إعداد – محمود عبده علي
لم يكن يتوقع أحد أن تفضي انتخابات الرئاسة الإيرانية، التي عقدت في 12 يونيو 2009، إلى اندلاع أكبر أزمة داخلية شهدتها إيران منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979. ورغم مرور ما يقرب من ستة أشهر على تلك الانتخابات، ما يزال الجدل محتدما بين أوساط النخبة الإيرانية حول نتائج الانتخابات ومدى شرعية فوز الرئيس نجاد. بل إن انحياز المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي إلى صف الرئيس أحمدي نجاد قد دفع بولاية الفقيه إلى قلب الجدل السياسي ربما بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
هذه الأزمة كانت موضوع كتاب (إيران: جمهورية إسلامية أم سلطنة خمينية؟) الصادر عن مركز الأهرام للنشر والترجمة والتوزيع لخمسة مؤلفين كتب كل منهم فصلاً؛ وهم:

د. وحيد عبد المجيد الخبير الإستراتيجي بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، د. مصطفى اللباد الخبير المتخصص في الشئون الإيرانية مدير مركز الشرق للدراسات الإقليمية والإستراتيجية بالقاهرة، د. محمد السعيد عبد المؤمن أستاذ الدراسات الإيرانية بكلية الآداب، جامعة عين شمس، د. مدحت حماد أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة طنطا، ومحمد عباس ناجى الباحث بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية.

يستند الكتاب على فرضية أساسية مفادها أن الأزمة التي أثارتها انتخابات الرئاسة الإيرانية الأخيرة ليست مجرد أزمة عادية، بل هي “أزمة انقسام في بنية المجتمع الإيراني ونخبته السياسية والثقافية”، ومن ثم فهي أزمة ممتدة يمكن إخماد الاحتجاجات المتعلقة بها لبعض الوقت، ولكن يصعب السيطرة عليها طول الوقت.

وينطلق الكتاب من أزمة الانتخابات الرئاسية لمناقشة طبيعة النظام السياسي الإيراني وطرح التساؤلات حول مستقبل إيران.

نظام سياسي خماسي الأضلاع

يتشكل النظام السياسي الإيراني، بحسب د. مدحت حماد، من هيكل خماسي الأضلاع: مؤسسة مجلس خبراء القيادة، مؤسسة الولي الفقيه، مؤسسة رئاسة الجمهورية، السلطة القضائية، ومجلس الشورى الإسلامي.

كما يتميز النظام الإيراني بوجود “الولاية الثنائية”: “ولاية الفقيه” “وولاية الشعب”، والأولى تتمتع بمؤسسات خاصة بها مثل مجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام، في حين تختص الثانية- أي ولاية الشعب- بمؤسسات نافذة أخرى هي مجلس خبراء القيادة، مؤسسة رئاسة الجمهورية، ومؤسسة مجلس الشورى الإسلامي، وهى المؤسسات التي يتم الوصول إليها عبر انتخاب مباشر من الشعب.

ووسط هذه المؤسسات العديدة، يتمتع المرشد الأعلى “بنفوذ عنقودي” شامل لكل شئون إيران ونافذ في كل مؤسسات النظام، وله نفوذ آخر بارز، يشبه ذلك النفوذ المتمتع به الرئيس في النظام السياسي المصري، مرتبط بعملية إعادة النظر في الدستور. وللمرشد أيضا، كما يقول حماد، “مكانة مقدسة” تتحقق من خلال مؤشر نوعى خطير الدلالة: وهو عدم وجود “يمين دستورية” يقوم المرشد بأدائها فور اختياره من مجلس خبراء القيادة.

ورغم هذه الصلاحيات الممنوحة للمرشد والمكانة الدستورية والدينية والسياسية التي يحظى بها لدى المؤسسات الأمنية العسكرية والشرطية والحرس الثورى والباسيج، فإنه “ملجوم” بنص دستوري تفرضه المادة 79 يقول: “يحظر فرض الأحكام العرفية، وفى حالات الحرب والظروف الاضطرارية المشابهة يحق للحكومة بعد مصادقة مجلس الشورى الإسلامي أن تفرض مؤقتا بعض القيود الضرورية على ألا تستمر مطلقا أكثر من ثلاثين يوما”.

