الأخ العزيز..
أهلا وسهلا بك على مشاكل وحلول، وعساك بعد قراءة هذا الرد الذي أسأل الله أن يوفقني في تسديده وأن يهديك إلى العمل بما فيه، عساك تندم على التردد الكثير -والمضيع للوقت بالتالي- في إرسال المشكلة إلينا، ولا داعي للاعتذار عن طول الرسالة فقد ذكرت تفاصيل مهمة بحذافيرها، وقد اشتقت أنا لقراءة تفاصيل الموسوسين؛ فالموسوس خير من يتردد في البوح، وخير من إذا ما باح فصل ووضح، حياك الله إذن على مشاكل وحلول.

تقول إن المرض بدأ معك من سن العشرين، ولكنني أملك رأيا آخر هو: أنت على أغلب الظن منذ البداية موسوس، أي أن استعدادك للوسوسة موجود معك منذ الطفولة وربما بدت علاماته السلوكية أو المعرفية عليك ولم ينتبه أحد، ولتعرف ويعرف أصدقاء صفحتنا تلك العلامات اقرأ عن الوسواس القهري في الأطفال، أو ربما لم يرَ أحد أصلا أكثر من أنك طفل دقيق ومنظم أو قلوق ومتعجل إلخ ذلك، لكن الشاهد أن علامات قديمة غالبا ظهرت عليك وانتبه لها أو لم ينتبه أحد، لكنك قلت: “ولا أخفيكم كنت قبل ذلك موسوسا ولكن بشكل بسيط ولم يكن لذلك أي أثر على سلوكياتي أو إرهاق نتيجة ذلك”.

لم أقرأ في إفادتك جديدا عما اعتدت سماعه من مرضاي، بما في ذلك فكرة التحرش الجنسي بالمحارم التي تعذب كثيرين منهم وإن كنت أَلِفت سماعها تجاه الأخت أو بنت الأخت أكثر من كونها تجاه الأم، إلا أن الجديد في حالتك هو الاندفاع في الاستجابة القهرية لفكرة “التحرش الجنسي بالأم” التسلطية؛ حيث وصل بك الحال أن تطلب منها ما ذكرت أنك طلبته، بل وفعلته حين قلت: “ولا مشكلة إذا عاملت الأم ابنها بحنان كأن تضمه على صدرها أو ترضعه حتى وهو كبير، فتعاطفت معي وقامت بذلك ولم يتجاوز الأمر أكثر من ذلك”، هذا مرفوض بكل المعايير ولا يمثل عندي إلا استجابة للفكرة التسلطية التي لا يصح أن تقبلها ولا أن تستجيب لها تحت أي ذريعة، وحتى لو برر لك المعالج التحليلي ذلك، وأقول لا يصح لأنني أعرف أن الاستجابة لفكرة تسلطية بتنفيذ ما تلح عليك به أو حتى مقاربة تنفيذه مثلما فعلت لا تفيد في العلاج؛ بل تضر حتى وإن منحتك راحة مؤقتة مثلما حدث معك.

وعندي جملة وردت في إفادتك وتستلزم التعليق والتفنيد والتوضيح هي قولك “وبعد مراجعتي للطبيب عرفت أن هذا الشعور تجاه والدتي سببه مرضي وبالتالي لم يعد ضميري يعذبني كما كان سابقا وهنا المصيبة الكبرى”، لم تفهم الطبيب أنت جيدا أو لم يحسن هو التوضيح لك، فأن تخطر فكرة الجنس مع الأم على بال أحد ليس مرضا بل يمكن أن يقذفها الوسواس الخناس في عقل أي بني آدم، لكنه ما لم يكن مصابا بالوسواس القهري ينهيها بالاستعاذة بالله وبالاشمئزاز، ولكن ليس معنى ذلك أن تصل بك الأمور إلى أن تفعل ما فعلت، خاصة أنك بنيته غالبا على قول الطبيب لك أن سببه المرض؛ فالمرض سبب تحول الوسوسة العابرة إلى الفكرة التسلطية أساسا، وإلى حد أقل هو سبب تحرك مشاعرك، لكن لا تكفي شدة المرض عادة لأن تفعل تلك الفكرة على المستوى السلوكي، فكل من عالجتهم أو ساعدتهم على الشفاء -بفضل الله وحده- لم ينفذوا ما تدفعهم إليه الفكرة التسلطية ما دام مرفوضا فلم تذبح بنتها موسوسة (وسواسها أنها ستذبح بنتها، رغم مضي عقدين من الزمان على عذابها)، ولم يتحرش بابنته من عاش سنين معذبا بوسواس أنه سيعتدي عليها… عندي أمثلة كثيرة ولكنني سأكتفي بهذين.

أعرف أنك مريض وأنك بعد طول معاناة من إلحاح تلك الفكرة المتضافر مع الحافز الجنسي المتقد لديك كمراهق، ومع عدم اتباع الأسرة -كما في كثيرٍ من بيوتنا- لما جاء في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} صدق الله العظيم (النور: 58)، وأعرف أنك عانيت كثيرا من إلحاح هذه الفكرة التسلطية، وسبب معاناتك ليس أنها فكرة غريبة عجيبة ولا تخطر على بال الناس فهي يمكن أن تخطر على بال أي إنسان، وإنما لأنها وجدت في بنيتك المعرفية استعدادا للوسوسة، وللاندفاعية في ذات الوقت؛ فالاندفاعية -أو التهور- هي الوجه الآخر لعملة الوسواس القهري.

