عصام تليمة

ليست بغية هذه الدراسة أن تنبش في الماضي لتخرج ما فيه من سقطات أو أخطاء بهدف النَّيْل أو التجريح من جهة ما، أو لحساب جهة على أخرى، إنما هدفها أن تنظر إلى الماضي نظرة فاحصة، مستخرجة الدروس والعبر، مستلهمة منه ما يعين على فهم الحاضر، واستشراف المستقبل، وطي صفحة غدت في بطن الغيب بين يدي الخالق جل وعلا، بما فيها من حسنات وسيئات، ولكي لا ننسف المستقبل لصالح الماضي، ولكي لا يتكرر الخطأ في التعامل مع الناس، وتناسي أقدارهم وعطائهم، وحسن تصنيفهم تصنيفا يقوي الجماعة الوطنية ولا يضعفها، وينهض بالفكر الإسلامي، ويغذيه بروافد عديدة لا يشترط أن تخرج من معين دَعَويٍّ وفكري واحد.

وقد اخترت الذين خرجوا من الإخوان بناء على موقف أو خلاف فكري، سواء في فكر الإخوان، أو في فكر إدارة الجماعة، وابتعدت عن الانشقاقات القائمة على أسباب سياسية أو شخصية، أو ما شابهها، لسببين مهمين: أولهما: لأنه يصعب فيها أن يخرج الباحث بنتيجة بحثية تنتهي بحكم صائب، أو بتخطئة رأي وتصويب آخر، إذ هي غالبا ما تكون في أمور إدارية تنظيمية سرية بحتة. ثانيهما: أنه يصعب أن يسمع الباحث من الطرفين، ففيها أمور تنظيمية قد يخفي طرف منها ما لديه فيها، بما يمثل ذلك من حساسية في إخراجها للنشر لأصحاب الشهادات، أو اتهاما للباحث بتلقيه المعلومة من جهات أمنية مما يشكك في نزاهة الباحث والبحث.

دوافع الخروج من الإخوان

لم تكن دوافع وأسباب الخروج من جماعة الإخوان واحدة، فقد كانت متعددة، وأغلبها بني على مواقف فكرية، سواء كانت مرتبطة بموقف انفعالي، أو موقف مدروس نتيجة محنة دفعت بأصحاب المواقف لاتخاذ قرارهم، أو تأمل الخارج منهم إلى مآلات الأمور ففكر في وسيلة أخرى يعمل بها دون صدام مع الجماعة أو النظام القائم، وقد حصرتها فيما يلي:

1- سبب فكري:

فمن الأسباب من كان فكريا، حيث اختلف مع الإخوان في التوجه، أو اتفق معهم في الغاية، وهي إقامة دولة إسلامية، والعودة بالمجتمع إلى الإسلام، ولكنه اختلف في الوسيلة والأداة التي يتغير بها المجتمع، أو ينصلح حاله بها، فمن هؤلاء: جماعة شباب محمد، وقد انشقوا عن الإخوان في عهد حسن البنا، وكان السبب أنهم اتهموا الإخوان بالتخلي عن واجب الجهاد، وتغيير المنكر باليد، ومنهم: سامي علي النشار، صاحب (التفكير الفلسفي في الإسلام) وغيره. وقد كان بعض هؤلاء انضم لحزب مصر الفتاة، وشاركوا معه في حادث تحطيم الحانات، سنة 1938م، والذي تراجع عنه أحمد حسين بعد ما يقرب من أربعين عاما في مقال له في مجلة الأزهر سنة 1978م.