وعلاوة على ما سبق، لا يمكن استبعاد حدوث حالة من “العصيان المؤسسي” ضد مرشد الجمهورية- مثلما حدث في الانتخابات الأخيرة- خصوصا من جانب مجمع تشخيص مصلحة النظام أو من جانب مجلس خبراء القيادة، وهى الحالة التي يمكن أن تتفاقم حدتها إذا لم يكن المرشد ضامنا بالفعل لولاء “مجلس الشورى الإسلامي” له بوصفه أكبر مؤسسة منتخبة مباشرة من جانب الشعب.

جمهورية ذات طابع عسكري

تنبع الأهمية التاريخية للانتخابات الرئاسية العاشرة ومظاهر الاعتراض التي تلتها، كما يطرح د. مصطفى اللباد في دراسته، من حقيقة أن إيران تشهد منذ فترة ولاية الرئيس محمود أحمدي نجاد الأولى عام 2005 مخاض التحول من الهياكل المدنية لجمهورية إيران الإسلامية إلى جمهورية ذات طابع عسكري بقيادة الحرس الثوري الإيراني (الباسداران)؛ ولكن تحت إشراف روحي ومعنوي، وليس قيادة وسيطرة، من رجال الدين والمرشد.

وقد مثلت أزمة الانتخابات الرئاسية العاشرة في إيران، بحسب اللباد، نقطة مفصلية في تاريخ النظام الإيراني، أصبح معها النظام في إيران “طائرا خرافيا بثلاثة أجنحة على اليمين”: وهى التيارات الثلاثة داخل المعسكر المحافظ، في حين سيضمر الجناح الواقع على اليسار بعد هزيمة الإصلاحيين.

كما عكست الأزمة توزيعا جديدا للقوى داخل إيران بين “النخبة القديمة” التي تتجسد من شخصيات الجيل الأول للثورة وغالبية طبقة رجال الدين وهدفها الأساسي بقاء النظام مع إدخال أقل قدر من التعديلات على تركيبته ومحتواه الديني، في مقابل “النخبة الجديدة” المشكلة من ضباط ومنتسبي الحرس الثوري والمستفيدين منه اقتصاديا وجهاز الأمن ووزارة الداخلية وميليشيا المتطوعين (الباسيج) بالإضافة إلى أقلية من بين رجال الدين يقودهم مرشد الجمهورية السيد على خامنئي وآية الله أحمد جنتي، والمرشد الروحي للرئيس أحمدي نجاد وهو آية الله مصباح يزدي.

والكتلة الثانية تريد بقاء النظام أيضا ولكن مع إعادة توزيع الموارد الاقتصادية والسلطة السياسية في النظام بما يخدم مصالحها وعلى حساب الأجنحة الأخرى.

وعن التداعيات المستقبلية للأزمة يقول اللباد إن مقام المرشد (الذي اضطر إلى النزول من علياء موقعه للدفاع عن الرئيس أحمدي نجاد وتياره في أعقاب الانتخابات في مواجهة تظاهرات الإصلاحيين)، سيحاول أن ينقل الصراع من الشارع إلى الحلقة الضيقة للنظام. وسيعمل على تحجيم الرئيس أحمدي نجاد وإضعافه نسبيا في مباراة مضبوطة الإيقاع ومحددة الرقعة ليس لمصلحة الإصلاحيين بالطبع ولكن لمصلحة التيار المحافظ البرجماتى ممثلا في هاشمي رفسنجاني وعلى لاريجاني.

مرونة خامنئي

على خلاف ما يتصور البعض، خاصة في الغرب، من أن الضغط على “الديكتاتور” (المقصود الولي الفقيه) يزيده ديكتاتورية، يرى د. محمد السعيد عبد المؤمن أن الوضع مختلف في إيران، حيث ستجدي أدوات الضغط مع الولي الفقيه بما له من صلاحيات ووضع يسمح له بتغيير مواقفه تماما، وكذلك تبريرها.

