ليلى حلاوة- صفاء صلاح الدين

Image
المسامحة والنسيان هي سبيل المغتصبة لعيش حياة زوجية سعيدة.

قبل الزواج تكثر أسئلة البنات وتثار حيرتهن وتعظم حاجتهن لمن يعطي النصيحة الصادقة، والأكثر من هذا أن يكون هناك شخص مقرب يستطيع الإجابة عن تساؤلاتها الحرجة.. ولكن لمن تلجأ تلك الفتاة التي تعرضت لمحاولة اغتصاب أو اعتداء جنسي، خاصة لو كان ذلك في مرحلة الطفولة أو المراهقة المبكرة والتي لا تعلق تفاصيلها في العقل بقدر ما تظل علامة في التكوين النفسي والذهني لها على مدار حياتها.

على صفحة “مشاكل وحلول” تتابعت شكواهن وتعددت أسئلتهن في الوقت الذي لم يجدن فيه شخصا قريبا يستطعن الوثوق به وإخباره بما حدث، تضاعفت أسئلة هؤلاء الفتيات قبل الزواج وتلخصت في ثلاثة محاور أساسية: أولها: الخوف الشديد من الزواج وعدم رغبتهن في ملامسة أي رجل لأجسادهن، وثانيها: إمكانية إخبار الزوج من عدمه وكيفية ذلك، وآخرها: كيفية التأكد من وجود غشاء البكارة وإمكانية ترقيعه.

 طالع:
نادي ضحايا الاغتصاب

ومن خلال إجابات مستشاري الصفحة عن أسئلة ضحايا التحرش والاغتصاب نقدم هذا الدليل الذي يجيب عن تلك الأسئلة الرئيسية.

عدم الرغبة في الزواج

انعدام الرغبة تماما في الزواج وكره الرجال، من أكثر المشكلات التي تتعرض لها المغتصبة بعد هذا الحادث الأليم، وترى جميع الرجال في صورة الرجل الذي استباح جسدها بوحشية، وترى أي علاقة حميمة على أنها تلك العلاقة التي صحبها الكثير من الألم والعذاب.

تقول إحداهن: “تعرضت لحادث اعتداء، وأنا طفلة صغيرة وأشعر أني قذرة وملوثة، وأصبحت أشعر بالاشمئزاز من العلاقة بين الرجل والمرأة ولا أتصور أن يلمسني أي شخص حتى لو كان زوجي؟”.

وتقول أخرى تعرضت لنفس الحادث: “أتمنى أن يكون لي أطفال، لكني في نفس الوقت لا أريد الزواج، وأخافه، أحب شخصًا وهو يبادلني هذا الحب، ويتمنى أن يتزوجني منذ سنتين، وهو فعلا إنسان تتمناه كل فتاة، ويتمنى مني الموافقة على الزواج منه، لكنني لا أستطيع، أحبه كثيرًا ولا أتخيله يقوم بإيذائي؛ لأنني سأكرهه”.

بالنسبة لهذا الجزئية التي عبرت عنها الفتيات فيما سبق بخوفها من الزواج، نلاحظ أن هذا الشعور ينتج لدى المغتصبة أو المعتدى عليها نتيجة تكون ما يسمى “بتشويه في المنظومة المعرفية” لديها، فبدلا من أن تري الرجل على أنه الأمان والسكن، تراه نموذجا للغدر، وبدلا من أن ترى العلاقة الحميمة على أنها حب تراها اعتداء وعنفا.

ولكي يتم التخلص من ذلك هناك شقان: الأول عن طريق العرض على الطبيب النفسي كي يساعد في تغيير هذه المنظومة المعرفية ويعيدها سيرتها الأولى، أما الشق الثاني فهو عن طريق المعتدى عليها نفسها بأن تدرك مجموعة من العناصر التالية:

– لا نطلب منك نسيان الحادث، ولكن تعاملي معه على كونه خبرة مؤلمة مرت، وضعيها في حجمها بحيث لا تكون حائلاً دون استمرار الحياة، فإذا حدثت لأحدنا “حادثة سير”، وأصيب خلالها -لا قدر الله- بإصابات متعددة.. هل تكون هذه الحادثة هي نهاية الحياة؟! لا.

– تأكدي أن هناك برامج علاجية تطبق على بعض الحالات “بشكل فردي”، وتأتي بنتائج طيبة للغاية تعود فيها الضحية إلى ممارسة حياتها بشكل يقترب من الطبيعي، وتصبح فيها الحادثة مجرد ذكرى.

– عدم تخلصك من هذه الخبرة الأليمة يعني إخفاقا كليا في حياتك الزوجية، في حين يكون الجاني مستمتعا في حياته؛ لأن ضميره ميت، وكي تعيشي حياتك يجب أن تتجاوزي هذه الخبرة، ولا يكون ذلك إلا بالإيمان بالقضاء والقدر، وأن ما قد أصابك لم يكن ليخطئك، وهذا الإيمان يمنحك قوة تجعلك تسامحين.

