د. مازن موفق هاشم

Image

من أجل أن نفسر التوتر السني الشيعي من منظور سنن الاجتماع البشري، ينفع أن نركّز على وجهين للمسألة: وجه صورة التاريخ المسلم الذي يذكي المخيال الجماعي ووجه واقع فعاليات الأقلية/الأكثرية المعاصر.

المخيال التاريخي

رغم اشتراك السنة والشيعة في تاريخ مسلم واحد فإن كل فريق يفسّره من زاوية معينة ويعتمد محكّ تقييمٍ مختلف، اختلافا إلى حد التقابل في بعض الأحيان. ففي حين تعتزّ الأكثرية السنية بعصور التمكن الإسلامي (أمويين عباسيين… إلخ)، ترى الأقلية الشيعية أنه زمن الظلم لسارقي الخلافة من مستحقيها الأطهار الذين قطعت النصوص بحقهم بها. ورغم أن الموقف الرسمي السنّي هو أن عليّا كان على الصواب فإن المسألة بالنسبة لجموع السنة ليست أحقية الخلافة وإنما النتائج التي ترتّبت عليها.

إن التاريخ المسلم للضمير السني هو عصر علماء المذاهب وعصر المكتبات العامة والتعليم المجاني وحركة التأليف والترجمة واستيعاب عطاء الحضارات الأخرى وتطور سبل الإدارة والخدمات. أي أنه لا تتعلق جموع السنة بمجرد شخصيات الخلفاء الذين حكموا وإنما بالنتائج الإسلامية الإيجابية التي تيسّرت على أيديهم.

والاعتزاز الخاص بعمر بن عبد العزيز يؤكد هذه الدلالات. إنه يؤكد على رفض الضمير السني للقصور أو الفسوق الشخصي للخلفاء والتعلق بالإنجازات الإسلامية التي جسدتها، أي تجسيد سياسات عمر بن عبد العزيز. ولكن بالمقابل فإن العين الشيعية لا تتطلع بهذا الاتجاه وإنما تركز على مسألة اختطاف الولاية الموصاة -حسب رأيهم- وتعقّب وقمع الذين تابعوا إحياء هذه الفكرة.

إن استدعاء التاريخ وانتقاء شواهد كيفية منه لا يصح حجة ودليلا. وكثيرا ما يشار اليوم إلى ارتباط شيعة اليوم بصفويّي الأمس. إن أثر الصفويين (وهم أتراك أصلا) على التشيّع معروف، ففي عصرهم اكتسبت كثير من طقوس التشيع في حركة تسييسيّة لتثبيت الحكم الصفوي (وتضمّن هذا قمع الأكراد السنّة).

ولكن في تبنّيهم وتشجيعهم الطقوس الشيعية كان الصفويون يضاهئون منافسيهم العثمانيين الذين سبقوهم في التسييس البيروقراطي للتسنّن (بنزعة صوفية ظاهرة). ولكن يلزم القول إن أثر التنافس بين هذين الكيانين السياسيين على مشاعر الشعوب المسلمة يومها هو موضع استفهام. وذلك لأن التصوّف ونمط التديّن السكوني في جسم الأمة المسلمة يومها كان شائعا وعاما لا بدّ، وأن شكّل آليات تواصل شعبية هامة ربما فاقت في أثرها أثر الاصطفاف السياسي بين مملكتين.

إن الأصوب من الرجوع إلى عهد الصفويين (1501-1722) في تفسير الظهور الشيعي الإيراني اليوم الإشارة إلى فترة التخلخل السياسي لما يزيد عن مائة سنة في حقبة القاجاريين (1799-1925)، ومواقف وأفكار العلماء الشيعة في هذه الفترة والفترة التي تلتها، فترة الشاهات ممثلي مصالح الغرب. لقد كانت فترة القاجاريين هي التي تمرّس فيها علماء الشيعة ورياداتهم الشعبية على السياسة، في حين كان علماء السنة ورياداتهم في غياب كبير عنها، إذ كان لهم دولة تقوم بهذا العبء نيابة عنهم.

إن صياغة المسألة من زاوية هجوم قومي فارسي يجب أن يُقابل بقومية عربية أمر يثير العجب، وذلك لأنه إذا صحّ فإنه ليس للعرب -كقومية من غير إسلام- شيءٌ يفتخرون به، في حين أنه كان للفرس حضارة وشأن. وإنه ليس عندي شك بأنه إذا تحصّل لإيران ما ترجوه من بسط النفوذ فإنه سوف يخالطه –حكما– تبختر قومي؛ وهذا متوقّع حتى لو حصل تحت الريادة الدينية الشيعية؛ لأن مستلزمات استنفار القوى تستدعي إشراك كل الإيرانيين وخلط خطاب التحريك بنكهة قومية.