فالمعركة الحالية لن تحول دون وجود التيار الإصلاحي على الساحة السياسية بفاعلية، بل على العكس فإن النظام، ممثلا في الولي الفقيه، سيبقى على رفسنجاني وتياره، فربما يحتاج إليه يوما ما.

ولا غنى للنظام، كما يقول عبد المؤمن، عن وجود مثل هذا الاتجاه الذي يقوده رفسنجاني لأن النظام يريد في النهاية أن يضفى طابعا ديمقراطيا على العملية السياسية. ولذا يتوقع أن تتسم قرارات الولي الفقيه والنظام الإيراني بشكل عام بالمرونة على مدى السنوات الأربع المقبلة، فمن شأن الضغوط التي تمارس عبر الرأي العام أن تجعل الولي لا يغالى في السلطة، خاصة في ظل محددات أخرى إقليمية ودولية سيضعها النظام نصب عينيه في حالة اتخاذ أي قرار. بعبارة أخرى كلما ازدادت الضغوط، خاصة الداخلية على الولي الفقيه، ازدادت مواقفه مرونة، بدليل سماح خامنئي لرفسنجاني بإلقاء خطبة الجمعة التي أعلن فيها صراحة موقفه من مبدأ ولاية الفقيه.

ويرجع عبد المؤمن هذه المرونة التي يتسم بها الولي الفقيه إلى ارتباط الأيديولوجية بالمصلحة في إيران، وهو ارتباط يسمح للأخيرة بتقديم تنازلات سواء للمعارضين في الداخل والثائرين على الفساد، أو لدول المنطقة سعيا لكسب دعمها أو حيادها.

ويقلل عبد المؤمن من حدة الخلاف حول ولاية الفقيه، فهو خلاف “يتعلق بفروع وليس بأصول” بين اتجاهين: الأول اتجاه رفسنجانى الذى يجعل ولاية الفقيه انتخابية، بحيث يكون للجماهير حق انتخاب وعزل الفقيه حسب شروط يضعها الدستور بناء على مبدأ المقبولية. والثاني يرى تعيين الفقيه بناء على مبدأى الأعلمية والأعدلية. ويأتى آية الله محمد تقى مصباح يزدى على رأس المدعمين للولاية التعيينية المطلقة، حيث يرى أن الناس ليس من حقهم تعيين الولى الفقيه، بل تأييده، ويحصل الولى الفقيه، على مشروعيته من ارتقائه فى المراتب العلمية والعدلية، ومن هذه الزاوية لا تنطبق الديمقراطية الغربية على النظام الإسلامى.

اصطفافات جديدة في المشهد الإيراني

لا تعد الأزمة الراهنة في إيران، كما يطرح محمد عباس ناجي في دراسته، أزمة بين النظام الإسلامي ومعارضيه، بل هي بين أبناء وأنصار هذا النظام، أي أنها أزمة من داخل النظام وليست من خارجه.

وهذا الفارق، من وجهة نظر ناجي، غاية في الأهمية، لأنه يعنى أن مفجري الأزمة الأخيرة من الإصلاحيين والمحافظين التقليديين المعترضين على نتيجة الانتخابات ليسوا رافضين للنظام ولا ساعين إلى تغييره، بل هم مؤمنون به وموالون له، لكنهم يهدفون في المقام الأول إلى تطويره بما يتواكب مع التطورات التي تمر بها إيران داخليا وخارجيا.