2- الاقتناع بوسائل أخرى للعمل:

ومنهم من اقتنع بوسيلة أخرى يخدم بها الإسلام، وهي وسيلة التحالف مع السلطة، وعدم الصدام بها، واغتنام الفرصة التي تمنحه إياها من حيث إطلاق يده في وزارة معينة، أو منصب يمارس فيه مهامه التي يخدم فيها الإسلام، ومن أبرز هؤلاء شخصيتان لهما ثقلهما في جماعة الإخوان المسلمين بوجه خاص، وفي الفكر الإسلامي بوجه عام وهما: الشيخ أحمد حسن الباقوري، والدكتور عبد العزيز كامل، فكلاهما تولى وزارة الأوقاف في عهد جمال عبد الناصر.

أما الشيخ أحمد حسن الباقوري، فقد اقتنع بأنه عن طريق توليه منصب وزير الأوقاف يستطيع أن يخدم الدعوة والإسلام أكثر من تواجده في تنظيم الإخوان، وقد طلب جمال عبد الناصر ورجال ثورة يوليو من الإخوان أن يرشحوا لهم أربعة لتولي وزارات في حكومة الثورة، فرشحوا أفرادا ليس منهم الباقوري، ورشحت الثورة الباقوري لوزارة الأوقاف، فقبل الباقوري، ورفض مكتب الإرشاد العرض، فخالف بذلك الباقوري رغبة الإخوان، فقدم استقالته من الجماعة.

وقد سأل أحد الصحفيين الشيخ الباقوري وزير الأوقاف عن أسباب استقالته من الإخوان، فقال: (هي أسباب أحب أن أوثر بها نفسي، وليس من بينها سبب واحد يمس احترامي لإخواني، واعتزازي بهم، فكل واحد منهم صغيرا كان أو كبيرا في أعمق مكان من قلبي).

وبالفعل كانت للباقوري إنجازات قوية في وزارة الأوقاف، وكان له دور مع شباب الإخوان الذين عارض الأمن تعيينهم، وكان من هؤلاء عشرة من خريجي الأزهر المعينين على وظيفة إمام وخطيب، ورفض الأمن تعيينهم لانتمائهم لجماعة الإخوان، وإذ بالباقوري يفاجئ الجميع بتعيينهم على مسئوليته الشخصية، وكان من بين هؤلاء العشرة: يوسف القرضاوي، وأحمد العسال.وقام الباقوري كذلك بخدمات لعدد من الإخوان المسلمين، ورفع الظلم عن بعضهم، كما يشهد بذلك مؤرخ الإخوان محمود عبد الحليم. حيث قال عنه: هذه المفاجأة المؤلمة والتي انتهت بفقد الدعوة لأحد أبنائها الكبار لم تفقد المرشد العام -من ناحية- حبه الشخصي لهذا الأخ، كما أنها -من الناحية الأخرى- لم تفقد هذا الأخ الكبير حبه وتقديره للمرشد العام.. ثم قررت بدوري أنها لم تفقدني حبه.. وأوردت أمثلة لتصرفات تومئ إلى أن هذا الأخ وإن فقد موقعه في الدعوة، فإنه حاول جاهدا أن يعمل للمبادئ التي تعلمها في الدعوة، والمثل التي أشربها في موقعه الجديد.


أما د.عبد العزيز كامل والذي كان يسميه حسن البنا: ابن الدعوة (أي دعوة الإخوان) البكر، فقد كان مسئولا عن قسم الأسر، ولما حدث الصدام بين عبد الناصر والإخوان في 1954م وسجن في السجن الحربي، كان يدون كشوف الأسماء، فقد كان خطه جميلا، ويتقن إ
دارة الأمور المعيشية في السجن، فاستخدمه المسئولون عن السجن الحربي في ترتيب أموره، وكتابة كشوف الأسماء وغيره، مما جعل له مكانة عندهم تقدر في بعض الأحيان. وخفف عن كثير من الإخوان التعذيب، لما له من مكانة عند مسئولي السجن.

