقطار مليارات الدولارات، وعندهم أنه طالما يتحقق النفع المادي فلتذهب الأخلاق، بل والأمانة العلمية نفسها إلى الجحيم!!

وأما من يشتكي هناك بعد ذلك ويطرق باب الطبيب النفسي فإن على الطبيب أن يبين له أنه لا داعي للشعور بالذنب؛ لأنها خلقة! فإن أبى التخلص من شعوره بالذنب، فإنه يعتبر مكتئبا، ويجب على الطبيب النفسي علاجه من اكتئابه، لا من ميوله المثلية! وأجد من المناسب الآن أن أحيلك إلى الروابط التالية:
الخروج من سجن المثلية: ما ظهر وما بطن!
الميول الجنسية المثلية : الداء والدواء
سجن الميول المثلية: قضبان وهمية!
الشعور بالذنب قد يكونُ مفيدًا!
الجنس الثالث والنفس اللوامة

إذن فنحن نرفض اعتبار أغلب الطب النفسي الغربي للمثلية بوصفها أمرا طبيعيا، نرفض هذا الكلام، ونعرضُ عمن يقوله أولا؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يطالب خلقه بما لا يستطيعون، بسم الله الرحمن الرحيم (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ…) (البقرة:286)، ولو أنه سبحانه يخلق بعض الناس مثليين لما حرمت الممارسات المثلية فهذا نؤمن به، وثانيا نرفض هذا الكلام لأننا بالبحث والمتابعة وتقصي حقيقة الأبحاث التي تنشر من حين لآخر لتضفي الطبيعية على الشذوذ نجد أنه ليست في تلك الأبحاث لامنهجيةٌ علمية محايدة في طريقة البحث، ولا حتى نتائج قاطعة لا تقبل الجدل!

وربما تقول لي إنك من تلقاء نفسك ترفض أن تكونَ مثليا لأنك مسلم ومتدين، فأقول لك إنني أردت من كل ما ذكرته لك أولا أن أسدّ مداخل الشيطان على وعيك، وثانيا لكي أبين لك خطأ ما تقوله في إفادتك: “قررت عدم التفكير في الموضوع، ولكن الموضوع صعب؛ فأنا مثلا إذا رأيت صورة امرأة عارية لم أتأثر بأي شيء، وعلى العكس إذا رأيت شابا عاري الصدر أشعر برغبة جنسية شديدة”..

فأولا ليس الحل هو عدم التفكير في الموضوع؛ لأن عليك أن تفكرَ، وأن تبحث عن علاج للمشكلة.

وثانيا ليس معنى أن جسد المرأة العاري لا يثيرك بينما تثيرك صورة الشاب عاري الصدر.. ليس معنى ذلك أنك شاذ جنسيا بالمعنى العلمي الكامل للكلمة، وليس معنى ذلك أنك شاذ جنسيا بالمعنى العلمي الكامل للكلمة، وليس معنى ذلك أن الموضوع صعب، ولا أنك لا حل لمشكلتك، بل يكفيني هنا أن أذكر لك أن هناك مجتمعات بشرية لا توجد في لغتها كلمة تصف الممارسة الجنسية المثلية؛ وهو ما يعني أنهم لم يعرفوها، وأذكر أيضًا أن ظاهرة المثلية الخالصة (أي الذكر لا تثيره إلا الذكور، أو الأنثى لا تثيرها إلا الأنثى) هي ظاهرة تقتصر على البشر (فهناك لعب جنسي مثلي بين الحيوانات، لكن لا توجد مثلية خالصة أبدًا في الحيوان)، ولها علاقة نفسية معرفية باتخاذ مواقف اجتماعية من الميل الجنسي المثلي، ولتفسير حدوث مثل هذا التوجه (المثلية الخالصة) توجد آليات نفسية عديدة؛ بعضها رد فعل لظروف النشأة أو غيرها، وبعضها رد فعل لمواقف اجتماعية معينة. المهم أنها ظاهرة تقتصر على بعض البشر المصابين باضطرابات نفسية معرفية أثرت على ميولهم الجنسية، وبالتالي فالأمر له أسبابه وله علاجاته أيضا.

أصل بعد ذلك إلى تأكيدي على قولك:
إن عليك أن تصبر وأن تحتسب، ولكن في سبيل العلاج؛ لأن العلاج المناسب لحالات الجنسية المثلية يحتاج إلى صبر؛ لأن الطبيب النفسي المسلم لا يستطيع أن يطلب مثلا من المريض المثلي أن يبحث عن فتاة ليل أو صديقة ليجرب معها؛ فهو بهذا يطلب من مريضه معصية قد يرفضها المريض نفسه، وهذا التجريب مع أي أنثى هو أحد المراحل المهمة في برامج العلاج الغربيةالتي مازالت ترى أن الشذوذ مرضا.

وأما محاولاتنا نحن الأطباء النفسيين المسلمين لوضع برنامج صالح للتطبيق على المسلم الملتزم فما تزال في طور التشكل والتطوير، ولكن إرهاصاتها مبشرة بكل خير إن شاء الله، واقرأ ما يظهر تحت العناوين التالية، ومن بينها ستجد وصفا مفصلا لمراحل البرنامج العلاجي السلوكي المعرفي للجنسية المثلية:
عكس التيار: البعض يريد، فلنسبح هكذا
عتاب وشكوى وميول مثلية
أريد حلا: سجن الميول المثلية: بوادر الانعتاق

وأما خبرتنا الشخصية فتشير بوضوح إلى نجاح الصادقين في رغبتهم في الخلاص إذا هم التزموا وأصروا على طاعة ربهم، إذن مطلوبٌ منك ومن الطبيب النفسي الذي سيسير معك مسيرة العلاج أن تصبرا وتحتسبا وتجتهدا في فهم وتطبيق ما هو متاح من برامج العلاج، وما زالت قلوبنا وعقولنا مفتوحة لتقبل الآراء والاجتهادات النافعة من كل المسلمين، بل وغيرهم أيضا، وأهلا وسهلا بك دائما فتابعنا بالتطورات الطيبة .

أ.د. وائل أبو هندي