عبد الحافظ الصاوي

نواب من الإخوان في البرلمان المصري
نواب من الإخوان في البرلمان المصري

عام 1976 كان بداية الحضور البرلماني للإخوان المسلمين في مصر، مرورًا ببرلمان عام 1979، ثم بدأ الحضور يشهد نوعًا من التكثيف في أعوام 1984 و1987 من خلال التحالف مع قوى سياسية أخرى مثل الوفد وحزبي الشعب والأحرار، إلا أن عام 2000 كان ميلاد الحضور الملحوظ من حيث وجود الإخوان في البرلمان دون عقد تحالفات مع أحزاب أخرى، وأُطلق على نواب الإخوان في هذه الدورة اسم: “مجموعة الـ 17”.

ومع انتخابات عام 2005 تزايد عدد نواب الإخوان ليصل لأعلى نسبة تمثيل برلماني في حياة الجماعة، ليصل عدد نواب الإخوان لثمانية وثمانين نائبًا، وفضل الخطاب الإعلامي الإخواني بتسميتهم بـ”الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين”.

الأداء الإخواني في البرلمان المصري منذ عام 1979 ركز بشكل أساسي على قضية تطبيق الشريعة الإسلامية، وكان معظم التناول للقضايا المطروحة على البرلمان تنطلق من أهمية وضع الشريعة الإسلامية في قوالب قانونية، والخروج بها إلى حيز التنفيذ، مع التركيز على البعد الأخلاقي وأهميته في تناول القضايا العامة بالمجلس وخلافه، واستمر هذا الأداء حتى برلمان 1987 والذي تم حله في عام 1990.

بداية خطاب جديد

في برلمان عام 2000، وخلال البرلمان الحالي، اتسم الأداء البرلماني للإخوان المسلمين بالدخول في القضايا التفصيلية على صعيد الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ومع حضور الخطاب الإسلامي، إلا أن الأداء في القضايا التفصيلية كان يفرض نفسه بأهمية التناول الفني لها، وأن يكون الطرح الإسلامي مصحوبًا بحلول واقعية، وليس في أطر وقواعد عامة؛ فقدم الإخوان العديد من مشروعات القوانين التي تحمل وجهة نظرهم لقضايا اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية كبديل للمشروعات المقدمة من الحكومة، كما هو الحال في قانون السلطة القضائية، وقانون المحاكم الاقتصادية، وقانون مباشرة الحقوق السياسية، وأيضًا خلال التعديلات الدستورية التي مرت في عام 2005، وتضمنت العديد من القضايا الشائكة حول رئيس الجمهورية وطريقة انتخابه وصلاحياته، ودور القضاء في الإشراف على الانتخابات العامة، وغيرها.

كما شهدت الآليات البرلمانية الأخرى مثل طلبات الإحاطة أو الأسئلة أو الاستجوابات أو البيانات العاجلة احتكاكًا مباشرًا بقضايا الشارع المصري، وهمومه، وكان لمناقشة بيان الحكومة والخطة العامة والموازنة في كل عام مناسبة لكي يُختبر الإخوان المسلمون في خطابهم وأدائهم البرلماني؛ حيث حرص الإخوان في برلمان عام 2000 والبرلمان الحالي على تقديم رد متكامل على كل من بيان الحكومة ومشروعي الخطة العامة للدولة والموازنة، وليس فقط رفضهما أو الاكتفاء فقط بمناقشة بعض القضايا الجزئية، إلا أن الملحظ الهام كان هو وجود نوع من الاهتمام بالقضايا الاقتصادية خلال برلمان عام 2000 والبرلمان الحالي، وهو ما يستدعي إلقاء الضوء بنوع من التفصيل حول اهتمام الإخوان بهذه القضايا.