ولكنه تأمل في حال الدعوة وهو في السجن الحربي، وطال تفكيره، فانتهى به إلى أن ينهج نهجا آخر في العمل الدعوي، وصارح بذلك أحد تلامذته، وقد سألت هذا التلميذ عن سبب قرار عبد العزيز كامل ترك العمل مع الإخوان، فذكر: أن عبد العزيز كامل لم يكن يحب -بعد حبه لله ورسوله- أحدا كأمه، فجاءوا بها له في المعتقل، وهددوه بها، فكان هذا سبب انهيار الرجل،  وتفكيره في البحث عن وسيلة أخرى يعمل للإسلام بها، غير التواجد في تنظيم الإخوان المسلمين. وخرج عبد العزيز كامل من السجن، ثم بعد ذلك تولى وزارة الأوقاف في عهد عبد الناصر.

3- تجنيب الدعوة الصدام مع السلطة:

وممن ترك الإخوان وكان بناء على رأي عنده، فئة أخرى، رأوا ما رأوا من بوادر صدام حاد، يلوح في الأفق، وينذر بصدام دموي شديد بين الثورة والإخوان، وتحديدا بين جمال عبد الناصر والإخوان، ففكر في أن ينأى بنفسه بعيدا عن هذا الخلاف الشديد، ويبحث عن ميدان للعمل، يخدم فيه الإسلام، بعيدا عن العمل التنظيمي في الإخوان، ومن هؤلاء: الأستاذ البهي الخولي، وهو من جيل حسن البنا، وأستاذ القرضاوي، فقد رأى العلاقة بين الإخوان وعبد الناصر تصل إلى مرحلة احتقان شديدة، وكان رأيه -كما حكى لي الشيخ القرضاوي- أن على الجماعة أن تكتفي بما قدمت من تاريخ مشرق، وتنسحب من العمل السياسي، حتى لا يشوه تاريخها، وما قدمته، وفعلا قرر البهي ترك التنظيم، وقد كان لعلاقة البهي الخولي السابقة بالإخوان فضلا في تخفيف شدة الاحتقان -بعض الشيء- بين عبد الناصر والإخوان، خاصة مع بعض أفرادهم ممن لم يكن بينهم وبين عبد الناصر شخصيا خلاف، كما كان للبهي الخولي ابن يعمل ضابطا في السجن الحربي -اسمه مجيد- وكان يخفف عن مسجوني الإخوان.

4- الضعف وعدم تحمل آلام السجن:

ومنهم من كان سبب تركه للإخوان تنظيما لا دعوة، بسبب ما لاقاه من التعذيب في السجن، أو من رأى أن وجوده في السجن ليس لصالح الدعوة، وماذا عليه لو أنه أرسل برسالة استعطاف لجمال عبد الناصر، أو رسالة تأييد له في الحكم، وهو ما اشترطته الثورة آنذاك لمن أراد الخروج من السجن، ومن هؤلاء: عدد غير قليل من الأزهريين، وهو ما ترك صورة -لا زالت إلى الآن عند هذا الجيل من قدامى الإخوان- سيئة عن الأزهريين عند بعض الإخوان، وقد كانت الثورة أعلنت أن من يرسل رسالة تأييد لعبد الناصر يفرج عنه، فقررت جماعة الإخوان أن من يرسل رسالة تأييد يعتبر مفصولا من الإخوان، أو مستقيلا منها.

 وقد كان من هؤلاء الذين أرسلوا رسالة لعبد الناصر: الشيخ صلاح أبو إسماعيل، ولم ينضم أبو إسماعيل لجماعة الإخوان المسلمين في عهد حسن البنا، رغم أنه سمعه كثيرا، وأعجب به، ولكنه انضم عندما سمع كلمة من عبد القادر عودة وهو يخطب في جمع من الإخوان المسلمين، فسمعه يقول: مصر دولة نيابية، فلو استطعنا أن ندخل إلى المجلس النيابي بكثرة، لوصلنا إلى تغيير ما نريد حسب خطتنا الإسلامية، فاقتنع صلاح أبو إسماعيل في هذا اليوم بأن ينضم إلى جماعة الإخوان المسلمين تنظيما، وكان ذلك في أوائل الخمسينيات، ونشط الشاب صلاح أبو إسماعيل، الذي عمل في قسم الطلاب بالجماعة، وتحديدا في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، وكانت له جهود في الجهاد في القناة ضد الإنجليز، وقام ببعض الأعمال الفنية، وكان عضوا في مسرح الإخوان المسلمين، بل كان فتى الفرقة الأول، نظرا لما يتسم به من فصاحة في اللسان، ووسامة في الوجه، مع قامة فارعة، وقوام طويل، وقد قام بدور (هرقل) في إحدى مسرحيات الإخوان.