مرت بك من الأفكار التسلطية والأفعال القهرية أشكال وأصناف ناقشناها من قبل في إجابات عديدة لنا منها: الأفكار الكفرية ، والرعب من الجنس ، كما تعرضت أيضا لوساوس الطهارة والاغتسال، وتحسنت أحيانا وتعرضت للانتكاسات المرضية للوسواس القهري ، كما تعرضت أيضا للاكتئاب المصاحب للوسواس القهري، وقد وصفت اكتئابا أصابك وفقدا للوزن وصل إلى 10 كيلوجرامات في شهر واحد أثناء الخدم الإلزامية، وواظبت على معالج ومعالج لم تجد للعذاب نهاية، ولذلك كثيرا ما قررت الاستسلام.

وأعرف أنك أيضا تعرضت لغير ذلك ولم تذكره لنا على أغلب الظن، فأنت مشغول بما يعذبك الآن من أفكار وأفعال، وأخبرتنا أنك ناجح في عملك برغم ذلك كله وهذه نقطة قوية ستفيد في العملية العلاجية، ورحت تطلب منا أن نضع لك حلولا للمشكلات، دون علاج عقاري متعب كما وصفته ودون علاج نفسي لأنك تعرف أن الشخصية لن تتغير!

وهذه نقطة أخرى جديرة بالنقاش فمن قال لك إن الشخصية لا تتغير؟ لا بد أنه أحد المتبعين لأفكار سيجموند فرويد ونظريته التحليل النفسي، فهو كلام يخرج من مفهوم الحتمية النفسية الذي وضعه فرويد ليؤكد أن سنوات تشكل الشخصية الأساسية هي السنوات الخمس الأولى من العمر، وأن ما حدث في تلك السنوات يظل بصمات تطبع سلوك الشخص طوال حياته، وهذا كلام سرعان ما تغير فيما بعد، ومدد الغربيون فترة إمكانية التغيير حتى أواخر المراهقة ثم حتى ما قبل الخامسة والعشرين ثم مددت حتى الأربعين، لأن هناك نظريات أكثر إنسانية واجتماعية من نظرية التحليل النفسي، وأصبحنا نعرف أن التغيير المعرفي والسلوكي بالتالي ممكن في أي مرحلة من مراحل العمر بشرط أن يؤدي العقل أداء سليما أي قبل حدوث تدهور في الوظائف المعرفة للمخ، صحيح أننا كلما تأخرنا صار التغيير أصعب والمجهود المطلوب أكبر وأعسر، ولكنني أرفض جملة مقولة: “إنك لن تستفيد من العلاج المعرفي السلوكي لأن شخصيتك تشكلت”.
أما عندنا نحن في أسس العلاج في الطب النفسي الإسلامي فإن التغيير ممكن بشرط أن يكون توجهنا لله عز وجل، ويكون ميدان تفاعلنا طبا نفسيا إسلاميا لا يغفل دور الدين والالتزام فهما وتطبيقا، وأضرب لك مثلا بقصة في حديث نبوي شريف رواه عن الطبراني بسند جيد عن ابن عمر، قال: جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله سبعة رجال، فأخذ كل واحد من الصحابة رجلا وأخذ النبي صلى الله عليه وآله رجلا فقال له: ما اسمك قال: أبو غزوان، قال: فحلب له سبع شياه فشرب لبنها كله فقال له النبي صلى الله عليه وآله: هل لك يا أبا غزوان أن تسلم؟ قال: نعم فأسلم، فمسح رسول الله صلى الله عليه وآله صدره فلما أصبح حلب له شاة واحدة فلم يتم لبنها، فقال: مالك يا أبا غزوان؟ فقال: والذي بعثك بالحق لقد رويت قال: إنك أمس كان لك سبعة أمعاء، وليس لك اليوم إلا معى واحد: ثم ضعف هذا الحمل” صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم، فهل تصر على أن التغيير لا يمكن أن يحدث؟

وأضيف لك أيضا أنني لم أجد من بين من عالجت من المدمنين على مدى ما زاد على عقد من الزمان من شفاه الله منهم فعلا وتابعته سنوات بعدها وما زلت على صلة إنسانية بهم إلا الذين اتجهوا للتدين الصحيح، وأعمار بعضهم كانت فوق الثلاثين.

وأما سؤالك عن الزواج وهل هو علاج أم لا؟ فالزواج يفيدك لا جدال، لكن عليك أن تكون صادقا مع من تخطبها وأن تخبرها بمعاناتك التي تسعى لعلاجها وتعرف أنها إن شاء الله قابلة للشفاء، ويساعدك الزواج على متابعة العلاج من خلال التخفيف من الضغوط النفسية والوحدة والانعزال وكذلك الحافز الجنسي وغير ذلك، لكن من المهم أن أؤكد أن الزواج ليس علاجا للوسواس، وإنما علاج المتزوج أسهل من علاج العزب، خاصة إذا كان للجنس علاقة بوساوسه.

إذن تهربك من العلاج لا أوافق عليه واستسلامك للمرض لا أوافق عليه، خاصة أن الإجابة على تساؤلاتك الباقية لا تصح إلا من خلال علاج معرفي سلوكي عقاري (والماس والماسا أي عقاقير علاج الوسوسة ليست مسكنات ولا مهدئات)، واقرأ على سبيل المثال: وسواس القولون عند المسلمين قصة نجاح ، وأيضا الوسواس القهري.. تجارب ناجحة، وتحرك في طلب العلاج وتابعنا بأخبارك الطيبة إن شاء الله.

أ.د. وائل أبو هندي