مظاهر الاهتمام بالقضايا الاقتصادية

هناك العديد من القضايا الاقتصادية التي اتسم بها أداء الإخوان في البرلمان المصري، منها:

  • التركيز على الجانب التنموي ومطالبة الحكومة بتبني أجندة وطنية لخريطة التنمية، وعدم ترك هذا الأمر لأجندة العولمة، أو لأداء القطاع الخاص الضعيف، والتوجيه بالاستفادة من تجارب دول أخرى مثل ماليزيا ومؤخرًا تركيا، خاصة في مجال الاستفادة من الاستثمار الأجنبي المباشر، مع التركيز على الاهتمام بالقطاعات الإنتاجية في قطاعي الصناعة والزراعة.
  • الدعم.. اهتم نواب الإخوان بقضية الدعم، وحاولوا أن يقدموا حلولا عملية لمواجهة وصول الدعم لغير مستحقيه، سواء كان ذلك في السلع الغذائية، أو في دعم الطاقة الذي يقدم للأغنياء من خلال صناعات معينة، أو التوجيه بإلغاء الدعم المقدم للصادرات في ظل الإشارة إلى استفادة فئة معينة من هذا الدعم، وعدم الإفصاح عن المستفيدين منه، فضلًا عن الأداء الضعيف للصادرات المصرية ووجود عجز مزمن في الميزان التجاري لمصر يصل لنحو 15 مليار دولار، وفضلت الحكومة الصمت أمام مطالب الإخوان، وزعمت الحكومة أن بنود دعم الصادرات تتسم بالسرية.
  • مواجهة الفساد الإداري من خلال تقديم الانتقاد للحكومة بعدم الاستفادة من هذا الكم الهائل من موظفيها، أو إعادة تأهيلهم أو تدريبهم، وانخفاض مخصصات التدريب للموظفين الحكوميين بالموازنة العامة للدولة في كل عام، كما كانت قضية المستشارين التي تنتشر في الكثير من الأجهزة الحكومية محل انتقاد نواب الإخوان، خاصة في ظل رواتبهم العالية التي يتقاضونها، ومع ذلك لا يُلمس لهم دور في تطوير الهيئات والأجهزة الحكومية.
  • مواجهة ظاهرة الغلاء، والتي استفحلت مع مطلع عام 2008، وقد قدم نواب الإخوان عشرة بدائل للحكومة يمكن تطبيقها كبديل لرفع أسعار الوقود وفرض ضرائب جديدة، وإمكانية تدبير نسبة الزيادة التي قدمتها الحكومة في عيد العمال 2005 من خلال هذه البدائل العشرة، دون اللجوء لرفع أسعار الوقود وفرض ضرائب جديدة.
  • كانت هناك استجوابات في مجالات اقتصادية متعددة، مثل البطالة والدين العام والخصخصة، وبيع البنوك، وإهدار المال العام في مشروع فوسفات أبو طرطور، كما قدمت طلبات إحاطة بشأن سياسة الحكومة الخاطئة والتي أدت إلى إغلاق بعض المصانع في المدن الصناعية الجديدة، والسياسات الحكومية الخاطئة في صناعات الحديد والأسمنت، وانهيار صناعة الغزل والنسيج.
  • كانت قضية تصدير الغاز لإسرائيل أحد النقاط الهامة التي نالت اهتمامًا كبيرًا من نواب الإخوان، وطالبوا بعقد جلسات خاصة عندما تعللت الحكومية بسرية اتفاقيات تصدير الغاز لإسرائيل، وكان البديل الذي قدمه نواب الإخوان هو توصيل الغاز الطبيعي لجميع المنازل في مصر، وتوفير دعم سنوي يقدم لاستيراد البوتاجاز يصل لنحو 12 مليار جنيه.
  • قانون المرور الأخير، وما سيترتب عليه من عدم تجديد تراخيص العديد من السيارات الأجرة في مصر، أو إلغاء استخدام المقطورات للسيارات النقل؛ حيث ستنال هذه التعديلات جانبًا كبيرًا من الأفراد والأسر، وسيكون لها الكثير من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية، وقد عارض نواب الإخوان هذه التعديلات.
  • شهدت العديد من البرامج الحوارية في الفضائيات، أو الصحف الاقتصادية المتخصصة، مشاركات من نواب الإخوان لتقديم وجهة نظرهم في العديد من القضايا الاقتصادية، وكان ذلك بارزًا في القضايا العمالية، وظاهرة الغلاء والدعم.