ثم اعتقل الشيخ صلاح أبو إسماعيل مع الإخوان في الخمسينيات، وقد فتح باب الإفراج عن المعتقلين من الإخوان المسلمين لمن يرسل رسالة تأييد للرئيس جمال عبد الناصر، فأرسل رسالة من داخل المعتقل، كتب في مقدمتها: من المعتقل صلاح أبو إسماعيل إلى السيد الرئيس جمال عبد الناصر.

ومع خروج الداعية صلاح أبو إسماعيل من المعتقل فور إرساله الرسالة، تسلم عمله في الأزهر، ثم برز دوره الدعوي، وتمرس في العمل السياسي النيابي، فدخل مجلس الشعب، وكان من أوائل الإسلاميين الذين مارسوا العمل السياسي، ولما خرج الإخوان من السجون، وبدؤوا يدخلون الانتخابات، بدأ شباب الإخوان يتساءلون: ما موقع صلاح أبو إسماعيل التنظيمي؟ وهل هو من الإخوان أم لا؟ فقطع الشيخ أبو إسماعيل بلباقته المعروفة الطريق على كل من يساوم بهذا الأمر قائلا: لو أخرجني الإخوان من الباب لدخلت إليهم من الشباك، بل استفادت جماعة الإخوان بجهد صلاح أبو إسماعيل السياسي، مما جعل شابا من شبابها ينجح معه على نفس قائمته، وهو الدكتور عصام العريان، ليصبح بذلك أصغر عضو في مجلس الشعب وقتها.

5- الخلاف في إدارة الجماعة:

وهناك سبب ينشأ عن الخلاف في كيفية إدارة الجماعة، وتحديدا: كيفية إدارة الصراع مع عبد الناصر والثورة، ومن هؤلاء المشايخ: عبد المعز عبد الستار، ومحمد الغزالي، وسيد سابق، أما الأول: فقد ترك التنظيم، بعد ما رأى أن طريقة إدارة الجماعة لا تروق له، ويخالف قرار مكتب الإرشاد، ويتجاوزه بعض الأفراد ويضرب قراراته عرض الحائط، وقد سألت الشيخ عبد المعز عن استقالته من الإخوان، فقال: أنا لم أستقل من الإخوان ولم أفصل، أنا تركتهم، لفساد مكتب الإرشاد، لقد بايعنا جميعا حسن الهضيبي مرشدا، ولم يجتمع بنا طوال توليه إلا مرات قليلة، كما كان يتقابل -مع قلة من المسئولين- مع عبد الناصر، ويتفاوضون معه، دون الرجوع إلينا، أو إعلامنا بما دار، أي أننا -أعضاء مكتب الإرشاد- كنا مجموعة من (الجرادل)، أي أن أولى مبادئ الشورى لم تكن تطبق، فرأيت فسادا في الفكر عن الشورى، وفسادا في إدارة الجماعة فتركتهم، وكان لي رأي في الصدام مع الثورة، أنه على الجماعة تجنب هذا الصدام. وأما الآخران: الغزالي وسابق، فقد احتلا المركز العام للإخوان المسلمين، وقادا ثورة على مرشد الجماعة (حسن الهضيبي) لملعومات مشوشة وصلتهم عنه، وفُصلا على إثر ذلك من الجماعة.