– مسامحة الجاني ليس كي يعيش بسعادة، بل لتعيشي أنت بسعادة عندما تخرجين من نفسية الضحية؛ لأن ما حصل قدر من الله، وإلا فإن الاستمرار بعدم التسامح يعني الاستمرار بالمعاناة إلى الأبد.

– اعملي على رصد جميع الأفكار السلبية التي تدور في رأسك وناقشيها مع نفسك، فلا تخفيها وتتجاهليها فالصراحة مع ما يدور في النفس من أمور سلبية هو السبيل لنسيانها.

– حاولي تغيير الأفكار السلبية بأمثلة إيجابية، فمثلا بدلا من أن تقولي “الرجال ذئاب” قولي “ليس كل الرجال ذئاب” فهناك نماذج جيدة ولا يصح التعميم مطلقا.

– إن الشخصية الضعيفة تكون بيئة خصبة لنمو الأفكار السلبية، فعليك التسلح بشخصية قوية فاحتكي بالناس وافرزي الجيد من القبيح وأثري خبراتك الحياتية.

هل أخبر زوجي؟

عندما تتغلب المغتصبة على الآلام النفسية التي مرت بها وتقرر الزواج فإنها تقف أمام خيارين: فإما أن تخبر الزوج أو لا تخبره، وتقع في الحيرة بين هذين الأمرين.

وتركزت تساؤلاتهن في هذا الجانب حول سؤال واحد، فتقول إحدى الفتيات، وقد تعرضت لحادث اعتداء جنسي أليم: “هل حينما يتقدم لي أحد أصارحه أم لا؟ وكيف أتخلص من حيرتي هذه؟”.

ونحن نضع أمامك هنا كلا الخيارين بمميزات وعيوب كليهما، ولك الحرية في اختيار أحدهما حسب ظروفك وحالتك والشخص الذي تقدم للزواج بك:

الأول: أن تخبري الزوج، وهذا من باب الصدق، وهناك رأي شرعي يؤيد هذا، وعليك هنا أن تتحملي نتائج هذا القرار حتى لو كنت مهددة بعدم الزواج أو أن يعايرك زوجك بتلك الحادثة في وقت من الأوقات فيما بعد.

الرأي الثاني: هو ألا تخبري زوجك وهذا من باب الستر، وهناك رأي شرعي يؤيد ذلك أيضا، والستر يعطيك فرصة في بدء حياة جديدة، ويساعدك على إزالة آثار الذكريات السيئة لديك ولدى زوجك أيضا.

أما فريق مستشاري “مشاكل وحلول” فيؤكد أهمية الستر بالنسبة لمن تعرضت لاعتداء جنسي حتى لا يعايرها الزوج بذلك في يوم من الأيام، خاصة إذا كانت متأكدة من احتفاظها بعذريتها أو حتى إذا كانت تشك فقط بذلك.

أما في حال كانت متأكدة من فقدها غشاء البكارة فيفضل بالطبع إخبار زوج المستقبل وتركه يتخذ قراره إما بالاستمرار أو الانسحاب، مع الأخذ في الاعتبار عدم تحرجها أو التعامل مع نفسها كمذنبة، وتجنب معاملة الآخرين لها بهذا المنطق لأنها هي المعتدى عليها والضحية وليست المجرم بأي شكل من الأشكال.

غشاء البكارة

نظرا لكون غشاء البكارة هو الدليل المادي الوحيد على عفة الفتاة واحتفاظها بشرفها، خاصة في منطقتنا العربية وعالمنا الإسلامي، فمن الطبيعي أن تقلق أي فتاة فور وصولها مرحلة الزواج، فما بالنا لو تعرضت تلك الفتاة لاعتداء جنسي فسوف يتضاعف قلقها لحد العزوف نهائيا عن الزواج خوفًا من الفضيحة والتي قد تكون متوهمة في كثير من الأحيان.

تقول إحدى الفتيات: “اعتدي علي جنسيًّا وأنا صغيرة، ولا أستطيع الذهاب لاختصاصي لمعرفة ما إذا كانت البكارة موجودة أم لا، وكلما تقدم لي أحد رفضته، وإذا قلت لأهلي فمصيري الموت أو الاحتقار بالرغم من براءتي”.

وتقول أخرى: “أخبرتني الطبيبة بأن ما حدث لي لم يكن اغتصابًا، لكنه اعتداء جنسي، سبب لي نسبة كبيرة من التلف في غشاء البكارة، ولكني أخشى أن يكون تقديرها غير سليم”.

من الأسئلة الأخرى أيضا في هذا الجانب ما تعلق بخيار إعادة العذرية، وما العمل إذا لم تتمكن تلك الفتاة من الذهاب إلى طبيب نهائيا، وهذا ما سنحاول الإجابة عنه خلال السطور التالية:

* في حال حدوث الاعتداء في الصغر نرجو ألا تتسرعي في تصور فقدان العذرية نهائيا، فربما الأمر لا يدعو للجزع، لأسباب منها:

– من المعروف أن الذاكرة الخاصة بحادثة الاعتداء تُصَاب بنوع من العَطَب فيختلط الأمر على الضحية: هل ما حدث لها كان اعتداءً كاملاً أم لا؟‍‍‍‍

– إن غشاء البكارة أنواع وأصناف. فهناك مثلا نوع يسمى الغشاء المطاطي وهو يتمدد مع الضغط ثم يعود مرة أخرى، وهو لا يتقطع ولا يتمزق حتى مع الاتصال الجنسي، ويحتاج إلى تدخل طبيبة النساء والتوليد للكشف عنه، وأحياناً يستدعي تدخلا جراحيا بسيطا لقطعه، وعند بعض النساء يبقى سليما حتى الولادة الأولى.