الخطاب البرلماني الإخواني والجوانب الاقتصادية

هناك العديد من الدوافع التي ساعدت على بروز الجوانب الاقتصادية في الخطاب الإخواني بالبرلمان، منها:

1. طبيعة المشكلات الاقتصادية المتعددة التي تعاني منها مصر، والتي فرضت نفسها، على الحكومة ومجتمع الأعمال وعلى منظمات المجتمع الأهلي والتي يأتي في إطارها جماعة الإخوان المسلمين.

2. تناول القضايا الاقتصادية بما تمثله من ثقل وتداعيات تجعل عموم أفراد المجتمع يشعرون بأن نواب الإخوان لديهم اهتمام بقضاياهم وليس فقط مجرد العراك السياسي مع النظام المصري.

3. وجود عدد كبير من الإخوان كنواب في برلمان 2005 – وصل كما ذكرنا لنحو 88 نائبًا – ساعد على وجود تخصصات مختلفة، من أساتذة جامعات، ومهندسين، وأطباء، وعمال، وعلماء دين، ومحامين، وفر لنواب الإخوان رؤى متعددة للنظر في القضايا الاقتصادية.

4. انتهاج نواب الإخوان في مجلس 2005 لما سمي “لجان الدعم الفني”، وعلى ما يبدو أن هذه اللجان استطاعت أن توفر خلفيات معلوماتية وتقدم حلولا للقضايا الاقتصادية التي يتناولها نواب الإخوان.

أما عن الانتقادات للخطاب الإخواني في الجوانب الاقتصادية فكانت كالتالى:

هناك بعض الانتقادات التي وجهت للمكون الاقتصادي في خطاب نواب الإخوان، ومن ذلك ما طرحه الدكتور عبد المنعم السعيد في جريدة الأهرام، من أن ما جاء في رد نواب الإخوان على بيان الحكومة جاء في معظمه يتواكب مع الحلول المطروحة من قبل القوى السياسية الأخرى، وليس فيه ما يميزه من وجود خلفية إسلامية تعكس توجهات نواب الإخوان، باستثناء ما جاء عن استصلاح الأراضي مصحوبة بالاستدلال القرآني: {فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} [الجمعة : 10].

كما يوجه انتقاد آخر لبعض أطروحات نواب الإخوان الاقتصادية بأنها من أدبيات اليسار، وهو ما أشار إليه الدكتور سمير فياض القيادي بحزب التجمع في أحد برامج الحوار بقناة الحرة معقبًا على ما طرحه النائب الإخواني المهندس / أشرف بدر الدين.

أما الانتقاد الثالث، فهو يعد من أقدم الانتقادات من حيث إن التوجهات الاقتصادية للإخوان بشكل عام هي في مجملها توجهات ليبرالية؛ فهي لا تختلف كثيرًا عن التوجهات التي تتبناها الحكومة المصرية في السنوات الماضية.

وأخيراً فسواء اتفقنا أو اختلفنا حول مضمون الخطاب الإخواني من حيث محتواه الاقتصادي، فإنه يمثل نقلة نوعية قد تمكن نواب الإخوان فيما بعد من بلورة خطاب يتميز بنوع من الذاتية والتفرد والخصوصية أكثر مما هو عليه الآن، وهو ما انعكس خلال مناقشات مشروعي الخطة العامة والموازنة للعام المالي 2008/2009، حيث قدم الإخوان ثمانية تعديلات وفق ما سمحت به التعديلات الدستورية الأخيرة من حق المجلس في تعديل الموازنة في إطار تقديم التدبير المالي الذي يناسب تطبيق التعديل، وهو ما اتسمت به التعديلات الثمانية التي قدمها نواب الإخوان، مصحوبة بالتفسير والتدبير المالي.


باحث مصري متخصص في الشئون الاقتصادية