وبعد فصل الغزالي من الإخوان، لم يتنكر الرجل للجماعة التي نشأ فيها -ونفس الكلام يقال عن السيد سابق- أو ينقلب عدوا مبغضا لها ولأفرادها، رغم ما كتبه الغزالي في نقد الهضيبي مرشد الإخوان في كتابه (من معالم الحق) وبخاصة في طبعاته الأولى، يقول الغزالي عن موقفه من الإخوان بعد فصله، وقد ألقوا في غياهب المعتقلات والسجون، وقد تبوأ مكانا ومكانة في وزارة الأوقاف: (وقد أحصى مكتب الاستعلامات في الوزارة من يطلبون الدخول إليها، فوجد ثلاثة أرباعهم يذكرون اسمي، ولما كُلِّمتُ في ذلك قلت: معنى موظف عام أنه خادم للجماهير حقيقة لا دعوى… وبديهي أن يكون الإخوان المسلمون -فرادى- أول من يسعهم هذا النشاط، طالما هَشَشتُ للقائهم، وطمأنت قَلَقهم، وأريته من نفسي الاستعداد التام لعونه!).


ولما جاءت أحداث اعتقالات 1965م، وكانت حملة الاعتقالات أشد من الحملات السابقة، يقول الغزالي: (طُلبت إلى الإذاعة، فلما ذهبت وجدت عددا من الشيوخ والإخوان الأقدمين. وكانت التعليقات محددة:
  إن الرئيس أمر بنشر مساوئ الإرهابيين، وتحذير الأمة من الثقة بهم أو التعاون معهم، ويجب أن تقوم بهذا الواجب الوطني على عجل! تَمَلْمَلتُ فوق كرسيَّ ضائقا، ولاحظ ذلك المشرفون على البرنامج فتجاهلوني، ثم كلفوني -بوصفي مفصولاً من الإخوان- أن أبدأ التسجيل! كان جوابي حاسما: أنا على استعداد للحديث عن الإسلام، وضرورة إحياء ما مات من أحكامه، ومستعد لإرشاد المخطئين، حكاما كانوا أو محكومين، لإصلاح ما يكون قد بدر منهم من خطأ، أمّا شتم الإخوان وحدهم، فليس من خلقي أن أجهز على جريح!.

قيل: إنهم فصلوك من جماعتهم، فلماذا تُبقي عليهم؟ قلتُ: إذا استضعفوني أيام قوتهم، فلن أستضعفهم أيام حريتي! وما هي إلا ساعات حتى كانت القيود في يدي!)، ونفس المواقف للسيد سابق، فقد كان معه في الأوقاف، ولم يقل دور عبد المعز عبد الستار عن زميليه، وخاصة عندما خرج إلى السعودية، ثم إلى قطر، فقد كانت له مواقف كثيرة في الوقوف بجانب الإخوان المطاردين خارج مصر.

6- الخدمة العامة للإسلام:

وهناك فئة ممن تركوا الإخوان تنظيما وليس فكرا، رأوا أنهم وصلوا إلى مرحلة يجب فيها أن يكونوا رموزا للأمة، وأن يكونوا ملكا لها وحدها، وألا يحصرهم إطار تنظيمي واحد، فهم للأمة أكثر منهم للتنظيم، ومن هؤلاء: الدكتور يوسف القرضاوي، فقد ظل عضوا منظما في جماعة الإخوان المسلمين، منذ بداية الأربعينيات من القرن العشرين، إلى ما يقرب من نهاية الثمانينيات، تحديدا في عام 1988م، فقد طلب من التنظيم العالمي للإخوان المسلمين إعفاءه من العضوية التنظيمية في الجماعة، نظرا لأنه أصبح يمثل الأمة كرمز أكثر منه ممثلا لجماعة الإخوان المسلمين، وأن نفعه بهذه الصفة للإسلام سيكون أكثر وأثمر بلا شك، وقد تفهم الإخوان طلبه، وسرعان ما أجابوه إليه، كما يقول القرضاوي.