وبناء على ما سبق فإن الصراع الحالي في إيران، بحسب ناجي، ليس صراع استقطابات سياسية ولكنه صراع اتجاهات داخل نظام الجمهورية الإسلامية، يبرز منها اتجاهان رئيسيان:

الاتجاه الأول، هو اتجاه التغيير الذي يقوده المعتدلون من داخل النظام، وينتمون إلى التيار الإصلاحي والجناح التقليدي من التيار المحافظ، ويرى ضرورة إجراء تغييرات داخل نظام الجمهورية الإسلامية بما يجعله أكثر قدرة على التوافق مع التطورات التي تمر بها إيران داخليا وخارجيا، ويدعو إلى تغليب المصلحة على الإيديولوجيا‏، ويعتبر أن المرشد ‏الأعلى (‏الولي الفقيه‏)‏ ليس خليفة الله في الأرض ولا منزها عن الأخطاء‏،‏ بل يمكن محاسبته ومراقبته من خلال الدستور‏.‏

أما الاتجاه الثاني، الذي يقوده الجناح الأصولي المتشدد من التيار المحافظ الذي ينتمي إليه الرئيس أحمدي نجاد‏، فيلتزم حرفيا بالثوابت التي قام عليها النظام الإسلامي منذ الثورة عام 1979، ويؤمن بالنظام المنغلق في مجالي السياسة والثقافة‏،‏ ويدافع عن تدخل الدولة في المجال الاقتصادي،‏ ويرفض استيراد القيم الثقافية الغربية والانفتاح الثقافي،‏ كما يؤمن بنظرية المؤامرة‏،‏ والأهم من ذلك أنه يرى أن الشعب لا دور له في اختيار المرشد الذي،‏ في رؤيته‏،‏ لا يعتبر مسئولا أمام الشعب.

ومع تأكيده على الحقيقة السابقة، يرصد ناجي مجموعة من التداعيات التي أسفرت عنها أزمة الانتخابات الرئاسية، أهمها أن الأزمة شكلت تحديا صريحا لمكانة المرشد الأعلى للجمهورية وإرادته، وهو بمثابة تطور جديد وخطيرا في النظام السياسي الإيراني. فقد دفعت الأزمة العديد من العلماء وآيات الله في “حوزة قم” إلى تأكيد ضرورة فرض رقابة على تصرفات خامنئي، بل ومطالبة بعضهم لمجلس الخبراء، وهو الهيئة المنوط بها تعيين وعزل المرشد الأعلى ومراقبة أعماله، بدراسة مدة أهلية خامنئي لتولى منصب الولي الفقيه. ووفقا لرأى هؤلاء، فإن “ولاية الفقيه” تسقط عن أي شخص منحاز ويقف ضد إرادة الناس، ولا يجوز الاستمرار بحكم ولاية الفقيه ليوم واحد من خلال ممارسة الكبت وإرسال مئات الآلاف من قوى الأمن والحرس والتعبئة لقمع المحتجين، في حين أن أئمة الشيعة، وفقا لهذه الرؤية، كانوا دوما يسمحون لخصومهم ببيان رأيهم ويحترمون مواقف وإرادة الآخرين.

ومن جهة أخرى، أفرزت الأزمة اصطفافا جديدا داخل النخبة السياسية الإيرانية، فخريطة القوى السياسية الإيرانية بعد الانتخابات الرئاسية لم تعد كما كانت قبلها، حيث شهدت، وما زالت، حراكا حزبيا مستمرا ربما لا يؤدى إلى تشكيل خريطة سياسية جديدة فحسب، بل إلى تدشين استقطاب سياسي جديد في إيران.

ولم تعد خريطة القوى السياسية داخل التيار الإصلاحي كما كانت قبل الانتخابات، حيث بدأت بعض القوى في مراجعة رؤاها وأطروحاتها تجاه النظام الإسلامي الإيراني، فيما انزوت قوى أخرى وربما تتجه إلى التفتت، وبدأ ظهور قوى ثالثة في الاتجاه نحو رفض كامل للنظام.

وبالنسبة للتيار المحافظ، ثمة تطورين مهمين قد يحدثان تغيرا كبيرا في أنماط التحالفات والائتلافات بين القوى المكونة لهذا التيار. يتمثل التطور الأول، في الدعوات التي تصاعدت من داخل التيار الإصلاحي، على خلفية أزمة الانتخابات الرئاسية، لفرض قيود على صلاحيات الولي الفقيه، بل وتجاوز ذلك للمطالبة بإلغاء العمل بها. فقد أحدثت هذه الدعوات تقاربا ملحوظا في رؤى وطروحات الجناحين الأصولي والتقليدي داخل التيار المحافظ. حيث يبرز في هذا السياق موقف “حزب المؤتلفة الإسلامي” الذي اتخذ موقفا متشددا ضد هذه الدعوات، بدا من خلالها قريبا جدا من موقف الجناح الأصولي رغم انتمائه للجناح التقليدي من التيار المحافظ.