ولكن شبيه هذا الأمر سيحصل لو بسطت تركيا نفوذها؛ وقريب من هذا ما سيحصل لو تمكن العرب من بسط نفوذهم على الجوار غير العربي. إن نزوع الدول للهيمنة السياسية الإقليمية أمر مشهود له تاريخيا ويتجاوز المسألة المذهبية وإن كان يصطبغ بلونها.

إنه لا بد للتحليل المتأني للتوترات من أن يأخذ بعين الاعتبار العوامل الاقتصادية والسياسية
والاجتماعية والجغرافية، وليس مجرد البعد الثقافي أو المذهبي. فمثلا لا يمكننا الحديث عن الشيعة في لبنان من غير وضعه في سياق دولة غير مستكملة لعوامل الاستقرار السياسي، تحوي على تعدد فئوي مسيّس وتتحرك ضمن أطر ومؤسسات صاغتها فترة الاستعمار أُعطيت فيه الحظوة لفئات معينة وأُهمل فيها ريف الجنوب بالخصوص.

إن الحديث عن الحراك الشيعي في لبنان لا يمكن أن يتجاهل كونه حراك مهمشين اجتماعيا يُنظر إليهم شذرا على أنهم –كمجموعة– لا ترتقي إلى مستوى المتغرّبين ممن استأثروا بمواقع الريادة السياسية واستجروا لأنفسهم حظوات اقتصادية. وبشكل عام يتطلب تحليل واقع اليوم أن يستحضر إرث الاستعمار الذي رسم الحدود ووزّع المصالح.

منظور علاقات الأقلية بالأكثرية

ما إن تواجدت أقلية وأكثرية في فضاء اجتماعي واحد إلا انقدحت فعاليات خاصة لها علاقة بالوزن العددي والنوعي لهاتين الكتلتين. وهذه سنة من سنن الوجود البشري تجدر متابعتها ورصدها؛ لأنها تساعد على إبعاد التفسيرات الاعتباطية والاتهامية، كما تساعد على فهم تطور الأيديولوجيات التي تُعزى إليها عادة كل أسباب الخلاف.

فبحكم أن الأكثرية هي الأكثرية فإنها تفرض لونها وصبغتها على الجو العام، ويصير رسمُها هو النمط السائد المحتفى به والذي يستحق الاحترام ويأخذ موضع القدوة والمثال. ويخفت صوت الأقلية إلى درجة يشعر فيها أهلها أن وجودهم يتوارى تحت جنح الظلام، فلا اعتبار ولا احترام ولا تقدير لظروف الناس المختلفة وتباين احتياجاتهم. 

وإن من أكثر ما يتحسس منه الشيعة وينزعجون منه هو تهميشهم وعدم اعتبار رأيهم وكأنهم غير موجودين. وبالمقابل فإن من أهم ما يميز موقف الأكثرية الغالبة هو أنها تركّز على سياستها العامة ولا تلتفت إلى شواردها على الأطراف وتعتبرها استثناءات لا تستدعي الذكر ولا تخدش في صفاء الصورة الكلّية.

ولكن هذا بالذات ما تعيب عليه الأقليةُ الأكثريةَ وتعتبره غفلة قبيحة، وتعتبره في ساعات الأزمات تجاهلا خطيرا ربما لا يخلو من الخبث. ومثال ذلك اليوم انزعاج الشيعة مما يسمونه “صمت الأكثرية” وعدم رفضها لعمليات التفجير التي توجّه نحو أسواق ومساجد الشيعة في العراق أو الاعتداءات في الباكستان. والمفارقة أن السنة تتعجب من هذه الاعتراضات ولا ترى مبررا لها لأن التيار العام السنّي يرفض تلك العمليات بشكل واضح قاطع.

ويمكن أن نركّز على ثلاث حالات متأزمة من علاقات الأقلية الأكثرية:

أولاً: هناك حالة التهميش التي تمجّها الأقلية، والتي ربما تقبل مقتضياتها مع مرِّ الزمن أو تستمر في رفضها. فمثلا يمكن أن تختار الأقلية لنفسها درجة عالية من العزلة تجعلها ذات تمحور ذاتي عالٍ، وهذا يمكن أن يقود بعض الأفراد إلى كره النفس أو إلى رمي هذه الطبقة من الهوية ومحاولة الانخراط في الهوية الغالبة.

ولكن هذا لا يحدث عادة للأقلية التي عندها مخزون فكري عال. وفي حالة أقليات الشيعة فإنها غالبا ما اختارت عزلة جزئية تحفظ فيها خصوصياتها وتنخرط فيما عدا ذلك بالجو السائد وتتشارك مع المجموع في هوية عامة (السياق الوطني في الدولة الحديثة). وهذا مفهوم في حالة الشيعة بسبب توفّر المخزون الثقافي الفكري ومساهمة التشيع في العطاء الحضاري المسلم وكونه جزءا لا يتجزأ منه.