هذا عرض مجمل لأهم الأسباب التي أدت إلى خروج بعض الإخوان ممن اختلفوا في الفكر، أو طريقة العمل مع الجماعة، ويلاحظ في كل من خرجوا عن تنظيم الإخوان في الحالات التي ذكرتها: أنهم لم يتنكروا  لماضيهم، ولم يتقاعسوا عن العمل للإسلام، بل عندما خرجت جماعة الإخوان المسلمين من سجون عبد الناصر في بداية السبعينيات، لم يجدوا عباءة يتدثرون بها سوى هؤلاء الرموز الذين تركوا التنظيم، بل منهم من عرض نفسه للخطر ومد يد العون المادي والمساعدة لأسر الإخوان وهم في السجون، كما ذكر الغزالي في مذكراته، ووهبة حسن وهبة الناشر المعروف، الذي سجن بسبب مساعداته المادية للإخوان، وغيرهم ممن لهم مواقف يضيق المقام من ذكرها، كلها تصب في خانة الشهامة، وحسن الخلق، وعدم التنكر، وحفظ الجميل.

هوامش ومصادر:

1- انظر: جريدة المصري العدد الصادر في يوم 11/9/1952م.

2- انظر: ابن القرية والكتاب (مذكرات القرضاوي) الجزء الثاني ص 248.

3- انظر: الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ لمحمود عبد الحليم (3/150-155).

4- انظر: المصدر السابق (3/156).

5- انظر: مذكرات عبد العزيز كامل تحت عنوان: (في نهر الحياة).طبعة المكتب المصري الحديث.

6- من مقابلة مع الشيخ عبد التواب هيكل، أحد معتقلي الإخوان في السجن الحربي في سنة 1954م، وقد كان عبد العزيز كامل سببا في منع التعذيب عنه عند دخول السجن في أول مرة، عندما رجا ضباط السجن عدم تعذيبه، فقبلوا شفاعته.

7- هو الشيخ حسن عيسى عبد الظاهر. من مقابلة مع الشيخ يوسف القرضاوي.

8- من مقابلة مع الدكتور حسن عيسى عبد الظاهر، أحد معتقلي الإخوان في السجن الحربي سنة 1954م، مع د. عبد العزيز كامل في زنزانة واحدة.

9- من مقابلة مع علي نويتو، أحد أعضاء التنظيم الخاص في شعبة إمبابة، وأحد المتهمين بتدبير عملية اغتيال جمال عبد الناصر، وقد حكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة سنة 1954م.

10- انظر: مقدمة كتاب (الشهادة.. أقسمت أن أقول الحق) وهي شهادة الشيخ صلاح أبو إسماعيل في قضية تنظيم الجهاد. طبعة دار الاعتصام.

11- سمعت نص رسالة الشيخ صلاح أبو إسماعيل للرئيس جمال عبد الناصر في إحدى جولاته الانتخابية، وقد قام أحد الأزهريين بتلاوتها على الحضور في المسجد الكبير بمدينة أوسيم بالجيزة، من باب اتهام صلاح أبو إسماعيل بضعفه، وتشويه صورته، لعله بذلك يفت في عضد شباب الإخوان في تأييده، وهو ما انقلب إلى ضده، ورد صلاح أبو إسماعيل بقوله: إن كلمة من المعتقل التي في أول الرسالة تجب ما بعدها، فهي تصور ما كنت فيه من واقع مرير، وتعذيب شديد بدني ونفسي، فضج المسجد بالتكبير تأييدا لصلاح أبو إسماعيل.

12- انظر: قصة حياة للشيخ محمد الغزالي.


باحث وداعية إسلامي

*نقلا عن مجلة “الكتب وجهات نظر” المصرية الشهرية.