أما التطور الثاني، فيتعلق بالخلافات الناشئة داخل الجناح الأصولي من التيار المحافظ، لاسيما بين مجموعة الرئيس أحمدي نجاد، ومجموعة الأصوليين المعارضين له والمنتقدين لسياسته والتي تضم رموزا أصولية بارزة مثل على لاريجاني رئيس مجلس الشورى، ومحسن رضائي أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام وقائد الحرس الثورى الأسبق، ومحمد باقر قاليباف رئيس بلدية طهران.

ويأتي هذا الاصطفاف السياسي الجديد داخل التيار المحافظ، كما يقول ناجي، على خلفية الجهود الحثيثة التي تبذلها بعض رموز التيار المحافظ والمقربين من المرشد الأعلى للجمهورية على خامنئى لتقليص مكانة ونفوذ التيار الإصلاحي، تمهيدا لاستبعاده من خريطة القوى السياسية الإيرانية والمنظومة التي تعمل من خلالها داخل نظام الجمهورية الإسلامية. وبالتالي إنهاء الاستقطاب السياسي الكلاسيكي الذي سيطر على الحياة السياسية لإيرانية منذ وصول الإصلاحيين إلى السلطة عام 1997 بين التيار الإصلاحي والتيار المحافظ، واستبداله باستقطاب سياسي جديد من داخل التيار المحافظ بين أصوليين راديكاليين وأصوليين براجماتيين. وربما يدعم ذلك أن خبرة الحياة السياسية والحراك الحزبي داخل إيران، حتى قبل قيام الثورة عام 1979، تميل دائما إلى فكرة الاستقطابات الثنائية مع رفض تام للتعددية الحزبية.

وقد بدت بجلاء أولى مؤشرات تبلور هذا الاستقطاب السياسي الجديد، حسبما يذكر ناجي، في تعمد خامنئى تقوية الأصوليين البراجماتيين (لاريجاني – رضائي – قاليباف) على حساب الأصوليين الراديكاليين بزعامة الرئيس أحمدي نجاد في محاولة لخلق توازن بين التيارين يمكن من خلاله إدارة الحكم من خلال التنافس، بشرط ألا يتحول إلى صراع على نحو التجربة السابقة للإصلاحيين مع المحافظين.

انقسام المؤسسة الدينية لا الثورة المخملية

ربما يكون أخطر ما فى الأزمة التى ارتبطت بالانتخابات الرئاسية الإيرانية، كما يطرح د. وحيد عبد المجيد في دراسته، هو أنها قد تجاوزت السطح السياسى ونفذت إلى أعماق المجتمع، فكشفت عن مدى عمق الانقسام فيه بصورة لا يمكن الاطمئنان معها إلى مستقبل الجمهورية الإسلامية بمجرد إنهاء مظاهره الخارجية فى الشارع.

وأهم ما ينطوي عليه الانقسام المجتمعى الحالي في إيران هو أنه يهدد “بتنامى حركة اجتماعية مدينية شابة قد تسعى للتغيير على المدى الطويل عبر أساليب احتجاجية تتجاوز الأطر المتاحة مادام الطريق إلى التجديد من داخل هذه الأطر مسدودا”. فالمجتمع الحضرى فى إيران، شاب بل فتى، علاوة على أنه يمر بتغيرات عميقة تعبر فى رأى البعض عن حالة صحوة فى أوساط فئات اجتماعية مهمة نوعيا بالرغم من أنها لا تمثل أغلبية.