الحالة الثانية: هي حالة الظلم أو الشعور بالظلم:

وقد يتجلى الظلم على المستوى الاقتصادي في الحرمان من الفرص، أو المستوى السياسي في المنع من المشاركة، أو على المستوى الاجتماعي في الحرمان من المنزلة. ويمكن أن يحصل الظلمُ من غير نيّة واضحة أو عزم ماض عليه.

ويكره البشر الظلم -فطرة- ويقاومونه بشكل أو بآخر. وكما هو معروف فإن الشعور بالمظلومية يشكل أساسًا ركينًا في الهوية الشيعية، حيث إنه -بنظرهم- ليس ظلما عابرًا بل هو ظلم لم ينقطع طوال التاريخ المسلم. وبالمقابل يرى أهل السنة أن دعاوى الظلم مبالغ فيها وأنها نتيجة التقوقع الطائفي لا سببا له.

الدرجة الثالثة هي حالة الاضطهاد، وهي حالة متقدمة من الظلم. ويتميز الظلم الاضطهادي بأنه يتجاوز مجرد الاستغلال النفعي ليأخذ طابعا انتقاميا يملؤه الكره وقصد التشفي، ويتّبع وسائل مخططة ومقصودة قد تصل إلى حدِّ سحق الآخر وتصفيته وليس مجرد إسكاته وتأديبه. وشعور الاضطهاد ليس غائبا عن الهوية الشيعية، بل هو ناظم عام لها، وهو ما يثير حفيظة السنة الذين يرون فيه مبالغات لا تستقيم مع منطق ولا تقوى لها حجة. ويرى السنة في دعاوى الاضطهاد دليلا آخر على التمحور الطائفي للشيعة الذي يعزز التقاطع بالافتراء الظالم على تاريخ الأكثرية.

وإذا انتقلنا من التاريخ إلى الواقع المعاصر فإن استحضار عقدة المظلومية جعل بعض الشيعة يقرن أهل السنّة –في خلط قبيح- بالبطش الصدّامي اللاديني الستاليني، الأمر الذي يجرّ بعض السنة لأن يدافع -نكاية- عن سفّاح الماضي بأنه “مؤمن”.

إن من طبيعة العنف أن يُدخل في حلقة اتهام مفرغة وأن يدفع المضطهدين إلى التجني الذي ليس له صبر التمحيص. وإنه يمكن أن تصل تداعيات اضطهاد الهوية وثورتها إلى حدٍّ يهدر كل الثوابت الإنسانية -لا سيما عند الاعتداء على الرموز التاريخية والدينية– ويُبرّر السلوك الوحشي عندها على أنه جزاء وردٌّ على الجريمة المعنوية في هتك قداسة الرموز. وحين يلمُّ غمُّ الاضطهادُ بأقلية تصبح أكثر قبولا لمنطق انتهاز فرصة الخلاص ولو كان ذلك في تعاون مع قوة خارجية، بناء على أنه تكتيك لا أكثر.

القواعد المشتركة

تشترك كل التوجهات والمذاهب والمشارب الإسلامية على مستويات منهج التصور والقيم الكبرى والفلسفة الاجتماعية. فمنطلق التوجه الإسلامي المغروز في عقيدة الخالق الواحد الفرد الصمد يرفض الطاغوت وينبذ الخرافة، إذ لا يرى تعارضا بين إرادة الخالق والسنن الكونية المخلوقة. وتشترك التوجهات الإسلامية كلها في القيم الكبرى، مثل كون التقوى والعمل الصالح أساس قيمة الفرد، والمسئولية الفردية يوم القيامة، والمسئولية الجماعية في إقرار الحق وإبطال الباطل، والإشادة بقيم الأسرة والأمومة والعفة والطهارة.

 وتشترك جميع التوجهات الإسلامية –على اختلاف مشاربها- في إعلاء مفهوم العدل وتعظيم أمر الرحمة والتوجه نحو الوسطية والتوازن وتقدير قيمة النية في سلوك الإنسان. وتشترك كل التوجهات الإسلامية في نزعة جمالية روحانية متعالية.

لقد بدأ الخلاف الشيعي السنّي خلافا سياسيا وتطور إلى أن أصبح خلافا مذهبيا طائفيا، فإما أن نردّ الخلاف لأصله في محاولة صياغة نظرية حكم معاصرة أو أن نبقى في ظلام الشتائم. إن خيارنا نحن مسلمي اليوم التوجه نحو بناء مشروع حضاري يجتمع على الخطوط العريضة للإسلام ثم نختلف في تنزيلها وتطبيقها وملاءمتها للواقع، أو أن نبقى متسوّلين في ثنايا الحضارات الأخرى، والله تعالى أعلم.


باحث في علوم الاجتماع.