– ليس كل اتصال جنسي يؤدي في البداية إلى تقطع في البكارة حتى في حالة الأنواع العادية منها، ففي كثير من الأحيان لا يكون ذلك التقطع ذا دلالة إلا بعد مرات من الاتصال الجنسي.

– لا يمكن الحكم على سلامة البكارة إلا بيقين، ولا يقين في ذلك إلا بالفحص الطبي الذي يمكن أن يجزم بحالة الغشاء؛ وبالتالي يكمن التصرف السليم في هذه الحالة في مراجعة طبيبة متخصصة في أمراض النساء والتوليد ومصارحتها بما وقع لتطمئنك على بكارتك، ولتهدئ من مخاوفك وهواجسك.

* إذا تعذر الذهاب لطبيبة لظروف خاصة بمكان الإقامة وردود الفعل المتعلقة بالأهل والمجتمع:

– يمكنك التفكير في إجراء فحص طبي في بلد غير بلدك إذا كان ذلك متاحا لك.

– إذا لم تتمكني من إجراء الفحص توكلي على الله وتزوجي. فإذا كانت عملية الاغتصاب لم تؤدِّ إلى هتك غشاء البكارة -وهذا وارد جدا- فسيمر الأمر بسلام وأمان، أما إذا كان قد حدث تهتك واكتشفه الزوج، فلا مفر أمامك عندها من أن تذكري له ما وقع لك.

– إذا سألك الزوج عن عدم إخباره فتكون الإجابة هي: عدم تأكدك من الهتك، مع إفهامه طبيعة المجتمع التي يدركها مثلك، وفي هذه الحالة إما أنه يثق بك وبروايتك، خاصة لو أن هناك أي شهود للواقعة يمكن الاستعانة بهم. أو لا يثق، وهو أمر لا يستطيع أن يلومه أحد عليه؛ فتوكلي على الله؛ وألقِ بأحمالك عليه

* في حال الشك في فحص الطبيبة ورغبتك في التأكد من هذا الفحص الأولي.

– اذهبي لطبيبة أخرى متخصصة، ولا تخبريها بقصة الطبيبة الأولى، فإن اتفق الرأيان على وجود البكارة فامضي في الزواج، والله تعالى حليم ستار على عباده، والتفتي إلى الحاضر والمستقبل وانسي الماضي تمامًا كأنه لم يكن، وتجاوزي آثاره النفسية.

– إن اختلف الرأيان، فاذهبي لثالثة ولا تخبريها بقصة الطبيبتين، ولا نظن أن وجود غشاء من عدمه سيختلف عليه اختصاصيو أمراض نساء، فضلا عن الفحص المتكرر، فإن كان رأي اثنتين أنه موجود فامضي في الزواج كما سبق أن ذكرنا.

– إن كان رأي اثنتين أنه غير موجود فواجهي الموقف بشجاعة وثبات فهو قدرك الذي لا بد أن تواجهيه برضا وثبات. وصارحي من يتقدم لك بالأمر، واطلبي منه أحد الخيارين، إما أن يستمر في أمره على ألا يحدثك فيه بعد ذلك أو يعيرك بما لا يد لك فيه، وإما أن يمضي ولا حرج عليه، على ألا يكلم فيه إنسانًا أبدًا، وليقسم بالله على ذلك قبل بدء الحديث.

– تأكدي أن قصة “طفلة أو فتاة تم اغتصابها” لا تمثل أي عار أو شين لصاحبتها لا أمام نفسها، ولا أمام الناس.

* في حال التأكد من فقدانك الغشاء واللجوء لخيار إعادة العذرية:

– صدرت فتوى عن دار الإفتاء المصرية بجواز “إعادة العذرية” إلى الفتاة التي فقدتها اغتصابًا، وما زالت هذه الفتوى تخضع لنقاش واسع، لكنها صدرت بالفعل على كل حال، ومنطقها يعتمد على الثقة فيمَن تدعي أنها ضحية اغتصاب، وليست عابثة أو فتاة ليل.. إلخ.

– في الإمكان الأخذ بهذه الفتوى، وفي هذه الحالة فإن العملية الجراحية يستحسن أن تتم في بلد آخر غير بلدك.

– يفضل أن يصحبك خلال إجراء العملية شخص مسئول عنك وأفضل الصحبة في مثل هذه الحالات امرأة كبيرة السن، حكيمة وعاقلة، ومحل ثقة.

– يفضل أن تجريها لك طبيبة، وبعد هذه العملية سيكون تجاوزك للأمر أسهل، والتعويل على إرادتك، وإيمانك بالله عز وجل.

 


فريق عمل نطاق مشاكل وحلول للشباب.