ورغم ذلك يستبعد عبد المجيد إمكانية حدوث ثورة مخملية، “ففي ظل سطوة المؤسسات المرتبطة بالمرشد الأعلى وفى مقدمتها الحرس الثورى، واستمرار التحديات الخارجية وربما تعاظمها إذا أخفق الحوار الأمريكى – الإيرانى، أصبح انقسام المؤسسة الحاكمة، وليس شبح ثورة مخملية، مصدر التهديد الرئيسى للاستقرار فى إيران”.

فقد أعادت الأزمة الراهنة إنتاج الخلاف القديم على مبدأ ولاية الفقيه. وبالرغم من أن هذا الخلاف قديم، فإنه لم يقترن فى أى وقت مضى بأزمة من هذا النوع تستمد أهميتها الخاصة من أنها كشفت فى محك عملى أن وضع مصير أمة بين يدى فقيه فرد مطلقة ولايته يمثل خطرا ليس فقط عليها ولكن أيضا على مكانة الفقيه فى العقيدة الشيعية.

وفتحت الأزمة الباب أمام مراجعة مبدأ الديمقراطية الدينية، أو ما يسميه المرشد الأعلى الحالى السيد على خامنئى “حاكمية الشعب الدينية”. ولا تعنى هذه المراجعة، طبقا لعبد المجيد، استبدال ديمقراطية تنافسية حرة مفتوحة على النمط الغربى بهذه الديمقراطية الدينية، إذ أن التيار السائد فى أوساط الإصلاحيين محكوم بسقف النظام الإسلامى. ولكن تحت هذا السقف، يمكن الحد من القيود المفروضة على الحريات والحقوق العامة والشخصية التى تحيل حياة أقسام كبيرة من المجتمع- وخصوصا نساءه- إلى جحيم لا يرى المحافظون الخمينيون فردوسا خارج نطاقه. فالصراع ليس على استمرار هذا النظام، وإنما على إبقائه تحت عباءة الخمينى أو تحريره منها.

وإن كان خامنئي قدٍ خرج منتصرا من أزمة نتائج الانتخابات الرئاسية، فإن عبد المجيد يرى أنه قد دفع ثمنا باهظا لأنه لم يعد مرشدا للجميع وإنما بات أقرب إلى زعيم تيار. والسؤال المحورى هنا، كما يقول عبد المجيد، هو ما إذا كان الشرخ الذى أصاب المؤسسة الدينية مؤثرا إلى الحد الذى يؤدى إلى تهميشها لمصلحة المؤسسة العسكرية- الأمنية بعد أن برز دورها قويا ومهيمنا فى الأزمة التى لم تنته فصولها.

ويطرح عبد المجيد في دراسته ثلاثة سيناريوهات لمستقبل المؤسسة الدينية:

السيناريو الأول: إصلاح الشرخ الذى حدث فيها. ويتوقف هذا السيناريو على مدى قدرة المرشد الأعلى الحالى على احتواء الأزمة، ومدى استعداده بالتالى لإلزام الرئيس نجاد بمد جسور مع خصومه الإصلاحيين واتخاذ إجراءات انفتاحية تحقق شيئا مما دعا إليه موسوى وكروبى خلال الحملة الانتخابية، وربما دمج عدد من أنصارهما فى الحكومة، على نحو يرضى معظم علماء الدين المتعاطفين معهما أو الذين أزعجتهم الطريقة التى أديرت بها الانتخابات والإصرار على تثبيت فوز نجاد.

السيناريو الثاني: أن يبقى الشرخ الذى أصاب المؤسسة الدينية ولكن دون أن يتوسع، بحيث تبقى قادرة على بناء توافق لا بديل عنه لاستمرار دورها إذا غاب السيد على خامنئى قبل حلول موعد الانتخابات الرئاسية القادمة أو اضطر إلى التقاعد لظروف صحية تتعلق بمرضه الذى لا تتوافر معلومات كافية عن المستوى الذى بلغه.

أما السيناريو الثالث فهو أن يزداد الشرخ الذى أصاب المؤسسة الدينية على نحو يجعلها عاجزة عن التوافق على القضايا الكبرى، الأمر الذى يفتح الباب أمام مزيد من التوسع فى نفوذ المؤسسة العسكرية – الأمنية.